- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 317

خاتمة االمسير


وقفة : في هذا القسم - الأخير - أشياء كنت أضعها أمامي ، وأسئلة أثيرها ، أستخرجها من بطون الحقائق ، وأسئلة كهذه لا
بد أن تكون على درجة من التحديد والقوة تؤهلها للنفوذ إلى الأعماق ، واستثارة المواقف السليمة الصافية التي تكمن فيها ،

والتي قد تحجبها أحيانا أغشية الميول والعواطف ! وإن عملية كهذه تتطلب قدرا كافيا من الشجاعة والجرأة ، وهذا هو شأن الحقيقة دائما ، لا يبلغها إلا من يملك الشجاعة الكافية في تحدي كل ما يتوسط الطريق إليها ، والإرادة الثابتة في مواصلة

الطريق ، واتخاذ الموقف الأقوى والأسلم . ومسيرة كهذه لا بد أن يقودها الفكر الحر إلى نهاية المطاف . فهذا سؤال كان يلازمني ، يقول : أليس من الواجب علينا أن نتحرى مواضع رضا الله ورسوله ، فنعرفها ، ونأخذ بها ، ونعرف من أرضاه

، فنواليه ؟ إذن ، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول في آخر أيامه : " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا " فيقول قائلهم :
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 318

ما له ؟ أهجر ؟ حسبنا كتاب الله ! أترى أرضاه هذا ، أم أسخطه ؟ ولنا أن نسأل ، فنقول : لو أن عمر كان يظن أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم سيوصي له ، أو لأبي بكر ، أكان يقول ما قال ، أم سيكون أسرع الملبين ، وسيهتف بملء

فيه : هلموا يكتب لكم رسول الله ، فاسمعوا له وأطيعوا ؟ وليس هذا تهكما مني ، سوء ظن ، بل هو ما حدث فعلا يوم عهد
له أبو بكر بالخلافة في آخر أيام حياته ، وهو على فراش الموت ، وكان يغمى عليه ثم يفيق وهو يملي الكتاب !

قال ابن الأثير : ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان ليكتب عهد عمر ، فقال له : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد . ثم أغمي عليه ، فكتب عثمان : فإني قد استخلفت عليكم عمر بن

الخطاب ، ولم آلكم خيرا . ثم أفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ علي . فقرأ عليه ، فكبر أبو بكر ، وقال : أراك خفت أن يختلف المسلمون إن مت في غشيتي ؟ قال نعم . قال : جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله . فلما كتب العهد أمر أن يقرأ على الناس ، فجمعهم ، وأرسل الكتاب مع مولى له ، ومعه عمر ، فكان عمر يقول للناس : أنصتوا واسمعوا لخليفة
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 319

رسول الله ، فإنه لم يألكم نصحا ! فسكن الناس ( 1 ) .

 - أما كان أولى به أن يقول : اسمعوا لرسول الله ؟ أو أن يسكت ؟ - أما كان الأولى أن يقال لأبي بكر إنه هجر ، إذ كان يغمى عليه وهو يوصي ؟

- أم لماذا كانوا يخشون وقوع الفتنة واختلاف المسلمين بعد أبي بكر فأتموا له كتابه وهو مغمي عليه ، بينما قطعوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامه ، وأكثروا اللغط والضجيج وهو يخاطبهم ، فلم يخشوا وقوع الاختلاف بعده ؟ !

فهل أرضوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أسخطوه ؟

ثم متى صح لمؤمن أن يقف حائرا ، لا يدري أيكون مع رضا رسول الله أم مع سخطه ؟

وهكذا لو تتبعت كل ما تقدم ذكره من أحداث ووضعتها تحت هذا السؤال ، لوجدت الحقائق ناصعة جلية ، ولا شئ أوضح منها ، ولا أقرب إلى الأذهان .

أفرسول الله أحق أن يتبع أم من بعده ؟ قال ابن عباس رضي الله عنه : أراهم سيهلكون ، أقول قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقول : نهى أبو بكر وعمر ( 2 ) ! دروس ومواعظ : فكم من موعظة بالغة بسطها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بيننا دليلا إلى الهدى ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل في تاريخ 2 : 425 - 426 ، وانظر تاريخ الطبري 4 : 52 . ( 2 ) مسند أحمد 1 : 337 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 320

 - ألم تكن في قصة تبليغ سورة براءة موعظة : إذ بعث بها أبا بكر ، حتى إذا سار بها بعضا من الطريق أرسل خلفه عليا ليأخذها منه ، ويرده ! فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : أنزل في شئ ؟ قال : " لا ، ولكن أمرت ألا يؤدي عني إلا أنا ، أو رجل مني " .


هكذا كان في تبليغ أربعة أحكام من القرآن الكريم ، فرده الله تعالى ، وانتخب لها عليا عليه السلام ، ثم زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر وضوحا ببيانه المحكم : " أمرت ألا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني " . فكيف في تبليغ الإسلام كله ، والقيام عليه وحمايته ، أيرتضى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا رجل منه ؟


- وموعظة أخرى : في راية خيبر ، إذ بعث بها أبا بكر ، فعاد ولم يصنع شيئا ، فأرسل بعده عمر ، فعاد ولم يفتح ( 1 ) -

أما الطبري فقال : فعاد يجبن أصحابه ويجبنونه ( 2 ) - فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ، فقال : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار " وفي رواية : " لا يخزيه الله أبدا ، ولا يرجع حتى يفتح عليه " ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل في التاريخ 2 : 219 ، أسد الغابة 4 : 21 ، الخصائص للنسائي : 5 ، البداية والنهاية 7 : 349 ،
حلية الأولياء
1 : 62 ، دلائل النبوة 4 : 209 .
( 2 )
تاريخ الطبري 3 : 93 ، وصححه الحاكم في المستدرك 3 : 37 ، ووافقه الذهبي .
( 3 )
صحيح البخاري - كتاب الفضائل - 5 : 87 / 197 و 198 و - كتاب المغازي - 5 : 279 / 231 ،
صحيح مسلم
- كتاب الفضائل - 4 : 1871 / 32 - 34 ، سنن الترمذي 5 : 638 / 3724 ،
سنن ابن ماجة
1 : 43 / 117 ، مسند أحمد 1 : 185 ، 5 : 358 ، المستدرك 3 : 109 ،
مصابيح السنة
4 : 93 / 4601 ، الخصائص للنسائي 4 - 8 ، تاريخ الإسلامي للذهبي - جزء المغازي - 407 ، = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 321

فهل أبقى هذا الحديث المتفق عليه على شئ مما يقال له ( فضائل الشيخين ) !

- موعظة أخرى : يوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جمع من الصحابة : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . فاستشرف له القوم ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : " لا " .

قال عمر : أنا هو ؟ قال : " لا ، ولكن خاصف النعل " وكان علي يخصف نعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال أبو سعيد الخدري : فأتيناه فبشرناه ، فلم يرفع به رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 1 ) .

وقريب منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبني لهيعة - وفي رواية لوفد ثقيف - : " لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلا مني -
أو قال : مثل نفسي - ليضربن أعناقكم ، وليسبين ذراريكم ، وليأخذن أموالكم " . قال عمر : فوالله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ فجعلت أنصب صدري رجاء
 

 

* ( هامش ) *
= دلائل النبوة 4 : 205 - 206 ، الاستيعاب 3 : 36 ، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 43 / 6893 - 6896
وكافة أصحاب السير والمناقب هذا غير ما تقدم في هامش ( 1 ) ( 2 ) المتقدمين .

( 1 ) مسند أحمد 3 : 82 ، فضائل الصحابة 2 : 627 / 1071 ، المستدرك 3 : 123 وصححه على شرط الشيخين ،
أسد الغابة
4 : 32 - 33 ، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9 : 46 / 6898 ، البداية والنهاية 7 : 375 ،
ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق
3 : 163 ، مجمع الزوائد 5 : 186 و 9 : 133 ، تاريخ بغداد 8 : 433 ،
الصواعق المحرقة
باب 9 : 123 ، الرياض النضرة 3 : 157 ، حلية الأولياء 1 : 67 ،
كنز العمال
13 : 107 / 36351 وسائر أصحاب المناقب . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 322

أن يقول : هو هذا ، فالتفت إلى علي ، فأخذ بيده ، وقال : " هو هذا ، هو هذا " ( 1 ) .

- وهذه الموعظة : عن أم المؤمنين عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة : " ادعوا لي حبيبي " فدعوا له أبا بكر ، فنظر إليه ، ثم وضع رأسه ، ثم قال : " ادعوا لي حبيبي " فدعوا له عمر ، فلما نظر إليه وضع

رأسه ، ثم قال : " ادعوا لي حبيبي " فدعوا له عليا ، فلما رآه أدخله في الثوب الذي كان عليه ، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه ( 2 ) .

ولست هنا بمقام المفصل لهذا البيان المفصل ، ولكن لنتذكر فقط أن هذا إنما جاء بعدما أبوا أن يكتبوا عهده الأخير إليهم وإلى أمته من بعدهم ! وإنما كان لما حضرته الوفاة ، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه ! إذا تذكرنا هذا فسوف ينكشف لنا

الكثير ، ويزول عنا إبهام كثير ، فهو بلاغه الأخير صلى الله عليه وآله وسلم في لحظات لا يمكن لمن شهدها أو سمع بها أن ينساها .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الترمذي 5 : 634 / 3715 ، فضائل الصحابة 2 : 571 / 966 ، الاستيعاب 3 : 46 ، أسد الغابة 4 : 26 ،
الرياض النضرة
3 : 119 ، الخصائص للنسائي : 10 ، 19 ، كنز العمال 13 : 115 / 36373 .

( 2 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما في ترجمة الإمام علي 3 : 17 / 1036 ،
والمحب الطبري : في الرياض النضرة 3 : 141 ، وفي ذخائر العقبى : 72 ، والخوارزمي : في المناقب : 29 ،
وفي مقتل الحسين 1 : 38 ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب : 263 . والملا في سيرته : ج 5 - ق 2 - 174 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 323

ومع تلك المواعظ ونظائرها ، نقول : سبحان الذي قضى ألا يدع الأمور تجري عبثا ، حتى يبين للناس حكمه فيها ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) ( 1 ) .

لا بد من جواب : لعل أول القضايا كلها هي قضية الإمامة ، وقضية الإمامة تواجهنا بسؤالين أساسيين لا بد من إيجاد الجواب الصحيح عنهما ، وهما :

 1 - هل ترك الله جل جلاله أمر خاتم الأديان مبهما بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل ترك أمر عباده إلى يوم الدين هكذا بخلاف سائر الأمم قبل الإسلام ، إذ كان يخلف كل نبي عدد من الأوصياء ؟ !

أم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك هذه الأمة تحتار في أمرها من بعده ، فلا تجد منه عهدا تحتكم إليه ، ولا قولا تتمسك به ، ولا ركنا تتكئ عليه ، فتعود أمة تموج وتضطرب ، تتقاذفها الآراء ، والاجتهادات والأهواء ، وكأن سيد المرسلين لم يبعث فيها ، وكأن خاتمة رسالات السماء لم تتم بعد ؟ !

أم يصح أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين : " من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " وهو لم يعين لهم من يبايعون ؟ أو يقول : " من مات ولم يعرف إمام زمانه - وليس عليه إمام - مات ميتة جاهلية " وهو لم يرشدهم

إلى الأئمة الحق الذين وجب اتباعهم ؟ هل يصح أن يكون المراد بهذا مجرد البيعة ، وإن كانت لأهل البدع والأهواء ، أو لكل من تغلب بالسيف ، وإن أقام الباطل وقهر أهل العدل والصلاح ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة النساء : 165 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 324

كيف يتم هذا وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول : " لا طاعة في معصية الله " ( 1 ) وهو صلى الله عليه وآله وسلم عندما حث المؤمن على طاعة الأمير اشترط لذلك ، فقال : " ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ( 2 ) .

إن هذا كله يدل دلالة لا شك فيها على ضرورة تعيين الإمام والخليفة بعد النبي ، والنص عليه ، هذه الضرورة التي لم يغفل عنها نبي من الأنبياء ولا ملك من الملوك ، ولا قائد من القادة لأجل حفظ شريعته واستمرار نهجه ، فهل يتركها خاتم الأنبياء وحده ؟

ثم لماذا لا ننتبه - ونحن ندعي عدم وجود النص على الإمام - إلى قضية خطيرة أخرى ، وهي : ما هو مصير من سيموت بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل أن تتم البيعة للخليفة ؟ إنه سيموت وليس عليه إمام ، وليس في عنقه بيعة !

فما الذي جناه هذا ليموت ميتة جاهلية ؟ وهكذا في كل فترة بين خليفتين ، إذ من المعروف أن المسلمين قد بقوا ثلاثة أيام بعد موت عمر وليس عليهم إمام ، وعدة أيام بعد موت عثمان ، ثم هو أمر جار بلا ريب ، بحسب هذا الفرض ! فإذا أيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول إلا حقا ، وأنه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم - الإمارة - 3 : 1469 / 39 ، سنن النسائي - البيعة - 7 : 160 ،
 سنن ابن ماجة - الجهاد - 2 : 956 / 2865 ، مسند أحمد 1 : 94 وعدة مواضع أخرى .

( 2 ) البخاري - الجهاد - 4 : 126 / 162 ، - الأحكام - 9 : 113 / 8 ،
مسلم
- الإمارة - 3 : 1469 / 38 سنن الترمذي - الجهاد - 4 : 209 / 1707 ،
سنن النسائي
- البيعة - 7 : 160 ، سنن ابن ماجة - الجهاد 2 : 956 ، مسند أحمد 2 : 17 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 325

صلى الله عليه وآله وسلم أرحم بالمسلمين من أن يسوقهم إلى جهنم من غير ما ذنب جنوه ، وإنما أرسل رحمة للعالمين ، أيقنا عندئذ أنه صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يعرض أمته لمحنة محتومة كهذه ، ولئلا يترك أمته عرضة للاضطراب والاختلاف

والفتن ، ولئلا يدع شريعته - وهي خاتمة شرائع السماء - غرضا لأهل البدع والأهواء ، و ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) لأجل هذا كله لا بد أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى ، ونص على الإمام من بعده ، وعلى إمام بعد إمام . وهذه هي الحقيقة التي لا يستقيم غيرها مع ما ورد من نصوص القرآن والسنة في أمر الإمامة .


 2 - تقدم الكلام في وجوب الإمامة ، وما فرضه الله تعالى ، وأوجبه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعليه إجماع الأمة من وجوب وجود إمام تعقد له البيعة في كل زمان .

فليس خفي - مع هذا - على كل مسلم أنه سوف يسأل غدا عن إمام زمانه الذي كان يعتقد إمامته ، ويعقد له البيعة والولاء . وبديهي أن من بايع لإمام معتقدا إمامته كان وراءه يوم القيامة ، فإما أن يكون هو الإمام الذي ارتضاه الله ورسوله ، فيقدم

قومه فيوردهم الجنه والرضوان ، وإما أن يكون غيره ، فيوردهم النار ! أعاذ الله أمة حبيبه المصطفى منها ومن أهوالها .
قال صلى الله عليه وآله وسلم : " ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون " ( 1 ) .

فلنعرض هذا السؤال الخطير اليوم على أنفسنا ، قبل أن تعرض عليه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
الصواعق المحرقة : باب 11 : 150 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 326

غدا : فمن هو الإمام الذي تجب معرفته ، وتجب موالاته في زماننا هذا ؟

إنك مهما بحثت فلن تجد جوابا لذلك إلا لدى الشيعة الإمامية ، ففي عقائدهم : أن إمام هذه الأزمان هو : الإمام المهدي المنتظر ، ابن الإمام الحسن العسكري ، ابن الإمام علي الهادي ، ابن الإمام محمد الجواد ، ابن الإمام علي الرضا ،

ابن الإمام موسى الكاظم ، ابن الإمام جعفر الصادق ، ابن الإمام محمد الباقر ، ابن الإمام علي زين العابدين ، ابن الإمام الحسين الذي هو أخو الإمام الحسن ، سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانتاه ، وسيدا شباب أهل الجنة ،

ابنا الإمام علي بن أبي طالب أخو رسول الله ووصيه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فهو الإمام الثاني عشر - من الأئمة الاثني عشر القرشيين ، الهاشميين ، الهادين المهديين - المولود في سنة 255 ه‍ في سامراء من أرض العراق . وهو الإمام المنتظر الموعود الذي تبشر به مذاهبنا الإسلامية كافة ( 1 ) .

وهذا هو الجواب الوحيد الذي يستقيم مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتفق عليها في الإمامة ، وأشهرها :

 1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إني تارك فيكم الثقلين - خليفتين - كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر سنن أبي داود - كتاب المهدي - 4 : 106 ، سنن الترمذي - باب ما جاء في المهدي - 4 : 505 .

( 2 ) صحيح مسلم 4 : 1873 و 1874 ، سنن الترمذي 5 : 662 / 3786 و 663 / 3788 ،
مسند الإمام أحمد
3 : 14 ، 17 و 4 : 367 ، 371 و 5 : 182 ، 189 ، سنن الدارمي 2 : 432 ،
مصابيح السنة
4 : 185 / 4800 و 190 / 4816 ، فضائل الصحابة 2 : 603 / 1035 ،
الخصائص
للنسائي : 21 ، السيرة الحلبية 3 : 336 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 112 ، تفسير الرازي 8 : 163 ،
تفسير ابن كثير
4 : 122 ، العقد الفريد 4 : 126 وتقدم ذكر مزيد من مصادره . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 327

قال ابن حجر الهيثمي : وفيه إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك ( 1 )

 2 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " ( 2 ) . وفي لفظ " الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش " ( 3 ) .

ولقد رأينا من هم أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فهم المصطفون من آل المصطفى ، الذين قال فيهم : " لا تتقدموهم فتهلكوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " . وقال : " وإني سائلكم غدا عن الثقلين ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . " أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " .


 لماذا هذا الجفاء ؟ لقد كنت زمنا أعجب لمن يقول بمبدأ ( السلفية ) فيستنكر كل شئ لم يكن قد عمل به على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى مكبرات الصوت في المساجد ، قالوا : إنها بدعة لأنها لم تكن على عهد النبي ! وأمثالها كثير

، ترى فلماذا لا يستنكرون السجود على الفراش ، ثم السجاد السميك ، وهم يعلمون علم اليقين أنه خلاف ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والصحابة ، وحتى التابعين ؟ فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجوده على غير التراب والحصى ، أو الحصير المتخذ من الجريد .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الصواعق المحرقة - باب 11 فصل 1 : 151 .
( 2 ) ( 3 )
صحيح البخاري - كتاب الأحكام - ح / 79 ، صحيح مسلم - كتاب الإمارة - ح / 1821 ،
سنن الترمذي
4 : 501 / 2223 وتقدم ذكر مزيد من مصادره . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 328

لقد كنت أسرع شئ للاقتناع بهذا ، فهو من أكثر الأشياء وضوحا .

وكنت رغم ما بلغته من الاطمئنان إلى مسألة ( مسح القدمين ) في الوضوء ، ورغم أني قد قرأت ما حكاه الرازي فيها
مفصلا في تفسيره ، وقد ذكر عددا ممن قال بوجوبه ، وعددا ممن قال بالتخيير بين المسح والغسل ، وعددا ممن جمع بينهما

( 1 ) ، رغم هذا كنت أتشوق لرؤية مزيد من الأحاديث الصحيحة في هذا عند أصحاب التصانيف المعتبرة ، حتى وقفت على ذلك في عدة مصادر ، منها :

 * سنن أبي داود : بالإسناد عن علي عليه السلام قال : " لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما " . وهذا نص صريح بالمسح على القدمين في الوضوء دون الغسل . ثم رواه بإسناد آخر - تحت نفس الرقم - عن علي عليه

السلام أنه قال : " كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما " ( 2 ) . والغريب أنه بعد أن ذكر الحديثين قال : قال وكيع : يعني الخفين ! وهذا تحكم ظاهر لا قيمة له ولا دليل عليه ، ولا مجرد إشارة .


 * وفي سنن ابن ماجة : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : إن الناس أبوا إلا الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح
 ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير الرازي 11 : 161 وبعدها .
( 2 )
سنن أبي داود - كتاب الطهارة - ح / 164 .
( 3 )
سنن ابن ماجة 1 : 156 / 458 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 329

 * وفي مسند أحمد بن حنبل : عن علي عليه السلام أنه قال : " كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما ، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما " ( 1 ) .

 * مسند الحميدي : روى حديث أحمد المتقدم بنصه ، وذكر له مصادر أخرى ( 2 ) .

 * مسند أبي يعلى الموصلي : روي الحديث من طريقين عن علي عليه السلام : " كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما " ( 3 ) .

 * السنن الكبرى للبيهقي : عن رفاعة بن رافع : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسئ صلاته : " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله : يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين " ( 4 ) .

 * وفي الدر المنثور : - وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ) قال : هو المسح . - وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وابن ماجة ، عن ابن عباس ، قال : أبى الناس إلا الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح . - وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، عن ابن عباس ، قال : الوضوء غسلتان ومسحتان .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 1 : 95 .
( 2 )
مسند الحميدي : 26 / 47 .
( 3 )
مسند أبي يعلى 1 : 287 / 86 - ( 346 ) و 1 : 455 / 353 - ( 613 ) .
( 4 )
السنن الكبرى 1 : 44 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 330

 - وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عكرمة ، مثله . - وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن ابن عباس ، قال : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى أنه ذكر التيمم ، فجعل الغسلتين مسحتين وترك المسحتين .

 - وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن قتادة ، مثله . - وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وعن أنس ، أنه قيل له : إن الحجاج خطبنا ، فقال : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ) وأنه ليس شئ

من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما . فقال أنس : صدق الله ، وكذب الحجاج ، قال الله : ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ) . قال : وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما .


 - وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، عن الشعبي ، قال : نزل جبريل بالمسح على القدمين ، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ، ويلقي ما كان مسحا ( 1 ) .

وهذه كلها أحاديث تمتعت بأسانيد هي من أقوى الأسانيد وأصحها . وهكذا لو تناولنا جميع المسائل بالدرس الموضوعي المجرد عن الميول لتوصلنا إلى مثل هذه النتائج الواضحة .
 
 

* ( هامش ) *
( 1 ) الدر المنثور 3 : 28 - 29 عند الآية ( 6 ) من سورة المائدة . ( * )

 


 
 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب