الدلائل النبوة وخلاصة ما جرى مع أهل البيت

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 189

من الدلائل النبوة وخلاصة ما جرى مع أهل البيت في هذا العهد يعطينا معالمها عدد ليس بالقليل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، اخترنا منها هنا أربعة فقط لننتقل بعدها إلى العهد الآخر .

 1 - أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : " أما إنك ستلقي بعدي جهدا " . قال : في سلامة من ديني ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : " في سلامة من دينك " ( 1 ) .

 2 - كان علي عليه السلام مريضا ، وقد عاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر معه ، فقال أحدهما للآخر : ما أراه إلا هالكا ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " إنه لن يموت إلا مقتولا ، ولن يموت حتى يملأ غيظا " ( 2 )

 3 - وعنه عليه السلام قال : " إن مما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 140 وقال : صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
( 2 )
المستدرك 3 : 139 ، الكامل في التاريخ 3 : 387 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 190

وسلم أن الأمة ستغدر بي بعده " . وفي لفظ آخر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي " إن الأمة ستغدر بك بعدي " ( 1 ) .


 4 - عن علي عليه السلام ، قال : " بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي ، ونحن نمشي في بعض سكك المدينة إذ أتينا على حديقة ، فقلت : يا رسول الله ، ما أحسنها من حديقة ! فقال : لك في الجنة أحسن منها .

ثم مررنا بأخرى ، فقلت : يا رسول الله ، ما أحسنها من حديقة ! قال : لك في الجنة أحسن منها . ثم مررنا بسبع حدائق كل ذلك أقول : ما أحسنها . ويقول : لك في الجنة أحسن منها . . فلما خلا له الطريق اعتنقني ثم أجهش باكيا . قلت : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور أقوام ، لا يبدونها لك إلا من بعدي " ( 2 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المستدرك 3 : 140 وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ابن عساكر في الترجمة 3 : 148 / 1164 - 1168 ،
دلائل النبوة
6 : 440 ، تذكرة الحفاظ 3 : 995 ، البداية والنهاية 7 : 338 ابن أبي الحديد 6 : 45 ، تاريخ بغداد 11 : 216 ،
كنز العمال
11 / 32997 ، الخصائص الكبرى 2 : 235 .

( 2 ) مسند أبي يعلى الموصلي 1 : 426 / 305 ، وصححه الحاكم في المستدرك 3 / 139 ، ابن أبي الحديد 4 : 107 ،
الرياض النضرة
3 : 184 ، مجمع الزوائد 9 : 118 ، المناقب للخوارزمي : 26 ، كنز العمال 13 : 176 / 46533 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 191

مجمل ما لقي أهل البيت وقصة الوضع في الحديث

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 193

فصول القصة : نأتي هنا على وصف مجمل لحال أهل البيت ( عليهم السلام ) في العهدين الأموي والعباسي إذ إن التفصيل في هذا يعني أن نمضي مع كل واحد منهم عليهم السلام امتداد حياته ، وليس هذا بخفي على من تتبع التاريخ .

ومعه ستأتي قصة الوضع في الحديث لما بين الأمرين من تلازم وثيق ، إذ إن سياسة إبعادهم وامتهانهم عليهم السلام كانت تستلزم على الدوام عملا ثقافيا وفكريا موازيا يدعمها ويبرر خطواتها ، وليس أخطر في ذلك من الحديث المنسوب إلى النبي

صلى الله عليه وآله وسلم ! فبذلوا لذلك كل جهد ، وسخروا كل ما وسعهم تسخيره بالاتجاهين معا : اتجاه طمس فضائل ومناقب أهل البيت ( عليه السلام ) . واتجاه إطراء خصومهم ، واختلاق المناقب لهم ، ونسبة ذلك كله إلى رسول الله صلى

الله عليه وآله وسلم ، في عمل منسق على شكل مراحل منتظمة ومتوالية ! وسنرى كل ذلك الآن . . أفرد ابن أبي الحديد في كتابه ( شرح نهج البلاغة ) فصلا بعنوان : " ذكر
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 194

ما مني به آل البيت من الأذى والاضطهاد " قال فيه : وقد روي أن أبا جعفر محمد بن علي ( عليه السلام ) قال - لبعض أصحابه - : " يا فلان ، ما لقينا من ظلم قريش إيانا ، وتظاهرهم علينا ! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ! إن رسول الله

صلى عليه وآله وسلم قبض وقد أخبرنا أنا أولى الناس بالناس . فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ، ثم تداولتها واحدا بعد واحد حتى رجع الأمر إلينا ، فنكثت بيعتنا ، ونصبت الحرب لنا

! ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل ! وبويع الحسن ابنه ، وعوهد ، ثم غدر به وأسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده ، فوادع معاوية ، وحقن دمه ودماء

أهل بيته ، وهم قليل حق قليل . ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا ، ثم غدروا به ، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه ! ثم لم نزل - أهل البيت - نستذل ، ونستظام ، ونقصى ، ونمتهن ، ونحرم ، ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على

دمائنا ودماء أوليائنا ! . ووجد الكاذبون الجاحدون - لكذبهم وجحودهم - موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء ، وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس .

وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية ، بعد موت الحسن ( عليه السلام ) . فقتلت شيعتنا في كل مكان ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ! .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 195

وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره ( 1 ) " ! .

هكذا إذن أقصي أهل البيت ( عليهم السلام ) عن مكانهم في خلافة رسول الله ، إذ هم " أولى الناس بالناس " .

وجحدت منزلتهم ، إذ هم ثاني الثقلين " كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " .

ثم أقصوا حتى عن موقعهم في ترؤس ميدان الفقه وعلوم الشريعة ، رغم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم " فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " .


ورغم زعامتهم في العلم والفقه وتفوقهم على سواهم ، ورجوع غيرهم إليهم ، حجر على فقههم ، وحورب من كان يحمله عنهم ، وقتل أتباعهم في كل مكان " وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو هدمت داره ! ويواصل الإمام الباقر عليه السلام كلامه ، فيقول : " ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام " ( 2 ) .


 - قاتل الحسين عليه السلام ! ! الحسين عليه السلام : سبط النبي المصطفى ، وريحانته ، وثاني سيدي شباب أهل الجنة مع أخيه الإمام الحسن عليه السلام ! وخامس أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ! الحسين عليه

السلام الذي قال فيه جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط " ( 3 ) !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد 11 : 43 .
( 2 )
المصدر والصفحة .
( 3 )
التاريخ الكبير للبخاري 8 : 415 / 3536 ، سنن الترمذي 5 : 658 / 3775 ، سنن ابن ماجة 1 = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 196

الحسين السبط عليه السلام يراد منه قسرا أن يبايع ليزيد - صاحب الخمرة والمجون ! - فلم يجد أمامه إلا أن يخرج من مدينة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قاصدا العراق بعد أن أتته كتب أهلها بالبيعة والولاء ، فيستشهد بينهم في وقعة

، بل مأساة لم تشهد لها الدنيا نظيرا ! وقد تهيأ له عليه السلام أن يقف فيهم خطيبا ، فقال : " أيها الناس ، إن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم قال : من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله - صلى

الله عليه وآله وسلم - يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ وأحلوا

حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم ، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم . وأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسي مع أنفسكم

وأهلي مع أهلكم ، فلكم في أسوة . . . " ( 1 ) . فلما لمن يكن منهم إلا قتاله ومن معه من أهل بيته وأصحابه ، ركب عليه السلام راحلته وتقدم إلى جيش يزيد ، ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس ، فقال :
 

 

* ( هامش ) *
= 51 / 144 ، مسند أحمد 4 : 172 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 177 ، مصابيح السنة 4 : 195 / 4833 ،
أسد الغابة
2 : 19 ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير 4 : 318 ، الجامع الصغير 1 : 575 / 3727 ،
جامع الأصول
10 : 21 ، سير أعلام النبلاء 3 : 283 ، وغيرها كثير .
( 1 )
الكامل في التاريخ 4 : 48 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 197

" أيها الناس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل .

وإن لم تقبلوا مني العذر ( فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) ( 1 ) ( إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) ( 2 ) " . فلما سمع أخواته قوله بكين ، وصحن ، وارتفعت أصواتهن ،

فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن ، وقال : " لعمري ، ليكثرن بكاءهن " ! فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله وعلى الأنبياء والملائكة وقال : " أما بعد ، فانسبوني ، فانظروا من أنا ، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها ،

وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم ، وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله ، والمصدق لرسوله ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي ؟ أو لم يبلغكم قول

مستفيض : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي ولأخي : أنتما سيدا شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة ؟ فإن صدقتموني فيما أقول فهو الحق ، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله . وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم : سلوا جابر
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة يونس : 71 . ( 2 ) سورة الأعراف : 196 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 198

ابن عبد الله ، أو أبا سعيد ، أو سهل بن سعد ، أو زيد بن أرقم ، أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي ؟ " .

فقال له شمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! ثم قال الحسين عليه السلام : " فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري ، منكم ولا من غيركم .

أخبروني ، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو بمال استهلكته ، أو بقصاص من جراحة ؟ " . فلم يكلموه ، فنادى : " يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا زيد بن الحارث ! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ " .

قالوا : لم نفعل ! فقال عليه السلام : " بل فعلتم - ثم قال - أيها الناس ، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض " . فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم ابن عمك ؟ فإنك لا ترى إلا ما تحب .

فقال عليه السلام : " أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله ، ولا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقر إقرار العبيد . عباد الله ، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل في التاريخ 4 : 61 - 62 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 199

ولكن قست قلوبهم ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة فعزموا أن يرتكبوا الجريمة الكبرى ، ويتوشحوا بالعار الأبدي ! فتقدم عمر بن سعد برايته ، وأخذ سهما فرمى به ، وقال : اشهدوا لي أني أول رام ! ثم رمى الناس ( 1 ) .

فكانت الوقعة المأساة التي احتوت تفاصيل تقشعر لها الأبدان بل تهتز لها الأرض والسماء . وقتل ريحانة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، وقتل معه سبعة عشر من أهل بيته ، وكافة أصحابه وقطعت رؤوسهم وحملت على الرماح إلى

عبيد الله بن زياد . فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا ! وجاءت بنو أسد بستة أرؤس ! وجاءت مذحج بسبعة أرؤس ، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس ، فذلك سبعون رأسا ( 2 )

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبرئيل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة : " إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين " فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها فلما قتل الحسين عليه السلام صار التراب دما ، فأعلمت الناس بقتله ( 3 ) .


وعن عبد الله بن نجي ، عن أبيه ، أنه سار مع علي عليه السلام وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى - من أرض كربلاء - وهو سائر إلى صفين ، فنادى علي : " اصبر أبا عبد الله ( 4 ) بشط الفرات " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر 4 : 65 .
( 2 )
المصدر 4 : 91 - 92 .
( 3 )
المصدر 4 : 93 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 245 - 246 ، الصواعق المحرقة : 193 .
( 4 )
في سير أعلام النبلاء : " ناداه علي " وهو تحريف ، وأبو عبد الله هو الإمام الحسين عليه السلام . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 200

قلت : وما ذاك ؟ قال : " دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، وعيناه تفيضان ، فقال : قام من عندي
جبرئيل ، فحدثني أن الحسين يقتل ، وقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قلت : نعم ، فمد يده فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني " ( 1 ) .

وروي قريب منه عن أم سلمة أيضا وأنها احتفظت بذلك التراب عندها ( 2 ) . وحدث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم نصف النهار ، أشعث أغبر ، وبيده قارورة فيها دم ،

فقلت : يا رسول الله ، ما هذا ؟ قال : " هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل منذ اليوم ألتقطه " . فأحصي ذلكم اليوم ، فوجدوه قتل يومئذ ( 3 ) .


وحدث أبو سعيد الأشج : حدثنا أبو خالد الأحمر ، حدثنا رزين ، قال : حدثتني سلمى ، قالت : دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد 1 : 85 ، سير أعلام النبلاء 3 : 288 ، البداية والنهاية 8 : 201 ، الصواعق المحرقة : 193 ،
مجمع الزوائد
9 : 187 وقال : أخرجه البزار ورجاله ثقات .

( 2 ) مسند أحمد 3 : 242 و 265 و 294 ، سير أعلام النبلاء : 3 : 288 - 289 ، مجمع الزوائد 9 : 187
البداية والنهاية
8 : 201 ، دلائل النبوة 6 : 469 ، الصواعق المحرقة : 192 .

( 3 ) مسند أحمد 1 : 283 ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر 4 : 343 ، سير أعلام النبلاء 3 : 315 ،
البداية والنهاية
8 : 202 وقال إسناده قوي . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 201

قال : " شهدت قتل الحسين آنفا " ( 1 ) . فسلام على الحسين ، وأولاد الحسين ، وأنصار الحسين ( 2 ) . . ثم ماذا بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام ؟

يواصل الإمام الباقر عليه السلام حديثه ، فيقول : " ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له ( زنديق ) أو ( كافر ) أحب إليه من أن يقال ( شيعة علي ) ! ! وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير -

ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفصيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ! ولا كانت وقعت ! وهو يحسب أنها حق لكثرة من رواها ممن لم يعرف بالكذب ، ولا بقلة ورع ( 3 ) " !

وأشبه شئ بكلام الإمام الباقر عليه السلام هذا حول الحديث والمحدثين ما أورده مسلم في مقدمة الصحيح ، والخطيب البغدادي في تاريخه ، عن محمد بن أبي عتاب : قال حدثني عفان ، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن أبيه ، قال : لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الترمذي 5 : 657 / 3771 ، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير 4 : 343 ، سير أعلام النبلاء 3 : 316 ، البداية والنهاية 8 : 202 .
( 2 )
قصة مقتل الإمام الحسين عليه السلام في تاريخ الطبري 6 : 194 - 270 ، الكامل في التاريخ 4 : 19 - 91 ،
تهذيب تاريخ دمشق الكبير
4 : 329 - 346 ، مقتل الحسين للخوارزمي ، البداية والنهاية 8 : 152 - 214 .
( 3 )
ابن أبي الحديد 11 : 44 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 202

قال ابن أبي عتاب : فلقيت أنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان فسألته عنه ، فقال عن أبيه : لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث ( 1 ) .

أما كيف بلغ الأمر هذه الدرجة من الخطورة ، فإليك قصته كاملة : قال ابن أبي الحديد : روى المدائني في كتاب ( الأحداث ) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب ، وأهل بيته .

فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى كل منبر يلعنون عليا ، ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ! وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية ، وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع

الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي
والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم ، وشردهم فلم يبق فيها معروف منهم . .

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة . وكتب إليهم : أن انظروا من
قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته ، والذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم ، واكتبوا لي بكل ما

يروي كل رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك ، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه عليهم في العرب والموالي وكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فلبثوا بذلك حينا .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم - المقدمة - 1 : 17 - 18 ، تاريخ بغداد 2 : 98 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 203

ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين . ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا

وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلي ، وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله . فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس

في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا

بذلك ما شاء الله . ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاء رزقه ! وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به ،

واهدموا داره ! فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه في العراق ، ولا سيما بالكوفة . فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر . . ومضى على ذلك الفقهاء ، والقضاة ، والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون ، والمستضعفون

الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند الأئمة ، يصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ! .

حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها ! !
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 204

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض ! ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام . وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على

الشيعة . وولي عليهم الحجاج فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي ، وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدعي من الناس أنه من أعدائه . فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم . وأكثروا من الغض من علي عليه السلام وعيبه ،

والطعن فيه ، والشنآن به ! . حتى أن إنسانا وقف للحجاج فصاح به : أيها الأمير ، إن أهلي عقوني فسموني عليا ، وأنا فقير بائس ! فتضاحك له الحجاج ، وقال : للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا ! - فلم يقتصر الأمر على ما كان في عهد معاوية إذن .


قال ابن أبي الحديد : وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ( 1 ) - وهو من أكابر المحدثين - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر ، وقال : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة اختلقت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ( 2 ) !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وهو محمد بن عرفة بن سليمان ، أبو عبد الله : الحافظ النحوي الأخباري ، تعلم اللغة على ثعلب والمبرد ، وتفقه على داود -
إمام الظاهرية - وكان ذا سنة ودين وفتوة ومروءة ، وصار رأسا في رأي أهل الظاهر ، وله تصانيف منها : ( غريب القرآن ) و
( تاريخ الخلفاء ) أو ( الإمامة ) وغيرها ، توفي سنة 323 ه‍ . سير أعلام النبلاء 15 : 75 / 42 ، وفيات الأعيان 1 : 47 / 12 .

( 2 ) شرح نهج البلاغة 11 : 44 - 46 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 205

وقال أبو معاوية الضرير : بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش : أن اكتب لي مناقب عثمان ، ومساوئ علي . فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم الشاة فلاكتها ، وقال لرسوله : قل له : هذا جوابك ( 1 ) .

والأمر - إلى هنا - يوجزه الإمام أحمد بن حنبل في رده على ولده عبد الله وقد سأله عن علي ومعاوية ، فقال له : اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له ( 2 ) .

وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام وعاقبوا على ذلك الراوي له ، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبي زينب ( 3 ) .

وقد روي عن الإمام الشافعي قوله :

إذا في مجلس ذكروا عليا * وسبطيه ، وفاطمة الزكية
يقال : تجاوزوا يا قوم هذا * فهذا من حديث الرافضية
برئت إلى المهيمن من أناس * يرون الرفض حب الفاطمية ( 4 )

وكان المغيرة بن شعبة يقول لصعصعة بن صوحان ( 5 ) : إياك أن يبلغني
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وفيات الأعيان 2 : 402 - ترجمة سليمان الأعمش .
( 2 )
فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 : 81 ، الصواعق المحرقة باب 9 فصل 3 : 127 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 159 .
( 3 )
شرح نهج البلاغة 4 : 73 .
( 4 )
فرائد السمطين 1 : 135 / 98 .
( 5 )
هو أخو زيد بن صوحان ، وقد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره لصغر سنه وكان سيدا من سادات قومه - عبد القيس - فصيحا خطيبا دينا فاضلا يعد في أصحاب علي عليه السلام = ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 206

عنك أنك تعيب عثمان ، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي ، فأنا أعلم بذلك منك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر ، وقد أخذ بإظهار عيبه للناس ، فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشئ الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن

أنفسنا . فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا ( 1 ) .


وكان الحسن البصري يحدث فيقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو لم يدركه . فقال يونس بن عبيد : سألته ، فقلت : يا أبا سعيد إنك تحدث فيقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنك لم تدركه ؟ قال : يا ابن أخي لقد

سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى ، كل شئ سمعتني أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو عن علي بن أبي طالب ، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا ( 2 ) .


بل تجاوز الأمر هذا الحد بكثير حتى أصبح الرجل يخشى حتى وهو في المنام - في عالم الرؤيا - أن يتهم بالقرب من علي عليه السلام . فقد روى الخطيب عن الفتح بن شخرف ، قال : حملتني عيني فنمت ، فبينما أنا نائم إذا أنا بشخصين ، فقلت للذي يقرب مني : من أنت يا هذا ؟ فقال : من ولد آدم .
 

 

* ( هامش ) *
= وقد شهد معه حروبه ، وهو القائل لعمر بن الخطاب حين قسم المال الذي بعثه إليه أبو موسى ، فخطب الناس فقال : أيها الناس
قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس . فقام صعصعة وهو غلام شاب وقال : يا أمير المؤمنين ، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل فيه
قرآن ، فأما ما نزل فيه القرآن فضعه مواضعه التي وضعه الله عز وجل فيها . فقال : صدقت ، أنت مني وأنا منك . وصعصعة
ممن سيره عثمان إلى الشام ، وتوفي أيام معاوية . أسد الغابة 3 : 20 .

( 1 ) الكامل في التاريخ 3 : 430 .
( 2 )
تهذيب الكمال 6 : 124 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 207

قلت : كلنا من ولد آدم ، فمن الذي وراءك ؟ قال لي : علي بن أبي طالب . قلت له : أنت قريب منه ولا تسأله ؟ ! قال : أخشى أن يقول الناس أني رافضي ( 1 ) ! !

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ بغداد 12 : 386 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب