لماذا هذا الكتاب

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 11

لماذا هذا الكتاب

ليس هو كتابا مذهبيا يراد منه تعميق الخلاف بين المسلمين . فما أحوجنا اليوم إلى كلمة تلم شملنا ، وتؤلف بين قلوبنا ، وما أحرانا باجتياز الحواجز التي ركزت بيننا .

ثم ما أشوقنا إلى لغة الحوار السليم التي تعيننا على ذلك ، إذن لبلغنا المنى ولاستوت مراكبنا ، واجتمعت كلمتنا على ما تركه لنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا نضل بعده ، ولا نفترق ، أو نسلك سبلا شتى . . وإذا كانت هناك أسباب

ودواع لما حصل بيننا من خلاف ، فما أجمل أن نقف عليها بكل حياد ، وتعقل مدركين أن المهم في الأمر هو ظهور النهج الإسلامي الأصيل الحنيف ، وليس غلبة هذا الاتجاه ، أو ذاك . . وأن اتفاقنا على الحق الصريح هو الذي سيضمن اجتماعنا .


وأما تعصب كل منا إلى فرقته - ليس إلا لأنه ورثها عن آبائه . ونشأ عليها ، وتشربت بها عروقه - فلا يزيدنا إلا تباعدا عن بعضنا ، وابتعادا عن المحجة البيضاء . والشريعة المحمدية السمحاء .

وهذا الكتاب هو تجربة شخصية على هذا الطريق . تجربة فيها كل ما في التجارب الكبيرة من مشاكل وصعوبات ، وفيها ما في أخواتها عند ما تكلل بالنجاح . وقد لا تكون التجارب في ميدان العقيدة عزيزة ، فربما خاضها الكثيرون من أبناء كل
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 12

جيل ، ولكن انتصار اليقين والحق المجرد على العاطفة هو العزيز في تلك التجارب . ولست من الذين يرون أن هزيمة اليقين
أمام العاطفة هو من أثر العصبية وحدها ، فربما يكون ذلك ولكن ربما تكون هذه العاطفة وفاء للذكريات الجميلة التي لا يشك

صاحبها في صفائها ، وربما يجتمع الأمران معا . والوفاء لذاته ممدوح ، بعكس العصبية . . فكثيرا ما يقف المرء على حقيقة كان يعتقد بخلافها ، ولكن لعقيدته هذه في قلبه قدسية أحيانا ، فينبعث عن هذه القدسية سؤال يقول : أحقا أن هذا المفهوم الذي عشت أقدسه لا أصل له ، وأن الصواب في المفهوم الآخر الذي يأباه قلبي وتنفر منه نفسي ؟ ! هذه هي العصبية ،


وكم صدت فحولا عن مواصلة الطريق نحو الحقيقة الثابتة . . إن العصبية تمنح كثيرا من المفاهيم هالة قدسية ، لكنها سراب لا حقيقة لها . . وأصعب شئ على من يقدس أمرا أن يقال له : إن الذي تقدسه سراب ! ! وثمة نوع آخر من العاطفة يشد

المرء إلى الوراء . . إنه الوفاء للذكريات . . فلم لا وقد أمضى أيام شبابه وهو في ذروة الحماس الديني ، مع ثلة من إخوانه المؤمنين ، تزدان مجالسهم بالذكر والبحث الصادق النقي الذي لا تشوبه شائبة من رياء أو مكابرة ؟ إنه ليعشق تلك الذكريات

عشقا لا تتخلله سهام الطعن ، فإذا ما واجهته الحقيقة بغير ما كان يرى ثار شوقه إلى تلك الذكريات وتأجج عشقه لها ،
فينبعث من بين الشوق والعشق سؤال يمض الفؤاد : أحقا كانت مجالسنا تلك قد تخللها شئ من الأوهام ؟ ! إنه لا يريد أن

يشك في ذلك الماضي الجميل ! ! وهذا هو الوفاء للذكريات . . ولقد كنت للعصبية عدوا حيثما واجهتني ، غلبتها أو غلبتني ، أما الذكريات فقد آخيتها وأحسنت صحبتها حتى النهاية ، وقد جعلتها في فقرات من هذا الكتاب بمثابة صديق لي أحاوره فيستجيب لي ولو همسا . وقد أعانني على ذلك كونها ذكريات واضحة لم تختلط في ذهني . . وكونها زاخرة
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 13

بعلامات استفهام كانت تثيرها العقول في ساعات انطلاقاتها ، فتخترق بحريتها أسوار القداسة ، ثم تترك السؤال حائرا ، وقلما
وجدت له جوابا مقنعا وشافيا . . ورأيت أثناء رحلتي أن الوفاء للذكريات لا ينبغي أن يكون عاطفيا ، فربما ينعكس أثره فلا يكون عندئذ وفاء . . وإنما المطلوب من الوفاء أن يكون وفاء علميا إن صح التعبير .


من هنا وجدت لزاما علي أن أسجل تجربتي بكل أمانة ، لتكون بين الأيدي تجربة جاهزة تختزل الكثير من عناء هذا الطريق الطويل ، وتقدم حلولا للكثير من تلك الأسئلة الحائرة . . فوضعت هذا الكتاب . . قد حاولت أن أحفظ فيه أشواط رحلتي

مرتبة كما كانت في الواقع ، بعيدا عن التكلف . . إثارات أولية ، ثم عودة إلى نقاط البدء ، فحوار بين حقيقة تهدي إليها الإثارة وموقف مسبق إزاء هذه الحقيقة . . وقد اتخذ هذا الحوار ثلاثة أشكال : - حوار مع قطب من الأقطاب الذين تبنوا

ذلك الموقف ودافعوا عنه ، وقد قدمت لهذا دائما بذكر اسم الرجل وكتابه . - حوار مع الذكريات ، فإذا حاورتها سميتها ( صديقي ) ، أو تكلمت بضمير الخطاب . - حوار مع حدث ثابت من الأحداث ، أو مفهوم من المفاهيم .

فتكشف عن كل ذلك أن ثم نسيجا غليظا نسجه التاريخ حول كثير من الحقائق ، وهالة مصطنعة أضفاها على كثير من الرجال والمفاهيم ، وليس لذلك أساس في الدين ولا واقع في التاريخ . ووضعت ذلك في فصول اكتفيت فيها بالقليل من شواهد

التاريخ ، وأغضيت عن كثير منها خشية الإطالة مرة ، ولكراهة الغوص في أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي مرة أخرى . وقد قدمت له بمقدمتين : الأولى : حول طبيعة الانتماء المذهبي ، وأثره في قضية الوحدة بين المسلمين .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 14

والثانية : إشارة موجزة إلى بداية قصتي في هذه الرحلة . وهناك ركائز منهجية اعتمدناها تجدر الإشارة إلى بعضها ، فمنها :

 1 - تجنب النقل بالواسطة ، والاقتصار على ما نقف عليه مباشرة ما تيسر ذلك .

 2 - التحقيق في أسانيد الأحاديث المنتخبة ، أو اعتماد حكم أرباب هذا الفن فيها . وقد ذكرنا نبذا من ذلك في مواضع الضرورة فقط ، وأعرضنا عما سواها تجنبا للإطالة .

 3 - لملاحظة اختلاف النسخ المتعددة للمصدر الواحد ، ذكرنا تعريفا بالنسخة المعتمدة في فهرس المصادر .

 4 - ألحقنا بالكتاب فهارس مفصلة تيسيرا للحصول على المطالب ، وقد تضمنت : الآيات ، والأحاديث ، والأعلام ، والأشعار ، والمصادر ، ومحتوى الكتاب . والله ولي التوفيق . صائب عبد الحميد


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب