اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

 - مدافع الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 49 -

مدافع ابن حنبل إمام المتطرفين . .

 

- ص 50 -

تتلمذ أحمد بن حنبل على يد كثير من الفقهاء في عصره ودرس الفقه والشريعة واللغة والحديث ثم طلق كل هذه العلوم وتفرغ للحديث وجعله موضع اهتمامه وبنى على أساسه عقيدته وتصوره ومواقفه طارحا العقل والاجتهاد جانبا . .
 

- ص 51 -

من هنا فإن الطبري المؤرخ والمفسر والفقيه لم يعده في زمره الفقهاء بل عده في زمرة المحدثين من أهل الرواية حين صنف كتابة ( اختلاف الفقهاء ) وأغفل ذكره مما أدى إلى ثورة الحنابلة عليه وقذفوه بالمحابر وأهاجوا عليه العامة واتهموه بالرفض - التشيع - وجعلوا يرمون بيته بالحجارة حتى حجبتها مما دفع بالشرطة إلى التدخل لحسم الأمر . . ( 1 )


- من الاعتدال إلى التطرف : استمر ابن حنبل يدرس الرواية ويحفظها وينقلها ويبثها بين الناس لم يكن يعترض سبيله أحد ، ولم يكن يصطدم بأحد . . كانت الرواية هي حياته وشغله الشاغل وحيثما توجهه الرواية كان يتوجه حتى أنه اعتبر تبني

الرواية الضغيفة والأخذ بها خير من استخدام العقل واللجوء للرأي . . وتشكلت شخصيته وعقيدته على أساس هذه الروايات التي كانت سلاحه الأول والأخير في مواجهة المخالفين . . وعندما تبنى المأمون نهج المعتزلة في نهاية حكمة خرج ابن حنبل

رافعا لواء المعارضة لفكر المعتزلة الذي يرجح العقل على الرواية معتبرا أن هذا الاتجاه يشكل خطورة على عقيدة السلف وعلى الرواية ، وابن حنبل كان يشعر على الدوام بخطورة المعتزلة والاتجاهات الأخرى على طرحه وعلى الروايات إلا أنه

لم يظهر العداء في مواجهة هذه الاتجاهات لضعفها أمام تيار الرواية الذي كان سائدا آنذاك بالإضافة إلى تيار الفقهاء المدعوم من قبل الحكام .


ولقد شكل حدث تبني المأمون نهج المعتزلة انقلابا دينيا في نظر ابن حنبل نقل المعتزلة من طور الاستضعاف إلى طور التمكن وفتح الأبواب أمامهم ليسودوا على حساب أهل السنة ويهدموا صرح الرواية الذي أسهم فقهاء السلف في تأسيسه منذ عشرات السنين . .


وهكذا أعلن ابن حنبل رفضه لفكرة خلق القرآن التي يتبناها المعتزلة ، وشكل هذا الرفض تحديا لسلطة المأمون الذي أمر بالقبض عليه ، فأحضر مكبلا بالأغلال إليه في طرسوس .


لكن القدر أنقذه من يد المأمون إذ جاءه الخبر بوفاته وهو في الطريق إليه فأعيد إلى بغداد ووضع في السجن ، ثم مثل أمام المعتصم الخليفة الجديد وجرت له محاكمة وأصر ابن حنبل على موقفه برفض القول بخلق القرآن فضرب بشدة وأعيد إلى السجن وأخلى سبيله بعد حوالي العامين فالتزم العزلة والانقطاع طوال عصر المعتصم وعصر الواثق من بعده . . . ( 2 )
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر سيرة الطبري في كتب التراجم وأحداث عام ( 310 ه‍ ) في كتب التاريخ . .
( 2 ) أنظر تاريخ الخلفاء للسيوطي . وترجمة ابن حنبل في تاريخ الإسلام للذهبي وشذرات الذهب

 

 

- ص 52 -

وعاش ابن حنبل في مطاردات ومضايقات طوال عصر المعتصم والواثق حتى جاء المتوكل الذي أعلن تنبيه لنهج أهل السنة ورفضه لنهج المعتزلة وجمع المحدثين عام ( 234 ه‍ ) للرد على الجهمية والمعتزلة ونصرة الرواية . . ( 3 )


في ظل هذا العصر استأنف ابن حنبل نشاطه واتخذ المتوكل من يحيى ابن أكثم وزيرا بدلا من أحمد بن داود المعتزلي الذي كان وزير المعتصم . . .

وتقرب أحمد بن حنبل من المتوكل الذي دعاه إلى سامراء سنة ( 237 ه‍ ) لأجل إعطاء ولده المعتز دروسا في الحديث


- المدفع الأول : كان ابن حنبل ورعا في الفتيا والاجتهاد ، ولم يكن يجرؤ على التصدي لأية قضية دون أن يكون هناك نص صريح لديه يتمثل في رواية منسوبة للرسول ( ص ) أو الصحابي أو فتوى منسوبة لصحابي أو لأحد من التابعين .

من هنا فقد رفض ابن حنبل أن يدون عنه شيئا من رواياته أو مسائلة مخافة أن تختلط بالكتاب والسنة . . إلا أن ولديه عبد الله وصالح لم يلتزما بذلك بعد وفاته ، فقد قام عبد الله بتدوين روايات والده فيما سمي بمسند ابن حنبل وزاد عليه من عنده روايات أخرى كما أضاف إليه كتاب الزهد وزادت الروايات التي جمعها عبد الله في مسند أبيه على ثمانية وعشرين ألف رواية . .


وقام تلامذته بتدوين مسائلة وردوده في عدة كتب تم نشرها بين المسلمين . . ويمكن تحديد نهج ابن حنبل ونوع مدافعة من خلال رسالتين من رسائله كتب أولاهما في السجن وهي رسالة : الرد على الزنادقة والجهمية . .
 

  * هامش *  
  ( 3 ) أنظر تاريخ الخلفاء ترجمة المتوكل وكتب التاريخ الأخرى . .  

 

- ص 53 -

والثانية هي رسالة وسوف نعرض لها فيما بعد . . وتعد رسالة الرد على الجهمية والزنادقة من أقوى مدافع ابن حنبل التي صوبها نحو المسلمين والاتجاهات الأخرى المخالفة له ، وعلى أساسها قامت مدارس واتجاهات عدوانية شديدة التطرف ضد

العقل والآخرين حمل رايتها الحنابلة ومن سار على دربهم . يقول ابن حنبل في رسالته في معرض ردوده على القائلين بفكرة خلق القرآن وهم في تصوره الجهمية ثم أن الجهمي ادعى أمرا وهو من المحال فقال : أخبرونا عن القرآن أهو الله تعالى أو

غير ذلك ؟ فادعى في القرآن أمرا يوهم الناس . فإذا سئل الجاهل عن القرآن هو الله أو غير الله ، فلا بد أن يقول بأحد القولين : فإن قال هو الله ، قال له الجهمي كفرت . وأن قال غير الله ، قال صدقت ، فلم لا يكون غير الله مخلوقا . فيقع في نفس

الجاهل من ذلك ما يميل به إلى قول الجهمي . وهذه المسألة من الجهمي هي من المغاليط . والجواب للجهمي إذا سأل فقال أخبرونا عن القرآن هو الله أو غير الله ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه لم يقل في القرآن أن القرآن أنا ولم يقل غيري وقال هو

كلامي فسميناه باسم سماه الله به فقلنا كلام الله ، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين ومن سماه باسم من عنده كان عن الضالين . . ثم أن الجهمي ادعى أمرا آخر ، فقال : أخبرونا عن القرآن هو شئ ؟ فقلنا : نعم هو شئ . فقال إن الله

خالق كل شئ ، فلم لا يكون القرآن من الأشياء المخلوقة وقد أقررتم أنه شئ فلعمري لقد ادعى أمرا أمكنه فيه الدعوى ولبس على الناس بما ادعى . فقلنا إن الله سبحانه لم يسم كلامه في القرآن شيئا . إنما سمى شيئا الذي كان بقوله . ألم تسمع إلى قوله

تبارك وتعالى ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ  ) فالشئ ليس هو أمره وأنما الشئ الذي كان يقوله ، وقال في آية أخرى ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا ) فالشئ ليس هو أمره وأنما الشئ الذي كان يأمره ، فكذلك إذا قال ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء

- ص 54 -

المخلوقة . . ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله عز وجل ، فرحم الله من فكر ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة ولم يقل على الله إلا الحق ، وقد حرم الله أن يقال عليه الكذب وقد قال ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ )

أعاذنا الله وإياكم من فتن المضلين وقد ذكر الله كلامه في غير موضع من القرآن فسماه كلاما ولم يسمه خلقا قوله ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ )

وقال ( َقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ )

وقال ( َكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا )

وقال ( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ )

وقال ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ) ولم يقل حتى يمسع خلق الله . . .


ثم أن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال أنا أجد آية في كتاب الله على أن القرآن مخلوق ، فقلنا في أي آية . . ؟

فقال قول الله تبارك وتعالى : ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ) فزعم أن الله قال للقرآن محدث ، وكل محدث مخلوق ، فلعمري لقد شبه على الناس بهذا وهي آية من المتشابه فقلنا في ذلك قولا واستعنا بالله ونظرنا في كتاب الله ولا حوله ولا قوة إلا بالله . .


ثم أن الجهمي ادعى أمرا فقال إنا وجدنا آية في كتاب الله تدل على أن القرآن مخلوق . فقلنا أي آية . . ؟ فقال : قول الله تعالى ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) وعيسى مخلوق . . فقلنا إن منعك الفهم في القرآن . .


ثم إن الجهمي ادعى أمرا فقال إن الله يقول ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فزعم أن القرآن لا يخلوا أن يكون في السماء أو في الأرض أو فيما بينهما . فشبه على الناس ولبس عليهم . فقلنا له : أليس إنما أوقع الله جل ثناؤه الخلق

على المخلوقين ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما فقالوا نعم ، فقلنا : هل فوق السماوات شئ مخلوق ؟ قالوا : نعم . فقلنا : فإنه يجعل ما فوق السماوات مع الأشياء المخلوقة . . أحداث عام ( 241 ه‍ ) . .
 

- ص 55 -

إن الله تبارك وتعالى يقول ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ ) والحق الذي خلق به السماوات والأرض هو قوله إن الله يقول الحق ، ( وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ) فالحق الذي خلق به السماوات والأرض قد كان قبل السماوات والأرض ، والحق قوله وليس قوله مخلوقا . .


وفي باب آخر من أبواب الرسالة تحت عنوان : باب بيان ما جحدت الجهمية من قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) . قال لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ؟ فقالوا : لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معدود

موصوف إنما ترى الأشياء بفعله فقلنا : إن الله يقول ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقالوا : معناها إلى ربها ناظرة تنتظر الثواب من ربها ، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته . . فقلنا : إنها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربها ، وقد قال النبي ( ص ) : إنكم سترون

ربكم . . فأيهما أولى أن نتبع النبي حين قال سترون ربكم ، أم قول الجهمي حين قال لا ترون ربكم ؟ والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي ( ص ) أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم . .


ثم أنكر ابن حنبل في باب آخر قول الجهمية أن يكون الله سبحانه في كل مكان مؤكدا أن الله في السماء فوق العرش مستندا إلى عدد من النصوص القرآنية والروايات المنسوبة إلى الرسول ( ص ) مهاجما الجهمية عاملا على إبطال استدلالاتهم من القرآن . .

يقول ابن حنبل : إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان . فقل أليس الله كان ولا شئ ؟ فيقول : نعم . . فقل له حين خلق الشئ خلقه في نفسه أو خارج في نفسه ؟
 

- ص 56 -

فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال واحد منها : إن زعم أن الله خلق الخق في نفسه كفر حين زعم أنه خلق الجن والأنس والشياطين في نفسه . . وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفر حين زعم أنه دخل في مكان رجس قذر ردئ . . وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة . .


ورد ابن حنبل على ما استندت إليه الجهمية من الروايات على أن القرآن مخلوق وعلى رأسها رواية تقول : أن القرآن يجيئ في صورة الشاب الشاحب فيأتي صاحبه فيقول هل تعرفني ؟ فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أظمأت نهارك

وأسهرت ليلك . . الخ . فادعوا أن القرآن مخلوق من قبل هذه الأحاديث ، فقلنا لهم القرآن لا يجيئ إلا بمعنى أنه قد جاء من قرأ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) فله كذا وكذا ، ألا ترون أن من قرأ قل هو الله أحد لا تجيئه بم يجيئ ثوابه لأنا نقرأ القرآن فيقول

يا رب ويجيئ ثواب القرآن وكلام الله لا يجيئ ولا يتغير من حال إلى حال ، وإنما معنى أن القرآن يجيئ إنما يجيئ ثواب القرآن فيقول يا رب . .


ويستمر ابن حنبل في إطلاق مدافعة وإنزال لعناته على الجهمية ومن سار على دربهم ويختتم رسالته بقوله : قلنا للجهمية حين زعموا أن الله في كل مكان لا يخلوا منه مكان : أخبرونا عن قوله جل ثناؤه ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) لم تجلى للجبل إن كان فيه عمكم .


فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن يتجلى لشئ هو فيه ، ولكن الله جل ثناؤه على العرش وتجلى ولم يكن فيه ورأى الجبل شيئا لم يكن رآه قبل ذلك . وقلنا للجهم الله نور . فقال هو نور كله . فقلنا فالله قال ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) فقد أخبر الله

جل ثناؤه أن له نورا ، أخبرونا حين زعمتم أن الله تعالى في كل مكان وهو نور فلم يا يضئ البيت المظلم من النور الذي هو فيه إذ زعمتم أن الله في كل مكان . وما بال السراج إذا أدخل البيت يضئ ، فعند ذلك تبين
 

- ص 57 -

للناس كذبهم على الله فرحم الله من عقل عن الله ورجع القول الذي يخالف الكتاب والسنة وقال بقول العلماء وهو قول المهاجرين والأنصار وترك دين الشيطان ودين جهم وشيعته . .


ويلاحظ من خلال ما تم عرضه من هذه الرسالة أن خصوم ابن حنبل من الجهمية وغيرهم يستندون إلى الكتاب والسنة التي يستند عليها ابن حنبل .

فمن ثم هم مسلمون مثلما هو مسلم فإذا كان الأمر كذلك فلما كل هذه الحرب من قبل ابن حنبل عليهم . . ؟ أن المسألة في مضمونها هي صراع بين اتجاهين متناقضين : اتجاه ابن حنبل الذي يرفض العقل والرأي ويتبنى الروايات . . واتجاه الآخرين

الذين يؤمنون بالعقل والرأي . . وقد لاقى اتجاه ابن حنبل منذ عصر المتوكل دعما متواصلا من حكام بني العباسي . بينما اعتبر الاتجاه الآخر مرفوضا ومجرما ومزندقا . . حتى أن اتجاه الأشعري الذي برز بعد مرحلة ابن حنبل تأثر به وتبنى

الكثير من مقولاته فتلقفته حكومات السلاجقة والأيوبيين والمماليك واعتبروه النهج المعبر عن أهل السنة ومنذ ذلك الحين عاشت الاتجاهات الأخرى في ركن مظلم معزولة عن الواقع مستضعفة تلاحقها السيوف تارة ، وفتاوى التكفير والزندقة تارة أخرى ، وذلك على أساس ما وضع ابن حنبل من قواعد وعقائد ومفاهيم . .


- المدفع الثاني : وتشكل رسالة السنة التي سوف نعرض لها هنا الإطار العقائدي والأساس الذي بيت عليه المواقف والممارسات المتطرفة التي تبناها الحنابلة وغيرهم ، وتبناها كذلك الحكام في مواجهة المسلمين المخالفين .


لقد أهدى ابن حنبل الأمة تراثا هو عبارة عن مجموعة من المدافع الثقيلة الشديدة على العقل والاتجاهات الأخرى ، استثمره الحكام واستثمرته الجماعات المريضة في تفتيت وحدة المسلمين وزرع الإرهاب بينهم وتفريغ عقولهم .


يقول ابن حنبل في مقدمة الرسالة : هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها . المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ( ص ) إلى يومنا

- ص 58 -

هذا وأدركت من أدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب على قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة ، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق . . كانت هذه هي أولى طلقات هذا المدفع . .


ويواصل ابن حنبل قائلا : من زعم أن الزنا ليس بقدر قيل له : أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا وجاءت بولد . هل شاء الله عز وجل أن يخلق هذا الولد ؟ وهل مضى في سابق علمه ؟ فإن قال : لا . فقد زعم أن مع الله خالقا ، وهذا هو الشرك صراحا .

ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره ، وهذا صراح قول المجوسية . . ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله عز وجل وأن ذلك بمشيئة من خلقه ، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله ، وأي كفر أوضح من هذا ؟


ويحدد ابن حنبل موقفه من الحكام صراحة بقوله : ولا تخرج على السلطان وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعته ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة . . ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك

في حديث كما جاء على ما روي فنصدقه ، والكف عن أهل القبلة ولا تكفر أحدا منهم بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء وكما روي وتصدقه وتقبله وتعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة وشرب الخمر وما أشبه

ذلك ، أو يبتدع بدعة ينسب إلى صاحبها الكفر والخروج من الإسلام فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه ، فإن احتج مبتدع أو زنديق بقوله الله عز وجل ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) وبنحو هذا من متشابه القرآن ، قيل له : كل شئ مما كتب الله عليه

الفناء والهلاك هالك ، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك ، وهما من الآخرة لا من الدنيا ، والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ، ولا عند النفخة ، ولا أبدا ، لأن الله عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء ، ولم يكتب عليهن الموت ، فمن قال

خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل ، ولله عز وجل عرش ، وللعرش حملة يحملونه ، والله عز وجل على عرشه يتحرك ويتكلم وينظر ويبصر ويضحك ويفرح ويحب
 

- ص 59 -

ويكره ويبغض ويرضى . وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء ، وقلوب الرحمن بين إصبعين من أصابع الرحمن بقلبها كيف يشاء ، ويوعيها ما أراد ، وخلق آدم بيده على صورته ، والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه ، ويضع قدمه في

النار تنزوي ، ويخرج قوما من النار بيده ، وينظر أهل الجنة إلى وجهه يرونه فيكرمهم ، ويتجلى لهم فيعطيهم ، والقرآن كلام الله ، تكلم به ليس بمخلوق ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل

ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول ، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقه والقرآن كلام الله فهو جهمي ، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم ، ومن سب أصحاب رسول الله ( ص ) أو أحدا منهم ، أو تنقصهم أو طعن عليهم أو

عرض بعيبهم أو عاب أحدا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف . لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . . وخير الأمة بعد النبي ( ص ) أبو بكر وعمر وعثمان وعلى بعد عثمان ، وهم خلفاء راشد مهديون ثم أصحاب رسول بعد هؤلاء الأربعة خير

الناس ، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم . ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص ، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ، ليس له أن يعفو عنه ، بل يعاقبه ويستتيبه ، فإن تاب قبل منه ، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يرجع . . .


والدين إنما هو كتاب الله عز وجل وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة يصدق بعضها بعضا ، حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ( ص ) وأصحابه والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى

بهم المتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار ، لا يعرفون بدعة ولا يطعن فيهم بكذب ، ولا يرمون بخلاف ، وليسوا بأصحاب قياس ولا رأي لأن القياس في الدين باطل ، والرأي كذلك أبطل منه ، وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعة ضلال ، إلا أن

يكون في ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات . ومن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينه أحدا : فهو قول فاسق عند الله ورسوله ( ص ) إنما يريد بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم والسنة ، والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف .


وهذه المذاهب والأقاويل التي وصفت مذهب أهل السنة والجماعة والآثار وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق يقتدى بهم ويؤخذ عنهم ولم يكونوا أصحاب بدعة ولا خلاف ولا تخليط

- ص 60 -

وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم ، فتمسكوا بذلك رحمكم الله وتعلموه وعلموه . .


ثم حدد ابن حنبل نهاية رسالته أصحاب البدع والضلال في تصوره بقوله : ولأصحاب البدع ألقاب وأسماء لا تشبه أسماء الصالحين ولا العلماء من أمة محمد ( ص ) . . فمن أسمائهم المرجئة وهم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل . .

والقدرية وهم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدرة . . والمعتزلة والجهمية والرافضة والزيدية والخوارج ثم أصحاب الرأي الذين أطلق عليهم آخر قذائفه بقوله : وأصحاب الرأي وهم مبتدعة ضلال أعداء للسنة والأثر يبطلون الحديث

ويردون على الرسول ( ص ) ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إماما ، ويدينون بدينهم ، وأي ضلالة أبين ممن قال بهذا أو ترك قول الرسول وأصحابه ، فكفى بهذا غيا مرديا وطغيانا . . فمن قال بشئ من هذه الأقاويل - أقول الاتجاهات الأخرى -

أو صوبها أو رضيها أو أحبها فقد خالف السنة وخرج من الجماعة ، وترك الأثر ، وقال بالخلاف ، ودخل في البدعة ، وزال عن الطريق .


ويبدو أن الاتجاهات الأخرى لم تستسلم لمدافع ابن حنبل بل درت عليه وهاجمته وطعنت في عقيدته وتصوره مما دفع به إلى أن يسلط عليهم مدافعه في نهاية رسالته بقوله : وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة يسمون بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم والوقيعة فيهم والإزراء بهم عند السفهاء والجهال . .


فأما المرجئة فإنهم يسمون أهل السنة شكاكا وكذبت المرجئة . .

وإما القدرية فيسمونهم المجبرة وكذبت القدرية . .

وأما الجهمية فيسمونهم المشبهة وكذبت الجهمية أعداء الله . .

وإما الرافضة فيسمونهم الناصبة وكذبت الرافضة . .

وأما الخوارج فيسمونهم مرجئة وكذبت الخوارج . .

وأما أصحاب الرأي فيسمونهم حشوية وكذب أصحاب الرأي أعداء الله ، بل هم الحشوية تركوا آثار الرسول وحديثه وقالوا بالرأي وقاسوا الدين بالاستحسان ، وحكموا بخلاف الكتاب والسنة وهم أصحاب بدعة جهلة ضلال وطلاب دنيا بالكذب والبهتان . . اللهم أدحض باطل المرجئة وأوهن كيد القدرية وأذل دولة الرافضة وامحق شبه أصحاب
 

- ص 61 -

الرأي ، واكفنا مؤنة الخارجية - الخوارج - وعجل الانتقام من الجهمية .


ونخرج من هذا العرض لرسالة السنة أن قذائفها أشد فتكا من سابقتها ، وأن ابن حنبل قد أعلن عن وجهته صراحة من خلالها . . فهو قد أعلن أن هذه الرسالة تمثل عقيدة السلف من الصحابة والتابعين . .


وأعلن أن الخارج عن حدودها والمخالف لها مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن سبيل الحق . نسب الظلم إلى الله سبحانه حين ربط الزنا والسرقة والخمر والقتل بمشيئة الله وإرادته وربط الحكم بصلاح المسلم ونجاته من النار بالرواية وليس بالقرآن .


وأعلن أن الخارج عن السلطان مبتدع مخالف مفارق للجماعة . .وأعلن أن الله في السماء فوق العرش يتحرك ويتكلم ويضحك ويفرح وينزل إلى الدنيا وخلق آدم على صورته ويضع قدمه في النار . . الخ هذه الصفات التي جاءت بها الروايات ولم يأت بها القرآن والتي تضع ابن حنبل ومن سار في ركاب هذه الرويات في دائرة التجسيم .


وأعلن تكفير الجهمية لقولهم بخلق القرآن ودخل معهم في دائرة التكفير الشيعة والمعتزلة الذين يتبنون نفس الفكرة . . وتطرف ابن حنبل في موقفه أكثر فكفر الذين يقولون بأن القرآن كلام الله وكفى . . والذين يقولون بأن الألفاظ والتلاوة مخلوقة ، وإن من لم يكفر هؤلاء فهو مثلهم . .


وأخرج من دائرة الإسلام الذين يتبنون مواقف من الصحابة كالشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم الذين لا يعترفون بمعاوية ويهاجمونه ويتبنون نفس الموقف من عمر وبن العاص أو المغيرة بن شبعة أو عثمان أو أبو هريرة وغيرهم من الصحابة الذين ارتبطوا بالفتن والخلافات التي وقعت بعد وفاة الرسول ( ص ) .


وتجاوز هذا الحد بأن حرض الحاكم عليهم وأفتاه بجواز تأديبهم وحبسهم وقتلهم . وحدد الدين في دائرة الكتاب والسنة والسلف ، أي ربط الرواية والرجال بالقرآن فكأن من نبذ الرواية والرجال نبذ القرآن وخرج من الإسلام ، وهو بهذا قد أضفى القداسة على الرواية والرجال وأرهب المسلمين من المساس بهما . .


وفي رسالة أخرى لابن حنبل تحت عنوان ( كتاب الصلاة ) أعلن ابن حنبل تكفير تارك الصلاة وعدم جواز الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين . .
 

- ص 62 -

ويظهر لنا من خلال أفكار ابن حنبل أنها استمدت جميعها من الروايات وأقوال الرجال أي السنة والأثر فمن ثم فهو رجل تقليدي يتعبد بنصوص التراث كما هي ولا يعطي لأتباعه فرصة إعمال العقل فيها كما لا يعطي لخصومه فرصه نقدها . .


ولعل تمسك ابن حنبل بالروايات وأقوال السلف هو الذي جعل له شعبية وسط العامة الذين تجذبهم الروايات بدافع عشقهم للرسول ( ص ) وجيله ، فقول الرسول أو الصحابي يجذب الناس ويستقطبهم أما الرأي فله خواصه من الناس . .


وعندما توفي ابن حنبل أصبح قبره مزارا تحتشد الناس من حوله ووضعت الحراسات عليه ، وقام الخليفة المستضئ بوضع بناء عليه نقش فيه مدحا وتمجيدا له وذلك في عام 574 ه‍ ثم جاء فيضان دجلة فأزال القبر فاتجه الناس نحو قبر ولده عبد الله وأضفوا عليه القداسة التي كانوا يضفونها على قبر أبيه . . ( 4 )


- المدافع الثالث: وقد حمل تراث ابن حنبل جيل من الحنابلة يساندهم قطاع من عوام بغداد انطلق يرهب الناس والمخالفين ويرفع راية التكفير والزندقة في مواجهتهم . . وإذا كان الأستاذ الإمام بهذا القدر من التطرف فكيف يكون حال تلاميذه ؟

لا شك أن حجم مدافعهم سوف تكون أكبر وطلقاتهم سوف تكون أشد . . وهذا ما تشهد به وقائع التاريخ ، فيما أطلق عليه المؤرخون فتن الحنابلة وهي حوادث وقعت في فترات متفرقة ضمن حدود بغداد موطن الحنابلة ، كان ضحيتها المخالفين

على الدوام فقهاء وعوام من السنة والشيعة . . وكان الحنابلة قد قويت شوكتهم بدعم من المتوكل العباسي ومن بعده من خلفاء بني العباس الذين عملوا على استثمارهم في تقوية نظام حكمهم وتصفية المعارضين لهم . . ومنذ ذلك الحين كثرت اعتداءاتهم على العامة والنساء في الطرقات والتفريق بينهما في الأسواق ومهاجمة الأسواق لمنع الاختلاط ومقاومة البدع . .
 

  * هامش *  
 

( 4 ) أنظر البداية والنهاية لابن كثير ح‍ 12 . ومناقب ابن حنبل لابن الجوزي ح‍ / 1 وطبقات الحنابلة الأبن رجب ح‍ / 1 . وإذا كان هذا هو حال قبر ابن حنبل وقبر ولده فمن أين أتى الحنابلة بفكرة مقاومة القبور واعتبار زيارتها والاهتمام بها وتعليتها شرك . . ( * )

 

 

- ص 63 -

ودخلوا في صدامات دموية مع الشيعة والأشاعرة والشافعية والأحناف والمعتزلة . .


يروي الذهبي عن أحداث عام ( 398 ه‍ ) أن في هذه السنة وقعت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة في بغداد وكاد أن يقتل الشيخ أبو حامد الاسفرايني ، فأنفذ الخليفة القادر الفرسان لمعاونة أهل السنة وقمع الشيعة . . ( 5 )


ومثل هذه المدافع التي حملها الحنابلة في مواجهة الناس والمخالفين والتي هي من صناعة إمامهم ابن حنبل لم توجه في يوم من الأيام إلى الحكام ، وهذا الأمر إن دل على شئ فإنما يدل على أن عقيدة الحنابلة في مضمونها عقيدة حكومية في صالح

الحاكم لا في صالح الجماهير . . وهو يدل من جناب آخر على أن هذه العقيدة قد فرضت على المسلمين بضغط الحكام ولو قدر لها أن تسلك السبيل المعتاد في الدعوة الذي سلكته الشيعة والخوارج من بعد الإمام علي والمعتزلة والمذاهب الأخرى لما

قدر لها البقاء والانتشار، والبرهان على ذلك أن مذهب الحنابلة سقط وتوارى بعد سقوط الدولة العباسية ، واتجهت الدول التي ظهرت بعدها نحو الأشاعرة والشافعية . . وجاء ابن تيمية في القرن الثامن فحمل مدافع الحنابلة وأطلق نيرانه على المسلمين

فقمعه الفقهاء والحكام وحبس حتى مات في الحبس وحبس معه تلميذه ابن القيم . . ولم يقدر للحنابلة البروز بعد ذلك حتى جاء محمد بن عبد الوهاب وحمل مدافعهم من جديد ثم تسلمت الجماعات راية الحنابلة من الوهابيين وحملت مدافعهم في مواجهة المسلمين وغير المسلمين لتعود فتن الحنابلة إلى البروز على ساحة الواقع من جديد . . ( 6 )
 

  * هامش *  
 

( 5 ) أنظر الكامل في التاريخ لابن الأثير . وتاريخ الإسلام للذهبي . وتاريخ الخلفاء للسيوطي . وانظر لنا أهل السنة شعب الله المختار . والكلمة والسيف . .
( 6 ) أنظر فصل مدافع محمد بن عبد الوهاب . . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب