|
- مدافع
الفقهاء - المستبصر : صالح الورداني - ص 9 - |
الفقهاء بين الدين والحكام
برزت طبقة الفقهاء على يد معاوية بن سفيان حين تحالف معه عدد من الصحابة وساروا
في ركابه وعلى رأسهم المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وعبد
الله بن عمر وأبي هريرة ثم عائشة بنت أبي بكر . . .
وهؤلاء جميعا أسهموا في تكوين طبقة من التابعين سايرت خط
معاوية وخط بني أمية من بعده وحملت هذه الطبقة على كاهلها وضع حجر الأساس لصرح
الفقه الإسلامي الحكومي الذي تطور فيما بعد على يد فقهاء العصر العباسي وتمخض
عما سمى بعقيدة أهل السنة والجماعة .
تلك العقيدة التي برزت لحماية هذا الفقه وإضفاء المشروعية عليه وردع المخالفين
له وتطويع الجماهير للحكام . . . ولقد قام هذا الفقه وتأسست هذه العقيدة على
روايات وفتاوى أبي هريرة وعائشة وابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص
وغيرهم من الصحابة الذين تحالفوا مع بني أمية . . .
وقام الفقهاء الذين تربوا على هذه الفتاوى والروايات بتوجيه مدافعهم نحو خصومهم
من التيارات الأخرى ونحو الجماهير لإرهابها وعزلها عن هذه التيارات وحصرها في
دائرة الخط السائد خط الحكام الذين اعتبروا أئمة طاعتهم واجبة شرعا وعصيانهم
حرام يؤدي إلى التهلكة حسب نصوص الفقهاء التي سوف نعرض لها فيما بعد . . .
- الفقهاء ويزيد بن معاوية :
يروي البخاري أن
معاوية خطب في الناس يطلب البيعة لولده يزيد من بعده فبلغ الخبر ابن عمر فدخل
على حفصة أخته فقال لها : قد كان من الأمر ما ترين . فلم يجعل لي من الأمر شئ ،
فقالت : الحق . فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في
احتباسك عنهم فرقة ، فلم تدعه حتى ذهب ،
فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع
لنا قرنه . فلنحن أحق به منه ومن أبيه . قال حبيب بن مسلمة لابن عمر : فهلا
أجبته ؟ قال ابن عمر : فحللت حبوتي .
وهممت أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على
الإسلام . فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم وتحمل عنى غير ذلك ،
فذكرت ما أعد الله في الجنان . فقال له حبيب : حفظت وعصمت . . ( 1 )
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) كتاب المغازي . . ( * )
|
|
|
وهذه الرواية تكشف لنا موقف ابن عمر
فقيه الصحابة من معاوية وولده يزيد فهو رغم علمه بحقيقة معاوية ومكانته
المهزوزة في قلوب المسلمين وهو ما يتضح من قوله : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك
وأباك على الإسلام ، لم يتراجع عن بيعته ولا عن بيعة ولده يزيد . . .
وحين ثار أهل المدينة على يزيد وخلعوه وأطاحوا بواليه فيها جمع ابن عمر حشمه
وولده وقال : إني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة
، وإنا قد بايعنا هذا الرجل - يزيد - على بيع الله ورسوله . وإني لا أعلم غدرا
أعظم من أن نبايع رجلا على بيع الله ورسوله ثم ننصب له القتال ، وأني لا أعلم
أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كنت الفيصل بيني وبينه . . ( 2 )
ويروى أن ابن عمر جاء إلى ابن مطيع داعية ابن الزبير الخارج على يزيد فقال :
أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم
القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية . . ( 3 )
وهاتين الروايتين يتبين منهما أن ابن عمر تجاوز
حدود الموقف الشخصي بمبايعته يزيد إلى الدعوة لمناصرته ومعارضة الثورة عليه بل
والعمل على إطفاء نار هذه الثورة بروايات منسوبة للرسول ( ص ) . . ( 4 )
وقد استمر ابن عمر موقفه الموالي للحكام هذا حتى عصر الحجاج بن يوسف حيث بايع
خليفته عبد الملك بن مروان ثم صلى وراء الحجاج وشاركه في الصلاة أنس بن مالك
خادم الرسول . . ( 5 )
ومن خلال مواقف ابن عمر هذه والروايات المنسوبة للرسول الخاصة بالحكام . استنبط
الفقهاء عقائد ومفاهيم وفقه خاص يلزم المسلمين بطاعة الحكام ولو كانوا فجارا
والجهاد والحج من ورائهم . . . وبرر الكثير من الفقهاء مواقف ابن عمر هذه
ومواقف يزيد ودافعوا عنه ونفوا جميع الشبهات المثارة من حوله . .
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) البخاري كتاب الفتن .
( 3 ) مسلم . كتاب الإمارة
( 4 ) من الروايات المنسوبة للرسول بخصوص الحكام رواية تقول : تسمع
وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع . ورواية تقول : من
رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته
جاهلية ورواية تقول : اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما
حملتم . . انظر مسلم كتاب المارة . والبخاري كتاب الأحكام .
( 5 ) أنظر تاريخ الطبري وترجمة ابن عمر
وأنس في كتب التراجم وانظر الفصل القادم . . ( * )
|
|
|
فقد روى ابن حنبل ليزيد رواية تقول :
إذا مرض أحدكم مرضا فأشفي ثم تماثل فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ، ولينظر
إلى أسوا عمل عنده فليدعه . . ( 6 )
وقال أبو بكر بن العربي معلقا
على هذه الرواية : وهذا يدل على عظيم منزلته عنده - أي منزلة يزيد عند ابن حنبل
- حتى يدخله في جملة الزهاد ومن الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويرعون
من وعظهم . . ( 7 )
ويقول ابن خلدون : والذي دعا
معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع
واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية . إذ بني أمية
يومئذ لا يرضون سواهم ، وهم عصابة من قريش وأهل الملة
أجمع وأهل الغلب منهم . فآثره بذلك ودون غيره فيظن أنه أولى
بها . وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه
أهم عند الشارع ، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا لعدالته ، وصحبته مانعة من
سوى ذلك
وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب
فيه ، فليسوا مما يأخذهم في الحق هوادة . وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول
الحق . فإنهم كلمهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه . . ( 8 )
وقال ابن تيمية مهاجما الحسين لخروجه
على يزيد : إنه لم يكن في الخروج مصلحة لا في دين ولا في دنيا ، وكان
خروجه وقتله من الفساد ما لم يحصل لو قعد في بلده فإن ما قصده من تحصيل الخير
ودفع الشر لم يحصل منه شئ بل زاد الشر بخروجه وقتله ، ونقص الخير بذلك ، وصار
سببا لشر عظيم ، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن . . ( 9 )
ويقول عن يزيد : إن الناس اختلفوا في أمره ثلاثة
فرق : الأولى : أنه كان كافرا منافقا . . . والثانية : أنه كان ملكا رجلا صالحا
وإمام عدل . . . والثالثة : أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم
يكن كافرا . ولكن جرى بسببه ما جرى .
| |
* هامش * |
|
| |
( 6 ) أنظر كتاب الزهد . .
( 7 ) أنظر كتاب العواصم من القواصم .
وهو كتاب ملئ با التبريرات والتأويلات التي تنفي الشبهات والاتهامات
التي وجهت لعثمان ومعاوية ويزيد . .
( 8 ) أنظر المقدمة وانظر العواصم من القواصم
، والعقد الفريد ج 2 / 378 . والبداية
والنهاية لابن كثير ج 8 / 143 . .
( 9 ) أنظر منهاج السنة النبوية في نقض كلام
الشيعة والقدرية ج 2 / 241 : 242 . وانظر المنتقى منه .
=> |
|
|
وهذا قول أهل العقل والعلم والسنة والجماعة ثم افترقوا ثلاث
فرق : فرقة لعنته . . . فرقة أحبته . . وفرقه لاتسبه لاتحبه . . وهذا المنصوص
عليه عن الامام أحمد بن حنبل وعليه المعتضد من أصحابه وغيرهم .
وقد استدل القائلون بالمغفرة له بحديث مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ( ص ) قال
أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له . وأول جيش غزاها كان أميره يزيد . . ( 10 )
وقال ابن تيمية : ان يزيد كان
من شباب المسلمين ولا كان كافرا ولا زنديقا . وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض
المسلمين ورضى من بعضهم وكان فيه شجاعة وكرم ولم يك مظهرا للفواحش كما يحكى عنه
بعض خصومه وجرت في جرت في إمارته أمور عظيمة أحدها مقتل الحسين وهو لم يأمر
بقتله ولا أظهر الفرح بقتله ولا نكت بالقضيب على ثناياه ولا حمل رأس الحسين إلى
الشام ، لكن أمر بمنع الحسين وامساكه وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله . . ( 11
)
وقال الشيخ الخضري : إن الحسين أخطأ خطأ عظيما في
خروجه هذا الذي جر على الأمة وبال الفرقة والإختلاف وزعزع عماد ألفتها إلى
يومنا هذا . . وغاية الأمر أن الرجل طلب أمرا يتهيأ له ، ولم يعد له عدته فحيل
بينه وبين ما يشتهى وقتل دونه ، والحسين قد خالف يزيد وقد بايعه الناس ، ولم
يظهر عنه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار الخلاف حتى يكون في الخروج عليه مصلحة
للأمة . . ( 12 )
| |
* هامش * |
|
| |
=> للذهبي والعواصم من
القواصم
( 10 ) أنظر الفتاوى الكبرى ج / 4 / 481 وما بعدها وانظر
منهاج السنة
. .
( 11 ) الوصية الكبرى في عقيدة أهل السنة والفرقة الناجية . .
( 12 ) تاريخ
الأمم الإسلامية ج 2 . |
|
|
|