|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
351 |
|
الفصل التاسع : ولست أدري خبر المسمار
-------------------------------------- ص
352
----------------------------------------
....
-------------------------------------- ص
353
----------------------------------------
خبر المسمار
قد جاء في كتاب منسوب إلى
شبل الدولة مقاتل بن عطية ، عرف باسم : " مؤتمر علماء
بغداد " الفقرة التالية : " . . . ولما جاءت فاطمة خلف
الباب ، لترد عمر وحزبه ، عصر عمر فاطمة بين الحائط
والباب عصرة شديدة ، حتى أسقطت جنينها ونبت مسمار
الباب في صدرها ، وصاحت فاطمة : يا أبتاه ، يا رسول
الله . . . ( 1 ) " .
وقال الفيلسوف المحقق آية الله
العظمى الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس الله سره :
ولست
أدري خبر المسمار * سل صدرها خزانة الأسرار
ونحن لا
نستطيع تأكيد أو نفي هذا الأمر ، رغم أننا نناقش في
نسبة كتاب مؤتمر علماء بغداد إلى شبل الدولة ، ونحتمل
أنه كتاب وضعه بعض من تأخر عنه ولكن ذلك لا يعني : أن
ما ورد فيه من معلومات تاريخية أو غيرها غير صحيح أيضا
.
| |
( 1 ) مؤتمر علماء بغداد : ص 135 . ( *
) |
|
|
إذن ، فقد يكون مؤلف هذا الكتاب قد أستقي
معلوماته من مصادر لم تصل إلينا ، ومناقشتنا في صحة
نسبته إلى من ينسب إليه ، لا تعني أن جميع ما ورد فيه
أيضا محل مناقشة وريب ، ففيه كثير من المعلومات
الصحيحة ، التي تؤيدها الروايات الثابتة والصحيحة
بصورة قطعية ، فلا بد من تمييز الغث من السمين ،
والصحيح من غيره وفق معايير البحث العلمي وأصوله . .
ونحن نذكر هنا ما نستند إليه في شكنا في نسبة هذا
الكتاب ، فنقول . . كتاب مؤتمر علماء بغداد في الميزان
: وقد ذكر مؤلف كتاب مؤتمر علماء بغداد : أن كتابه ،
أو كتيبه هذا هو خلاصة مناظرة دينية ، يقول : إنها جرت
بين عشرة من كبار علماء السنة ، وكبار علماء الشيعة في
بغداد بدعوة من السلطان ملك شاه السلجوقي ، ووزيره
نظام الملك ، وحضورهما ، ومشاركتهما .
وقد ظهر في هذه
المحاورة : التي دامت ثلاثة أيام أن مذهب التشيع هو
الحق ، فتشيع السلطان ملك شاه ، وأعلن وزيره نظام
الملك تشيعه أيضا ، ولحق بهما عدد من القواد ، وأركان
الدولة .
ويطرح هنا سؤال هو : هل هذه المناظرة ،
واقعية أم افتراضية ؟ ! وهو ينتظر الجواب الصحيح
والصريح . وإذا جاز لنا أن ندلي بدلونا هنا ، فإننا
نقول : إن ما نميل إليه هو الخيار الثاني . أي أنها
قضية افتراضية .
ونستند في حكمنا هذا إلى عدة أمور ،
وإن لم يمكن اعتبار كل واحد منها بمفرده دليلا قاطعا ،
ولكنها بمجموعها تمنحنا الجرأة على
تسجيل استبعادنا هذا ، الذي يرقى إلى درجة
الاطمئنان بكونها قضية افتراضية ، قد أراد مؤلفها أن
ينتصر لمذهب بعينه ، ويصوغ الأدلة المذهبية المستندة
إلى وقائع تاريخية مشهورة في كتب المسلمين ، وروايات يعترف بصحتها وبصحة الاستناد إليها المتخاصمون -
يصوغها بطريقة مثيرة ، وملفتة ، تثير اهتمام القارئ ،
وتأخذ بمشاعره .
والأمور التي نستند إليها في رأينا
هذا هي التالية : الأسلوب التعبيري : إن أول ما يلفت
نظر القارئ لذلك الكتاب " أو الكتيب " هو أسلوبه
التعبيري ، حيث إن كثيرا من الموارد قد استعملت فيها تعابير لم تكن متداولة في تلك الفترة من الزمن .
ونحن
نذكر هنا جملة منها مع الإشارة إلى رقم صفحة الكتاب
المطبوع في سنة 1415 ه . ق . 1994 م . دار الإرشاد
الإسلامي ، بيروت - لبنان . تحقيق وتعليق الشيخ محمد
جميل حمود .
فنقول : كلمة " مؤتمر " التي وردت في
عنوان الكتاب ، وفي ص 17 و 25 و 26 و 28 و 37 . " لم
يكن رجلا متعصبا أعمى " ص 17 . " كان شابا منفتحا " ص
17 . " ألفت فيها كتب وموسوعات " ص 25 . " ونرى نحن من
خلال المحادثات والمناقشات " ص 26 ، وراجع
ص 32 و 34 . " وأن يكون طلب الحق هو رائد
الجميع " ص 37 . " إن الذين يسبون لهم منطقهم " ص 46 .
" هذا العمل اللا إنساني " ص 96 . " إن بعض رواة السوء
، وبائعي الضمائر " ص 98 . " واعتبر إيمانه إيمانا
مثاليا " ص 101 . " يتصورهم أناسا طيبين مؤمنين " ص
111 . " مزق السيد العلوي ستار الصمت " ص 109 . " ولكن
المؤهلات في علي بن أبي طالب كانت قليلة " ص 116 .
وثمة مورد آخر في نفس الصفحة أيضا . "
الواقع : إن
مؤهلات الخلافة والإمامة كانت متوفرة كاملا في علي " ص
116 وراجع ص 117 . " وأقضي غالب أوقاتي بالصيد ،
والشؤون الإدارية " ص 153 . " وأخذوا يحيكون المؤامرات
ضد الملك ، ونظام الملك ، وحملوه تبعة هذا الأمر ، إذ
كان هو العقل المدبر للبلاد ، حتى امتدت إليه يد أثيمة
" ص 154 و 155 . " وكان لها نتائج سلبية " ، " وأعطت
نتائج سلبية معكوسة " ص 127 . " أليست المتعة هي الحل
الوحيد لهم للخلاص من القوة الجنسية
الطائشة ، وللوقاية من الفسق والميوعة ؟ !
أليست المتعة أفضل من الزنا الفاحش ، واللواط ،
والعادة السرية " ص 124 . ركاكة التعابير : وقد تضمن
الكتاب أيضا طائفة من التعابير التي تظهر عليها
الركاكة ، والضعف ، وذلك مثل قوله : " رجلا متعصبا
أعمى " ص 17 . " كانت متوفرة كاملا في علي " ص 116 . "
وكان يحب أهل البيت حبا جما كثيرا " ص 17 . "
ثانيا :
رواتها وأسنادها غير صحيحة " ص 76 . " استهزأ به بعض
الحاضرين ، وغمزه " ص 18 . " كان صغير العمر ، بينما
كان أبو بكر كبير العمر " . ص 113 . " قد كنت أنا حاضر
المجلس والمحاورة " ص 156 . " دين التشيع حق لا مراء
له " ص 156 . أخطاء نحوية : ووردت في الكتاب أيضا
أخطاء نحوية عديدة ، كالموارد التالية : " وإنما
انتخبه ثلاثة أو اثنين " ص 61 مع أن الصحيح : اثنان .
" إن الرسول يفعل ما لا يفعله حتى الناس
العاديين " ص 93 . والصحيح : العاديون . " حتى يأتي
بعض الناس الجهال ، فيختاروا الأصلح " ص 115 ، والصحيح
: فيختارون . " وكان يحضر مجلسه أربعة آلاف تلميذا " ،
ص 151 ، والصحيح : تلميذ . " إلى غيرها من بدعكم أنتم
أيها السنة التابعين لعمر " ص 149 ، والصحيح :
التابعون .
ولتلاحظ الفقرات التالية : " وأمره - أي
أمر أبو بكر خالدا - أن يقتل مالك وقومه " ص 131 . "
ووزعت واردها الكثير ، ( مئة وعشرون ألف دينار ذهب ،
على قول بعض التواريخ في الناس " ص 145 . " علما بأن
فدك لو بقيت " . " غصبا فدك " . " غصبا ملكها فدك " .
" ورد فدك على أولاد فاطمة " ص 144 و 145 .
تصحيح خطأ
: ووقع فيه سهو آخر في آية قرآنية كريمة ، حيث قال : *
( إنا هديناه النجدين ) * ص 89 . والصحيح : وهديناه
النجدين . بالإضافة إلى كلمة " وأخذوا يحيكون
المؤامرات " والصحيح :
يحوكون . ملك شاه : الجاهل المحب للعلم :
وقد وصف ملك شاه السلجوقي بأنه " كان شابا ، منفتحا ،
محبا للعلم والعلماء " ص 17 .
مع أن هذا المحب للعلم
والعلماء ، لم ينتفع من حبه هذا ، حيث إنه - كما يظهره
الكتاب الذي هو مورد البحث - من أجهل الناس حتى بأبسط
الأمور ، وبأبده البديهيات الإسلامية والتاريخية ،
وكأنه قد عاش في جزيرة ثم دخل بلاد الإسلام لتوه .
حتى
أنه لا يعرف بوجود طائفة اسمها الشيعة ، هي نصف
المسلمين الذين يحكمهم ، ص 25 و 26 ، بل هو لا يعرف
حتى معنى كلمة شيعي ، فضلا عما سوى ذلك من قضايا
تاريخية وغيرها .
ولا ندري لماذا أهمل أبوه السلطان
ألب ارسلان تأديبه وإعداده للمنصب الذي سيتصدى له ؟
ولماذا لم يحشد له من العلماء والمتخصصين ، أفضلهم ،
وأعلمهم ، وأبعدهم صيتا ، وأكثرهم خبرة ؟ . مع أن
الملوك والخلفاء كانوا يهتمون بتأديب وتعليم أولادهم ،
ولا سيما الذين يرشحونهم لخلافتهم في المناصب لإدارة
شؤون البلاد والعباد .
رعونة وطيش : وقد ذكر أيضا : أن
ملك شاه السلجوقي يكاد يتخذ قرارا بقتل الشيعة جميعا ،
إن لم يقبلوا بالتمذهب بمذهب أهل السنة ، رغم أن وزيره
كان قد أخبره بأنهم " يشكلون نصف المسلمين تقريبا " ص
25 . ( * )
ولكن وزيره أخبره بأن قتل نصف المسلمين غير
ممكن ، ص 27 . وليس ثمة من رعونة وطيش أعظم من هذا ،
فكيف يذكرون عنه ما يدل على الاستقامة والعدل ، وعلى
الحنكة والعقل ؟ اغتيال الملك ووزيره وقد ذكر هذا
الكتاب : أن نظام الملك قد اغتيل بإيعاز من أهل السنة
، ثم اغتالوا ملك شاه السلجوقي بعد ذلك أيضا .
والمذكور في التاريخ : أن قتل نظام الملك كان على يد
غلام ديلمي من الباطنية . وذكر ابن الأثير قصة تشير
إلى أن الذي دبر قتله هو ملكشاه نفسه . أما ملكشاه ،
فيذكرون أنه مرض ومات ( 1 ) .
الملك لا يثق إلا بوزيره
: ورغم أن المجتمعين قد كانوا كبار علماء أهل السنة في
بغداد ، لكننا نجد : أن هذا الملك لا يزال يستفهم
وزيره عن كل شئ ، وهذا الوزير بدوره قد دأب على
الإجابة بقوله : هكذا ذكر المفسرون ، أو المؤرخون ، أو
الرواة ، أو نحو ذلك . فلماذا لا يثق بكبار علماء
الإسلام ، ولا يقبل منهم ما ينقلونه ويتداولونه ؟
| |
( 1 ) راجع ذلك في : الكامل في التاريخ : ج
10 ص 204 - 205 وص 210 . ( * ) |
|
|
من هم المجتمعون ؟ ! والذي زاد في تحيرنا :
أنه رغم أن بغداد كانت تعج بالعلماء المعروفين في تلك
الفترة ، سواء من الشيعة ، أو من أهل السنة ، فإن هذا
الكتاب لم يذكر لنا اسم أي من هؤلاء العلماء العشرين
المشاركين في المناظرة الذين وصفهم بأنهم كبار العلماء
في بغداد من الفريقين .
نعم ، وردت أربعة أسماء ادعى
المؤلف أنها أسماء علماء هي : الحسين بن علي ، الملقب
بالعلوي . أحمد عثمان . السيد جمال الدين . الشيخ حسن القاسمي . ولم نستطع أن نحصل على أي معلومات عن أصحاب
هذه الأسماء ، وعن درجاتهم العلمية ، وعن دورهم وأثرهم
في البلاد والعباد .
فكيف غاب مشاهير علماء بغداد من
سنة وشيعة عن هذه المناظرة الحساسة والمصيرية ، أو فقل
: كيف لم يعلن أسماء أي من هؤلاء المشاهير .
مفارقة
أخرى لا مبرر لها :
وقد ذكر الكتاب : أن الوزير نظام
الملك ، وكذلك العباسي ، الذي كان يناظر عن أهل السنة
، وكذلك العلماء الذين كانوا معه ، قد سكتوا ، وأحجموا
عن الإجابة على سؤال حول سعي طلحة والزبير في قتل
عثمان . وعلق المؤلف على ذلك بقوله : " ماذا يقولون ؟
! أيقولون الحق ؟ !
وهل الشيطان يسمح بالاعتراف بالحق ؟ ! وهل
ترضى النفس الأمارة بالسوء أن تخضع للحق والواقع ؟ !
أتظن أن الاعتراف بالحق أم سهل وبسيط ؟ ! . كلا ، إنه
صعب جدا ، لأنه يستدعي سحق العصبية الجاهلية ، ومخالفة
الهوى ، والناس أتباع الهوى وبالباطل ، إلا المؤمنين ،
وقليل ما هم ؟ ! " ص 109 .
ونقول : إننا ندعو القارئ
الكريم للتأمل فيما يلي :
أ : إن المؤلف نفسه قد وصف
نظام الملك في أول الكتاب بقوله : " كان رجلا حكيما
فاضلا ، زاهدا ، عازفا في الدنيا ، قوي الإرادة ، يحب
الخير وأهله ، يتحرى الحقيقة دائما " ص 17 .
ب : إن
الوزير نظام الملك كان قد أجاب على جميع الأسئلة
التقريرية للملك ، مع أن الكثير منها كان أشد إحراجا
له من هذا السؤال العادي جدا ، حيث إن بعضها يتعلق
بالخليفتين الأولين أبي بكر ، وعمر بالذات .
ج : إن
نظام الملك قد عاد واعترف للملك بصحة استدلال العلوي ،
فلما سأله عن سبب سكوته في بادئ الأمر ، قال : " لأني
أكره أن أطعن في أصحاب رسول الله ( ص ) " ص 11 . مع
أنه هو نفسه قد أجاب بالايجاب حين طعن العلوي في إيمان
عمر ( رض ) . وعمر عنده قد كان أعظم بكثير من طلحة ،
ومن عثمان أيضا ، فراجع ص 100 .
خلافة أم إمامة ؟
ونلاحظ : أن هذا العلوي
قد خلط في حديثه عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، بين
مفهومي الإمامة والخلافة ، وهو يتحدث عن الخلافة
بطريقة الحديث عن الإمامة ، فراجع ما ذكره ص 111 حينما
قال : " لم يتخذهم كل المسلمين خلفاء ، وإنما أهل
السنة فقط " .
فإن هذه العبارة تعني : إن الحديث عن
الإمامة لا عن الخلافة ، لأن خلافتهم وحكومتهم إنما هي
حدث تاريخي لا يمكن إنكاره من شيعي أو سني . ولكن
الكلام والجدل إنما هو في أن هذه الحكومة هل هي مشروعة
أم لا ؟ كما أن الكلام إنما هو في إمامة علي ( ع ) ،
التي تكون الحكومة أحد مظاهرها ، فغصب الحكومة إنما هو
تعد على الإمام في بعض شؤون إمامته . تناقضات لا مبرر
لها : ونجده يقع أحيانا في تناقضات لا مبرر لها ، وقد
حصل له ذلك في موردين :
الأول : نفاق الذين انتخبوا
عثمان : فنجده في حين يصف الذين تحيزوا إلى عثمان في
الشورى ، وبايعوه . بالمنافقين . راجع ص 106 . يعود في
الصفحة نفسها ليذكر ما يشير إلى عدم كونهم من
المنافقين ، بل هم من الأتقياء المؤمنين ، فيقول :
إنهم " عدلوا عن عثمان
عندما رأوا طغيانه ، وهتكه لأصحاب رسول
الله ، ومشورته في أمور المسلمين مع كعب الأحبار ،
وتوزيعه أموال المسلمين بين بني مروان ، فبدأ هؤلاء
الثلاثة بتحريض الناس على قتل عثمان " .
ويقصد بهؤلاء
الثلاثة : طلحة ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن
عوف ، وقد كنا نود أن نراه يضيف إلى الأسباب التي
ذكرها : أنهم لم يجدوا عند عثمان ما كانوا أملوه من
إشراكهم في الأمر ، حيث آثر أقاربه بكل شئ دونهم .
والكل يعلم : أن طلحة قد حارب عليا أيضا بسبب أنه لم
يستجب لمطالبه التي تغذي طموحاته ، ولسعد بن أبي وقاص
، موقف من علي بسبب ذلك أيضا .
الثاني : من الذين
انتخبوا عثمان : وفي حين نجده يقول : " إن عثمان لم
يأت إلى الحكم إلا بوصية من عمر ، وانتخاب ثلاثة من
المنافقين فقط وفقط ، وهم : طلحة : وسعد بن أبي وقاص ،
وعبد الرحمن بن عوف " ص 106 . فإننا نجده يشكك في
هؤلاء الثلاثة ويقول : " إنما انتخبه ثلاثة ، أو اثنين
( كذا ) منهم " ص 61 . مع العلم بأن عمر لم يوص
بالخلافة إلى عثمان كما زعم . كما أن قوله : إنه جاء
بوصية من عمر ، وبانتخاب ثلاثة غير منسجم ولا متوازن .
إلا أن يكون مراده : أن عمر قد ركب الشورى بحيث يصبح
انتخاب عثمان حتميا . فاعتبر ذلك بمثابة وصية بالخلافة
له .
موارد تعوزها الدقة التاريخية :
ثم إن هناك
العديد من الموارد التي تعوزها الدقة التاريخية ،
ونذكر منها :
1 - قوله عن معاوية : أنه كان يسب عليا
أمير المؤمنين ( ع ) ، " إلى أربعين سنة ، وقد امتد سب
الإمام إلى سبعين سنة " ص 48 . ونقول : أما بالنسبة
للنقطة الأولى ، فنقول : إن معاوية قد أعلن بسب علي (
عليه السلام ) حوالي 23 سنة . وهو يقل عن العدد الذي
ذكره بـ 17 سنة . وأما بالنسبة للنقطة الثانية ، فقد
امتد سبهم لعلي ( ع ) أكثر من ثمانين سنة ، فراجع كتب
التاريخ .
2 - قال : " أبو حنيفة ، ومالك بن أنس ،
والشافعي ، وأحمد بن حنبل لم يكونوا في عصر النبي ( ص
) بل جاؤا بعده بمائتي سنة تقريبا سنة تقريبا " ص 150
. مع أن أبا حنيفة قد ولد سنة 80 للهجرة ، ومات سنة
150 ه . أما مالك فولد سنة 93 ومات سنة 170 ه .
والشافعي ولد سنة 150 ومات سنة 204 ه . وأحمد بن حنبل
ولد سنة 164 ومات سنة 233 ه .
3 - وذكر " أن عمر منع
أبا هريرة عن نقل الحديث لكذبه على رسول الله . ولكن
العلماء يأخذون بأحاديثه الكاذبة " ص 82 .
ومن المعلوم : أن سياسة الخليفة الثاني
كانت تقضي بمنع نقل الحديث عن رسول الله ( ص ) . وقد
ضرب أبا هريرة لأجل ذلك ، فإنه أكثر من نقل الحديث كما
صرح به نفسه ، لا لأجل كذبه على رسول الله ( ص ) كما
زعم المستدل .
4 - جمع القرآن : وقد جاء في هذا الكتاب
ما يلي : " قال العلوي : بل من بدعكم أنتم السنة أنكم
لا تعترفون بالقرآن . والدليل على ذلك أنكم تقولون :
إن القرآن جمعه عثمان ، فهل كان الرسول جاهلا بما عمله
عثمان ؟ ! " ص 48 .
ثم يستمر في كلامه الذي يهدف من
خلاله إلى إبطال جمع عثمان للقرآن ، وإثبات أنه قد جمع
في عهد رسول الله ( ص ) .
ونقول :
أ - إن من الواضح :
إن حديث جمع عثمان للقرآن ، لا يعني عدم الاعتراف
بالقرآن . فالاستدلال بالأول على الثاني في غير محله .
ب : إن عثمان لم يجمع القرآن ، وإنما جمع الناس على
قراءة واحدة ، وذلك حينما عبر له حذيفة بن اليمان عن
تخوفه من اختلاف قراءات الناس . وقد أيده أمير
المؤمنين علي ( ع ) في ذلك ، أي في جمع الناس على
قراءة واحدة ، وقال - حسبما روي - لو وليت لفعلت مثلما
فعل ( 1 ) .
ولعل هذا المستدل يقصد : أن القرآن قد جمع
على عهد رسول
| |
( 1 ) راجع كتابنا : حقائق
هامة حول القرآن الكريم . ( * ) |
|
|
الله ( ص ) ، ولكن الخليفتين الأول والثاني
قد رفضا مصحف رسول الله ( ص ) ، لأنه كان يتضمن
التنزيل ، والتأويل وأسباب النزول والتفسير . وغير ذلك
مما كان من شأنه أن يحرج الكثيرين ممن لا يرضى الحكام
بإحراجهم ، ولا بإشاعة حقائق ترتبط بهم . وجمعوا هم
آيات القرآن في مصحف واحد ، بعد أن أسقطوا التفسير
والتأويل وأسباب النزول منه ، كما هو معلوم .
طريقة
الاستدلال أحيانا :
وإن معظم الاستدلالات الواردة في
الكتاب . وإن كانت جيدة وصحيحة . ولكن ثمة موارد في
الكتاب لم يكن الاستدلال فيها صالحا . رغم أنه قد كان بالامكان أن تكون هي الأخرى على درجة عالية من القوة
والصحة ، لو استبدلت بعناصر تجعلها أكثر دقة ، وأبعد
أثرا .
والموارد التي لاحظناها هي التالية :
1 - السب
واللعن : قد حصل خلط في الكتاب بين السب واللعن ، حيث
ادعى الكتاب جواز سب الصحابي المنحرف ، ولكنه استدل
بما يثبت جواز اللعن لا السب ، فراجع ص 47 و 48 .
ومن
الواضح : أن عليا ( ع ) قد نهى في صفين أصحابه عن سب
معاوية وأصحابه ، وطلب منهم بدلا من سبهم أن يصفوا
أعمالهم .
كما أن الإمام الصادق ( ع ) قد أمر أصحابه
بأن ينزهوه عن السب ، ولا يكونوا قوما سبابين ، ليقال
: رحم الله جعفرا قد أدب أصحابه فأحسن تأديبهم . أما
اللعن الذي معناه الدعاء على الشخص بأن يبعده الله عن
رحمته ، فهو شأن آخر ، وقد لعن الله سبحانه في كتابه
الكريم فئات كثيرة .
كما أنه سبحانه قد أظهر الرضى عن
لعن المؤمنين لبعض الفئات ، حين قال : * (
أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللَّاعِنُونَ ) * . ولعل سبب ذلك هو
أن اللعن يستبطن إعلان البراءة والإدانة للانحراف الذي
اختاروه ، ولكل سلوك عدواني ، أو عمل إجرامي اقترفوه .
ولا يستهدف الانتقاص الشخصي منهم ، كما هو الحال
بالنسبة للسب .
2 - شك النبي في نبوته : وذكر أيضا : "
إن السنة يقولون : إن رسول الله كان شاكا في نبوته " .
واستدل على ذلك بما رووه عن النبي ( ص ) : أنه قال : "
ما أبطأ علي جبرائيل مرة إلا وظننته أنه نزل على ابن
الخطاب " ص 91.
وقد كان بإمكان المستدل أن يضيف إلى
ما ذكره الآية القرآنية الدالة على أنه ( ص ) خاتم
النبيين ، والحديث الصريح بأنه ( ص ) لا نبي بعده .
ليتم الاستدلال بذلك . إذ بدون ذلك قد يجاب عنه بأنه
لا مانع من اجتماع نبيين في آن واحد ، مثل موسى وهارون
( ع ) ، وغيرهما من الأنبياء .
3 - أهل السنة وتحريف القرآن : ويقول : "
أما السنة فيقولون : إن القرآن زيد فيه ونقص عنه " ص
51 و 52 ، وراجع ص 92 . وقال : " بل المشهور عندكم
أيها السنة : إنكم تقولون بتحريف القرآن . قال العباسي
: هذا كذب صريح . قال العلوي : ألم ترووا في كتبكم :
أنها نزلت على رسول الله آيات حول الغرانيق ، ثم نسخت
تلك الآيات ، وحذفت من القرآن " ص 72 وراجع ص 76 .
ونسجل هنا :
أ : لقد أجمعت الأمة على عدم الزيادة في
القرآن الكريم .
ب : إن نسبة القول بالزيادة والنقيصة
إلى أهل السنة أو إلى المشهور فيهم بعنوان كونهم طائفة
، ليس دقيقا أيضا . ولو أنه قال لهم : إن هناك روايات
رواها أهل السنة في صحاحهم الستة وكتبهم المعتبرة ، لو
التزم أهل السنة بمضمونها لانتهوا إلى القول بالتحريف
الذي دلت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على عدمه
لكان صحيحا ومتينا جدا .
ج : إن الرواية التي تتحدث عن
مدح الغرانيق ، التي هي الأصنام قد ردها وفندها كثير
من علماء السنة . وإن كان يظهر من البخاري أنه لا يأبى
عن قبولها .
د : إن الحديث الغرانيق ليس فيه أن عبارة :
" تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى " . آية
قرآنية ، وليس فيه ولا في غيره : أن هناك من يدعي :
أنها كانت في القرآن ثم نسخت ! ! وحذفت منه ! ! . بل
تدعي تلك الرواية المكذوبة : إن الشيطان هو الذي ألقى
تلك العبارة على لسان النبي ( ص ) . ثم جاءه جبرائيل
فأطلعه على حقيقة الحال .
4 - عبس وتولى : وقال عن آية
: عبس وتولى : " الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل بيت
النبي ، الذي نزل القرآن في بيوتهم تقول : إنها نزلت
في عثمان بن عفان " . ص 97 . وهو كلام غير دقيق ، فإن
الرواية إنما ذكرها القمي في تفسيره ، وذكرها الطبرسي
في مجمع البيان ، فلا يوجد أحاديث ( بصيغة الجمع ) ،
بل إن رواية الطبرسي عن الإمام الصادق ( ع ) لم تصرح
باسم عثمان ، بل قالت : نزلت في رجل من بني أمية .
كما
أن وصف هذه الرواية بالصحة الظاهر بالصحة من حيث السند
، قد يعد تساهلا في التعبير . مع التذكير بأن عدم توفر
سند يتصف بالصحة بالمصطلح المعروف لا يعني : أن مضمون
الرواية باطل ومكذوب . ومهما يكن من أمر ، فقد حقق هذا
الموضوع الأخ العلامة الشيخ رضوان شرارة في كتاب مستقل
بعنوان : " عبس وتولى في من نزلت " فليراجع .
5 - إيمان الخلفاء الثلاثة : وزعم الكتاب :
أن " الشيعة يعتقدون أنهم - أي الثلاثة - كانوا غير
مؤمنين قلبا وباطنا ، وإن أظهروا الإسلام لسانا وظاهرا
" . ثم فرع على إسلامهم الظاهري صحة " مصاهرة النبي
لهم ، ومصاهرتهم للنبي " ص 98 و 99 .
ولنا على هذا
الأمر عدة مؤاخذات ، نذكر منها :
أ : إن هذا الاعتقاد
لم يسجله الشيعة - كطائفة - في كتبهم الاعتقادية ، ولا
وقفوا عنده في تكوين البنية العقيدية ، وبلورة
مفرداتها .
ب : إن مصاهرة النبي لهم إنما تستند إلى
إيمان بناتهم ، ولا ربط لها بإيمان ولا حتى بإسلام
والد البنت ، إذ لا ضير في زواج المسلم بل وحتى النبي
( ص ) بابنة غير المسلم ، فكيف بمن يظهر الإسلام
والإيمان ؟ ! ج : أما بالنسبة لمصاهرة عثمان للنبي ( ص
) ، فلم تثبت ، لأننا قد أثبتنا أن عثمان إنما تزوج
ربيبتي النبي ، ولم يتزوج بنتيه ( 1 ) .
6 - خيانة أبي
بكر كيف تثبت : وقد استدل في الكتاب على خيانة أبي بكر
للنبي ( ص )
أولا : بقوله تعالى : * (
لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ) * .
ثانيا : بلعن النبي ( ص )
من تخلف عن جيش أسامة ، وأبو بكر
| |
( 1 ) راجع كتابنا : بنات النبي أم ربائبه . ( * )
|
|
|
ممن تخلف ، راجع ص 99 . وهو استدلال غير
موفق ، لأن الآية المباركة لا ربط لها بخيانتهم للنبي
( ص ) . نعم هي تدل على عدم إيمان من لا يرضى بحكم
النبي ( ص ) ، إلا إذا كانوا يظهرون القبول ، ثم إذا
خلوا إلى أنفسهم غمزوا في حكمه ( ص ) . كما أن لعن
النبي للمتخلف لا يدل على خيانة المتخلف . بل يدل على
عصيانه ومخالفته لأمر النبي ( ص ) .
ويدل أيضا على عدم
إيمان من يلعنه النبي ( ص ) . وقد يكون مقصود المستدل
: أنهم حين رفضوا حكم النبي ، وعصوا أمره ، لم يفعلوا
ذلك بصورة علنية بل بصورة خيانية فيها التفاف وتملص
واحتيال ، وإظهار خلاف الواقع ، ظهر منه أن ما يظهرونه
من إيمان وطاعة وحرص عليه في مرضه لم يكن على حقيقته .
7 - شك عمر في النبوة : واستدل على أن أن عمر كان شاكا
دائما في نبوة النبي بقول عمر في الحديبية : " ما شككت
في نبوة محمد مثل شكي يوم الحديبية " ص 100 .
ونقول :
إن قول عمر هذا لا يدل على أنه كان شاكا دائما في نبوة
نبينا ( ص ) ، وإنما يدل على أنه كان يشك كثيرا في
النبوة ، وأن ذلك قد حصل له مرارا عديدة ، لكن شكه في
الحديبية كان أشدها وأعمقها .
8 - لا تجتمع أمتي على خطأ ، وقتل عثمان :
إنه استدل بقول النبي ( ص ) : " لا تجتمع أمتي على خطأ
" على صحة قتل الناس عثمان بن عفان . وجعل ذلك دليلا
على عدم إيمانه ص 103 .
وغني عن البيان : إن الإجماع
على قتل من ارتكب جريمة يستحق لأجلها القتل ، لا يعني
الإجماع على سلب صفة الإيمان عنه ، لأن الإيمان شئ ،
وارتكاب الجرائم الموجبة للقتل شئ آخر ، قد يجتمعان ،
وقد يختلفان . والحديث الشريف إنما يدل على استحقاقه
للعقوبة ، ولا يدل على إجماعهم على عدم إيمانه . وعدم
إيمانه إنما يثبت بدلائل أخرى ، لا بد من تلمسها ،
والتأمل فيها . هذا كله بالإضافة إلى أن عليا ، وكثيرا
ممن كانوا معه لم يشاركوا في قتله . وذلك معروف ومشهور
. وإن كان قتله لم يسر عليا ولم يسؤه كما روي عنه ( ع
) .
9 - حديث العشرة المبشرة : وقد حكم العلوي ببطلان
حديث العشرة المبشرة بالجنة ، واستدل على ذلك بعدة
أدلة : منها : إن طلحة قد آذى النبي ( ص ) حين ذكر أنه
سينكح زوجته من بعده ، فنزل قوله تعالى : * (
وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن
تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا
أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ) * الأحزاب 53 .
ومنها : إن طلحة والزبير قد سعيا في قتل
عثمان ، وقد قال رسول الله ( ص ) القاتل والمقتول في
النار ، ص 107 .
ونقول : إننا وإن كنا نؤيد ما ذكره من
نزول الآية في طلحة ، وإيذائه للنبي ( ص ) ، وندفع ما
يدعيه البعض من أن طلحة قد تاب بعد ذلك ، وعمل صالحا ،
ثم جاء حديث بشارة العشرة ، فبشره بالجنة . ندفعه بأن
إثبات توبة طلحة دونه خرط القتاد .
كما أن بشارته
بالجنة تصطدم بخروجه على إمام زمانه علي : ( ع ) ، بعد
ذلك والخارج على إمام زمانه في النار .
كما أنها تصطدم
بنكثه بيعة أمير المؤمنين ( ع ) . نعم ، إننا وإن كنا
نؤيد ذلك ، ولكننا نقول : إن الاستدلال بحديث القاتل
والمقتول في النار ، لا يصح في كل مورد ، فلا يصح في
مورد خروج طلحة على إمام زمانه المنصوص على إمامته من
رسول الله ( ص ) .
وأما خروجه على عثمان ، فقد يدعى
أنه مبرر ، من حيث أن خلافة عثمان جاءت مستندة إلى صحة
خلافة عمر ، وخلافة عمر مستندة في صحتها إلى خلافة أبي
بكر ، وهي غير شرعية ، لأنها جاءت إبطالا للتدبير
الإلهي الحاسم ، الذي قرر إمامة وخلافة علي دون سواه ،
فخروجه على عثمان ، بعد أن أحدث ، له حكم ، وخروجه على
علي المنصوص على إمامته وخلافته له حكم آخر .
10 - المتعة لأجل الحصول على المال :
ونستغرب كثيرا قوله في الكتاب : أليس بالمتعة يحصلن
على مقدار من المال لمصارف أنفسهن وأطفالهن اليتامى "
ص 124 . فإن هذا الكلام قد يوهم أن تشريع المتعة إنما
هو لتكون سببا في الحصول على المال والمتاجرة بالأعراض
، وهذا أمر غير معقول ولا مقبول . فإن المهر في المتعة
كالمهر في الزواج الدائم . وللمتعة أهدافها النبيلة
ومبرراتها الموضوعية ، كما للزواج الدائم . حيث إنه
يتضمن حلا شرعيا وصحيا لمعضلات يواجهها هذا الإنسان .
فراجع كتابنا : " الزواج المؤقت في الإسلام " .
11 -
أقيلوني فلست بخيركم : ثم إننا نجده يقول : " إنه ( ع
) كان مستغنيا عن غيره ، وغيره كان محتاجا إليه . ألم
يقل أبو بكر : أقيلوني فلست بخير فيكم ، وعلي فيكم " ص
119 .
والذي يلفت نظرنا هنا :
أولا : إن النص المتداول
والمعروف هو قوله : أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ،
وهي تفيد معنى يختلف عن قوله : لست بخير فيكم .
ثانيا
: إن قول أبي بكر : أقيلوني الخ . . لا ربط له
بالاستغناء والحاجة إلى علي ( ع ) . فإن أعلم العلماء
قد لا يكون هو خير الناس ، لأن الخيرية ، أمر ،
الاستغناء والحاجة أمر آخر . . . .
|