|
مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 - العلامة
السيد جعفر مرتضى العاملي - ص
116 |
|
لا تعارض في أحاديث مصحف فاطمة (
ع )
ثم إن هذا البعض قد أدعى : إن الأحاديث حول مصحف
فاطمة عليها السلام متعارضة . . ؟ لأن بعضها يذكر أنه
من إملاء رسول الله وكتابة علي عليه السلام ( 3 ) ،
والبعض الآخر يذكر أنه كان ملك يأتيها بعد وفاة أبيها
يحدثها ، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك ، فكان مصحف
فاطمة ( 4 ) .
| |
( 3 ) راجع : بصائر الدرجات
: ص 153 و 155 و 161 والبحار
: ج 46 ص 41 و 42 و 47 و 48 و 49 و 271 .
( 4 ) الكافي : ج 1 ص 41
و 240 و 457 و 458 . بصائر
الدرجات : ص 157 و 153 ، 159 والخرائج والجرائح : ج 2 ص 526 . وبحار الأنوار : ج 26
ص 41 و 240 و ج 43 ص 79 و 80 و ج 22 ص 545 و 546 .
وراجع : ج 47 => |
|
|
ونقول في الجواب : إن معنى التعارض في
الروايات هو أن تكون الروايات متكاذبة في ظاهرها ،
تثبت هذه شيئا وتلك تنفيه ، أو العكس ، فإذا لم يمكن
الجمع بينها ، فلا بد من الطرح لهما ، أو لإحداهما ،
إذا وجد مرجح للآخر . .
والأحاديث التي تحدثت عن مصحف
فاطمة ليست كذلك ، حيث يمكن الجمع بينها ، إذ قد يكون
هذا الكتاب " المصحف " - سمي بذلك لأنه صحف مجتمع
بعضها إلى بعض - قد كان قسم منه بإملاء رسول الله ( ص
) وكتابة علي ( ع ) ، والقسم الآخر من إملاء الملك
لفاطمة وكتابة علي ( ع ) .
وقد كتب بعد وفاة رسول الله
( ص ) ، حيث كان ذلك الملك يأتيها فيسليها . وفي هذا
المصحف وصية فاطمة ( ع ) أيضا ، فراجع ( 1 ) .
وخلاصة
الأمر : إنه قد يتعلق الغرض ببيان أن الرسول كان قد
تصدى . لإملاء قسم مما في الكتاب ، ليثبت بذلك أنه
مقبول وممضى منه ( ص ) ، إيذانا بصحة ما في المصحف ،
وبعظيم أهميته ومزيد شرفه .
أما الحديث الذي يتضمن :
أن جبرائيل ( ع ) هو الذي كان يسلي فاطمة ( ع ) ، فلا
يعارض الحديث الذي يقول : إن ملكا كان
| |
=>
ص 65 . وفي هامش الخرائج والجرائح عن مصادره كثيرة جدا ،
فليراجعها من أراد . وعوالم العلوم
: " القسم الخاص
بالزهراء ( ع ) " ج 11 ص 583 و 447 عن المحتضر : ص 132
وضياء العالمين " مخطوط " : ج 2 ق 3 ص 38 و 39 .
( 1 )
بصائر الدرجات : ص 157 و 158 والبحار : ج 26 ص 43
والكافي : ج 1 ص 241 . ( * ) |
|
|
يسليها ويحدثها . إذ قد يكون هذا الملك هو
نفس جبرائيل ( 1 ) ، على أن المجلسي قد وصف هذا الحديث
بالصحيح ( 2 ) فراجع .
تصوير التعارض بنحو آخر : وذكر
البعض نحوا آخر للتعارض بين روايات مصحف فاطمة ، فقال
: " إن هناك روايتين تقولان : إنه بخط علي ( ع ) عما
يحدثه الملك للزهراء ( ع ) ، ولكن الروايات الأخرى لا
تدل على ذلك ، وهي المشتملة على الحلال والحرام ،
ووصية فاطمة ، فلا بد من الترجيح بينها " . انتهى .
ونقول : قد ذكرنا فيما سبق بعض ما يتعلق بكلامه هذا ،
ونزيد هنا : أن قوله الأخير : " فلا بد من الترجيح
بينها " معناه أنها أخبار متعارضة ، ولا يمكن الأخذ
بها كلها ، فلا بد من طرح البعض منها ، والأخذ بالبعض
الآخر وفقا للمرجحات .
| |
( 1 ) البحار : ج 43 ص
79 و ج 26 ص 41 ، بصائر الدرجات
: ص 153 والكافي : ج 1 ص
241 . والخرائج والجرائح : ج 2 ص 526 . وفي
هامشه عن مصادر كثيرة جدا وضياء العالمين " مخطوط " :
ج 2 ق 3 ص 38 .
( 2 ) راجع : روضة المتقين ج 5 ص 342 .
ومرآة العقول : ج 3 ص 59 . وجلاء العيون : ج 1 ص 183 .
( * ) |
|
|
وهذا كلام غير مقبول :
أولا : لأن وجود
روايتين تصرحان بأنه بخط علي ( ع ) لا يعني أن الرواية
الأخرى الساكتة عن ذلك تنفي هذا الأمر ، بل هي لم
تتعرض له ، لأنها بصدد بيان جهات أخرى ، لم يكن معها
داع أو ملزم لذكر الكاتب أو المملي .
وإذا كان هناك
روايتان تصرحان بأن عليا عليه السلام هو كاتب المصحف ،
فهل هناك ولو رواية واحدة تصرح بأن فاطمة عليها السلام
هي التي كتبته وألفته ؟ ! فلماذا الجزم بكون مصحف
فاطمة إنما كتب بخط يدها ، مع كونه مخالفا لما دل على
كونه كتب بخط علي عليه السلام .
ثانيا : لم نعرف كيف
تعارضت الروايات التي ذكر بعضها : أن كاتب المصحف هو
علي ( ع ) ، وذكر بعضها الآخر : أن هذا الذي كتبه علي
( ع ) في الحلال والحرام ، ثم ذكرت روايات أخرى : أن
في هذا " المصحف وصية فاطمة " ! ! فهل عدم ذكر
الطائفتين الأخيرتين لكون علي ( ع ) هو الكاتب يوجب أن
تصبح هاتان الروايتان معارضتين لروايات كتابة علي ( ع
) للمصحف ؟ ! . فأين التعارض ؟ وأين التنافي ؟ !
ثالثا
: إننا حين راجعنا الروايات وجدنا : أن رواية حماد بن
عثمان قد ذكرت أن مصحف فاطمة ليس فيه شئ من الحلال
والحرام ، ثم راجعنا رواية الحسين بن أبي العلاء ،
فوجدنا أن الضمير في قوله : وفيه ما يحتاج الناس إلينا
، لا يعود إلى مصحف فاطمة ، بل يعود إلى الجفر .
ونتيجة ذلك كون الحلال والحرام في الجفر لا في
المصحف ، وراجعنا رواية الخثعمي ، فوجدناها
تتحدث عن كتاب فاطمة ، لا عن مصحف فاطمة . وقد تقدم
إنه قد كان لها عليها السلام مكتوبات أخرى غير المصحف
.
وإن ما ذكرناه حول اختلاف الأغراض من ذكر الخصوصيات
يشبه في بعض وجوهه نقل وقائع ما جرى على الزهراء عليها
السلام ، فنجد أن بعضهم ينقل التهديد بالإحراق . .
وبعض آخر ينقل : جمع الحطب . . وثالث ينقل : الاتيان
بقبس من نار . . ورابع ينقل : إحراق الباب ، واشتعال
النيران . . وخامس ينقل : كسر الباب ، ودخول البيت . .
وسادس ينقل : عصر الزهراء ، بين الباب والحائط ،
وإسقاط الجنين . . وسابع ينقل : لطمها على خدها ، أو
ضربها على يديها ، أو جنبها ، أو متنها ، أو عضدها ،
حتى صار كالدملج . . وثامن ينقل : كسر ضلعها . . وتاسع
ينقل : أن عمر قد ضربها . . وعاشر ينقل : ضرب المغيرة
أيضا لها . . وحادي عشر ينقل : ضرب قنفذ لها بأمر من
عمر . . وثاني عشر ينقل : ضرب خالد بن الوليد لها .
ولا تكاذب بين هذه الروايات ، بل إن كل
واحد ينقل شطرا مما جرى ، إما لتعلق غرضه به ، أو لأنه
هو الذي ثبت لديه ، أو مراعاة لظرف سياسي ، أو غيره ،
ولا غرابة في ذلك .
على أن الاختلاف في جزئيات النقل
لا يضر بأصل ثبوت الحادث ، بل هو يؤكده ، إذا كان
الكثيرون لا يتحققون من الجزئيات ، فضرب فاطمة ثابت ،
واختلاف الرواة إنما هو في شخصية الضارب مع احتمال أن
يكون الجميع قد اشتركوا في هذا الأمر الفظيع والشنيع
واختلطت الأمور في زحمة المعركة وهيجانها .
وهكذا
الحال بالنسبة لمصحف فاطمة صلوات الله وسلامه عليها .
. مع فارق واحد ، هو أن السبب في التنوع في نقل ما جرى
عليها هو في الأكثر الميول السياسية ، والمذهبية أو
غيرها . .
أما بالنسبة لمصحف فاطمة ، فالسبب فيه هو
القصد إلى بيان حيثية ترتبط بمقام الزهراء ( ع ) ، أو
بأهمية المصحف المنسوب إليها ، وصحة ما فيه ، أو ما هو
قريب من هذا وذاك . .
ولكننا لم نستطع : أن نقف على
دوافع الإصرار على تضمين مصحف فاطمة للأحكام الشرعية ،
كما لم نوفق لفهم أسباب ومبررات كثير من الأمور التي
ذكرت في هذا المجال وفي مجالات أخرى كثيرة ومتنوعة .
|