-  معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 50 : -

وصية الحسين ( ع ) ( 1 )


بسم الله الرحمن الرحيم - هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبى طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ان الحسين يشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وانى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وانما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ( ص ) ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبى على بن أبى طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد على هذا أصبر حتى يقضى الله بينى وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب . ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل ( 2 ) .

   1 ) اخترنا لفظ محمد بن أبى طالب الموسوي حسب رواية المجلس في البحار 44 / 329 .
 2 ) في فتوح أعثم 5 / 34 ، مقتل الخوارزمي 1 / 188 وبعد سيرة جدي وأبى ، أضافت يد التحريف " وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم " وان الراشدين اصطلاح تأخر استعماله عن عصر الخلافة الأموية ولم يرد في نص ثبت وجوده قبل ذلك ويقصد بالراشدين الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول الله متواليا من ضمنهم الإمام علي ، فلا يصح ان يعطف الراشدين على اسم الإمام ، كل هذا يدلنا على أن الجملة أدخلت في لفظ الإمام الحسين
. ( * ) 
 
 

- ج 3  ص 51 -

مسير الإمام الحسين ( ع ) إلى مكة المكرمة


وروى الطبري والمفيد : أن الوليد أرسل إلى ابن الزبير بعد خروج الحسين فطاوله حتى خرج في جوف الليل إلى مكة وتنكب الطريق فلما أصبحوا سرح في طلبه الرجال فلم يدركوه فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ( ع ) فلما أمسوا ، أرسل إلى الحسين فقال لهم : أصبحوا ثم ترون ونرى ، فكفوا عنه فسار من ليلته إلى مكة وهو يتلو ( فخرج منها خائفا يترقب قال : رب نجنى من القوم الظالمين ) وأبى ان يتنكب الطريق الاعظم مثل ابن الزبير ( 1 ) .


وفى تاريخ الطبري وغيره ، أن عبد الله بن عمر التقى بالحسين وابن الزبير في الطريق فقال لها : اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين ( 2 ) .

ولقى الحسين - أيضا - عبد الله بن مطيع ، فقال له : جعلت فداك اين تريد ؟ قال : اما الآن فمكة وأما بعد فاني استخير الله قال : خار الله لك وجعلنا فداءك فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه .

الزم الحرم فانك سيد العرب لا تعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فداك عمى وخالي فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك ، وسار الحسين حتى دخل مكة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ : " ولما توجه تلقاء مدين ، قال : عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل " ، ودخل ابن الزبير مكة ولزم الكعبة ، يصلى عندها عامة النهار ، ويطوف

   1 ) تاريخ الطبري 6 / 190 ، وارشاد المفيد ص 184  2 ) تاريخ الطبري 6 / 191 ( * ) .  
 

- ج 3  ص 52 -

ويأتي حسينا في من يأتيه ، ويشير عليه بالرأي ، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ، قد عرف ان أهل الحجاز لا يبايعونه أبدا ما دام الحسين بالبلد وأنه أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه ( 2 ) . فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتيه المعتمرون وأهل الافاق ( 2 ) .

وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد وولى على الحرمين عمرو بن سعيد ( 3 ) وبلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن الزبير وابن عمر عن البيعة فاجتمعوا وكتبوا إليه كتابا واحدا . . . أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزل على هذه الأمة فابتزها أمرها وتآمر عليها بغير رضى منها . . . فبعدا له كما بعدت ثمود انه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير - الوالي - في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه حتى نلحقه بالشام . . .

وبعثوا بالكتاب مع رجلين فاغذا السير حتى قدما على الإمام الحسين لعشر مضين من شهر رمضان . ثم مكثوا يومين وسرحوا إليه ثلاثة رجال معهم نحوا من ثلاث وخمسين صحيفة من الرجال والاثنين والأربعة ثم لبثوا يومين آخرين وأرسلوا رسولين وكتبوا معهما . . . إلى الحسين بن على من شيعته المؤمنين والمسلمين ، أما بعد فحى هلا فان الناس ينتظرونك ولا رأى لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك . وكتب إليه رؤوس من رؤساء الكوفة كتابا ورد فيه : فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك ( 4 ) .

وفي رواية الطبري : كتب إليه أهل الكوفة " أنه معك مائة ألف " ( 5 ) .

   1 ) تاريخ الطبري 6 / 196 - 197 .
 2 ) الطبري 6 / 196 .
 3 ) الطبري 6 / 191 .
 4 ) الطبري 6 / 197 ، وراجع انساب الاشراف ص 157 - 158 .
 5 ) الطبري 6 / 221 ، ومثير الأحزان ص 16 ( * ).
 
 

- ج 3  ص 53 -

إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة

وهكذا تلاقت الرسل وتكدست الكتب لديه فكتب الإمام في جوابهم . . . إلى الملا من المؤمنين والمسلمين أما بعد . . . قد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم انه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخي وابن عمى وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إلى بحالكم وأمركم ورأيكم فان كتب إلى أنه قد أجمع رأى ملئكم وذوى الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكا ان شاء الله فلعمري ما الإمام الا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام ( 1 ) .

وأرسل إليهم مسلم بن عقيل ( 2 ) فاقبل حتى دخل الكوفة فاجتمع إليه الشيعة واستمعوا إلى كتاب الحسين وهم يبكون وبايعه ثمانية عشر ألفا ( 3 ) .

فكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين : أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام ( 4 ) .

وفي رواية بايع مسلم بن عقيل خمسة وعشرون ألفا .

   1 ) الطبري 6 / 198 ، والأخبار الطوال للدينورى 238 .
 2 ) الطبري 6 / 198 .
 3 ) الطبري 6 / 211 ، ومثير الأحزان ص 21 ، واللهوف ص 10 .
 4 ) الطبري 6 / 211 ( * ).
 
 

- ج 3  ص 54 -

وفي رواية أخرى أربعين ألفا ( 1 ) .

قال المؤلف : ولعل أهل الكوفة استمروا على البيعة لمسلم بعد إرساله الكتاب إلى الإمام الحسين حتى بلغوا خمسا وعشرين أو أربعين ألفا .

قال الطبري : اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة وتذاكروا أمر الحسين والتحق بعضهم به وسار معه حتى استشهد وكتب إليهم الحسين يستنصرهم ( 2 ) .

قال : وعزل يزيد نعمان بن بشير عن ولاية الكوفة وولى عبيد الله بن زياد عليها ( 3 ) بالإضافة إلى ولايته على البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل حتى يقتله فقدم الكوفة وتتبع الشيعة فثار عليه مسلم بن عقيل وخذله من بايعه من أهل الكوفة وبقى وحيدا يحارب جنود ابن زياد فضرب بسيف قطع شفته العليا ونصلت ثناياه وأخذوا يرمونه بالحجارة من فوق البيوت ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يقلبونها عليه فتقدم إليه محمد بن الأشعث وقال : لك الأمان لا تقتل نفسك وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر وأسند ظهره إلى جنب الدار فدنا منه ابن الأشعث فقال : لك الأمان قال : آمن أنا ؟ قال : نعم . وقال القوم أنت آمن .

فقال : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم فاجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه فقال : هذا أول الغدر أين أمانكم ؟ ثم أقبل على ابن الأشعث وقال له : انى أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير ؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فاني لا أراه الا قد خرج إليكم اليوم مقبلا أو هو خارج غدا هو وأهل بيته وان ما ترى من جزعي لذلك فيقول : ان ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشى حتى تقتل ، ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ، ان أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأي . فقال الأشعث : والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد اني قد أمنتك .

وادخل مسلم على ابن زياد على تلك الحالة وجرى بينهم محاورة فقال له ابن زياد لعمري لتقتلن . قال : كذلك ؟ قال : نعم قال : فدعني أوص إلى بعض قومي فنظر إلى جلساء

   1 ) تاريخ ابن عساكر 649 .  2 ) الطبري 6 / 198 - 200 .  3 ) الطبري 6 / 199 - 215 ( * ) .  
 

- ج 3  ص 55 -

عبيد الله وفيهم عمر بن سعد . فقال : يا عمر ان بيني وبينك قرابة ولى إليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح حاجتي وهو سر ، فأبى أن يمكنه من ذكرها فقال له عبيد الله : لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد فقال له : ان على بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنى وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها وابعث إلى حسين من يرده فانى قد كتبت إليه أعلمه ان الناس معه ولا أراه الا مقبلا .

فاخبر ابن سعد ابن زياد بما قال مسلم فقال ابن زياد . انه لا يخونك الأمين ولكن يؤتمن الخائن وأمر بمسلم ان يصعد به فوق القصر ويضرب عنقه فقال لابن الأشعث : أما والله لولا أنك أمنتني ما استسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ورسله ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا . واشرف به وضربت عنقه وأتبع جسده رأسه .

وأمر ابن زياد بهانئ بن عروة فاخرج إلى السوق فضرب عنقه وأرسل ابن زياد برأسيهما مع كتاب إلى يزيد فكتب إليه يزيد : أما بعد فانك لم تعد ان كتب كما أحب عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظني بك ورأيي فيك . . . الكتاب ( 1 ) .

   1 ) الطبري 6 / 199 - 215 ، وارشاد المفيد 199 - 200 ( * ).  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب