-  معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 45 : -

سبب استشهاد الإمام الحسين


ينبغي ان نبحث في هذا المقام عن أمرين :
 أ - عن قاتل الإمام الحسين لماذا أقدم على قتله ؟
 ب - عن الإمام الحسين لماذا اختار القتل .

وقد روى الطبري وغيره واللفظ للطبري ( 1 ) في بيان ذلك وقال : بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه في رجب سنة ستين وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ولم يكن ليزيد همة حين ولى الا بيعة النفر الذين ابوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وانه ولى عهده بعده والفراغ من أمرهم ، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة : أما بعد .

فخذ حسينا و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام . فأشار عليه مروان أن يبعث إليهم في تلك الساعة ويدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فان فعلوا قبل منهم وكف عنهم وان أبوا قدمهم فضرب أعناقهم فانهم ان علموا بموت معاوية وثب كل منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه عدا ابن عمر فانه لا يرى القتال الا أن يدفع الأمر إليه عفوا .

فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد فدعاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقالا : انصرف الآن نأتيه

   1 ) الطبري باب خلافة يزيد بن معاوية 6 / 188 . ( * )   
 

- ج 3  ص 46 -

فقال حسين لابن الزبير : أرى طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر فقال : وانا ما أظن غيره فقام الحسين وجمع إليه مواليه وأهل بيته وسار إلى باب الوليد وقال لهم : انى داخل فان دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا على وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم ، فدخل على الوليد ومروان جالس عنده فاقرأه الوليد الكتاب ودعاه إلى البيعة فاسترجع الحسين وقال : ان مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا أراك تجتزئ بها منى سرا دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانية ، قال : أجل ؟ قال : فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد ، وكان يحب العافية : انصرف على اسم الله ، فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين ، فقال : يا ابن الزرقاء ( 1 ) أنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله واثمت ( 2 ) .


وفي تاريخ أعثم ومقتل الخوارزمي ومثير الأحزان ( 3 ) واللهوف واللفظ للأخير ( 4 ) ، كتب يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامة وخاصة على الحسين ( ع ) ويقول له : إن أبى عليك فاضرب عنقه ، ثم أوردوا الخبر نظير ما ذكره الطبري إلى قولهما ، فغضب الحسين وقال : ويلى عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي ؟ كذبت ولؤمت نحن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ويزيد فاسق شارب الخمر وقاتل النفس ومثلى لا يبايع مثله . قال الطبري : فقال له الوليد - وكان يحب العافية - : انصرف على اسم الله .

وفي الرواية الأولى : فلما أصبح الحسين لقية مروان فقال أطعني ترشد ، قال : قل ،

   1 ) قال ابن الأثير في تاريخه الكامل 4 / 160 ط . اورپا وكان يقال له - أي لمروان ولولده بنو الزرقاء يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم وهى الزرقاء بنت موهب جدة مروان بن الحكم لابيه وكانت من ذوات الرايات التى تستدل على بيوت البغاء فلهذا كانوا يلمون بها وقال البلاذرى : اسمها مارية ابنة موهب وكان قبنا . أنساب الاشراف 5 / 126 .
 2 ) الطبري 6 / 190 .
 3 ) مثير الأحزان لابن نما نجم الدين محمد بن جعفر بن أبى البقاء ( ت : 645 ه‍ ) ط . المطبعة الحيدرية في النجف سنة 1369 ه‍ ص 14 - 15 .
 4 ) اللهوف في قتلى الطفوف ط . مكتبة الاندلس بيروت ص 9 - 10 تأليف على بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسينى ( ت : 614 ه‍ ) ، فتوح اعثم ج 5 / 10 مقتل الخوارزمي 1 / 180 - 185 ( * ).
 
 

- ج 3  ص 47 -

قال : بايع أمير المؤمنين يزيد فهو خير لك في الدارين فقال الحسين : " إنا لله وانا إليه راجعون " ( 1 ) وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد ( 2 ) .

أما ابن الزبير فانهم الحوا عليه وتعلل ولم يحضر دار الوليد وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال : بايع ليزيد . فقال : إذا بايع الناس بايعت فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدم إلى الوليد فبايعه ( 3 ) .

وفي رواية : أن الحسين خرج من منزله بعد ذلك وأتى قبر جده فقال : السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك والثقل الذي خلفته في أمتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله انهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك صلى الله عليك . ثم صف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا ( 4 ) إلى الفجر .

وفي رواية أخرى : فصلى ركعات فلما فرغ من صلاته جعل يقول : اللهم هذا قبر نبيك محمد ( ص ) وأنا ابن بنت نبيك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم انى أحب المعروف وأنكر المنكر وإني أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق هذا القبر ومن فيه الا اخترت من أمري ما هو لك رضى ولرسولك رضى وللمؤمنين رضى ، ثم جعل يبكى عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه فجاء وضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال " حبيبي يا حسين كأنى أراك عن قريب مرملا بدمائك ، مذبوحا بأرض كربلاء ، بين عصابة من أمتي ، وأنت في ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم في ذلك يرجون شفاعتي ، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ، وما لهم عند الله من خلاق ، حبيبي يا حسين ان أباك وأمك وأخاك قدموا علي وهم اليك مشتاقون ، وان لك في الجنة لدرجات لن تنالها الا بالشهادة الحديث ( 5 ).

   1 ) لم أجد الاسترجاع في اللهوف .
 2 ) مثير الأحزان 14 - 15 ، اللهوف ص 9 - 10 ، وفتوح أعثم ومقتل الخوارزمي .
 3 ) الطبري 6 / 190 - 191 .
 4 ) مقتل الخوارزمي 1 / 186 .
 5 ) فتوح أعثم 5 / 29 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 187 ( * ).
 
 

- ج 3  ص 48 -

وذهب إلى قبر أمه وأخيه وودعهما ( 1 ) .

وروى عمر بن علي الاطرف وقال : لما امتنع أخي الحسين ( ع ) عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلت عليه فوجدته خاليا ، فقلت له : جعلت فداك يا أبا عبد الله : حدثني أخوك أبو محمد الحسن عن أبيه ( ع ) . ثم سبقتني الدمعة ، وعلا شهيقي ، فضمني إليه ، وقال : أحدثك أني مقتول ؟ فقلت : حوشيت يا ابن رسول الله . فقال : سألتك بحق أبيك ، بقتلي خبرك أبي ؟ فقلت نعم ، فلولا تأولت وبايعت . فقال : حدثني أبي : أن رسول الله ( ص ) أخبره بقتله وقتلي وأن تربتي تكون بقرب تربته ، فتظن أنك علمت ما لم أعلمه واني لا أعطى الدنية من نفسي أبدا ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريتها من أمته ولا يدخل الجنة أحد آذاها في ذريتها ( 2 ) .

* * *

كان حكام ذلك العصر وأشياعهم قد اعتادوا على تسمية تغيير أحكام الله بالتأويل كما شرحناه في بحث الاجتهاد حتى أصبح المتبادر إلى الذهن من لفظ التأويل هو التغيير ، وأصبح ذلك شائعا وسائغا ومن ثم كان معاصروا الإمام الحسين الذين بلغهم نبأ استشهاد الحسين في العراق عن رسول الله يلحون على الإمام الحسين أن يؤول قضاء الله هذا أي يغيره بعدم ذهابه إلى العراق وبعضهم كان يضيف إلى ذلك طلبه من الإمام ان يؤوله بالبيعة اي يغيره بالبيعة ، وهذا ما عناه عمر بن علي بقوله ( فلولا تأولت وبايعت ) اي فلولا أولت قضاء الله بقتلك ببيعتك ، وكذلك كان قصد محمد بن الحنفية في حاور أخاه الإمام الحسين وان لم يصرح به .


كما روى الطبري والمفيد وغيرهما واللفظ للمفيد : ان محمد بن الحنفية قال للحسين ( ع ) لما عزم على الخروج من المدينة : يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق الا لك وأنت أحق بها . تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك وان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك انى أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضا ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها

   1 و 2 ) اللهوف ص 11 ( * ).  
 

- ج 3  ص 49 -

دما وأذلها أهلا . فقال له الحسين ( ع ) : فاين أذهب يا أخي ؟ قال : انزل مكة فان اطمأنت بك الدار بها فسبيل ذلك وان نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه فانك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا ( 1 ) .


وفي فتوح أعثم ومقتل الخوارزمي بعده : فقال له الحسين : يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية أبدا وقد قال ( ص ) : اللهم لا تبارك في يزيد ، فقطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى فبكى معه الحسين ساعة ثم قال : جزاك الله يا أخي عنى خيرا لقد نصحت وأشرت بالصواب وأنا أرجو أن يكون ان شاء الله رأيك موفقا مسددا وانى قد عزمت على الخروج إلى مكة ، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتى وبنو اخوتى وشيعتي وأمرهم أمري ورأيهم رأيي واما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لى عينا عليهم ولا تخف على شيئا من أمورهم . ثم دعا بدواة وبياض وكتب ( 2 ) هذه الوصية لأخيه محمد .

   1 ) إرشاد الشيخ المفيد ص 183 .                       2 ) فتوح أعثم 5 / 32 - 33 ( * ).  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب