معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 319 : -

اثر استشهاد الحسين ( ع )

لقد قتلوا ذرية الرسول ( ص ) ومثلوا بهم وطافوا بآل رسول الله ( ص ) سبايا في بلاد المسلمين والمسلمون بمرأى ومسمع . كل تلك الأحداث الجسام وقعت بين كربلاء والكوفة والشام في أقل من شهرين من خروج الحسين من مكة يوم التروية . وكان قد بلغ خبر خروج الإمام على خليفة المسلمين مع عودة الحاج إلى كل فج عميق .

وكان طبيعيا أن يتنسم المسلمون أخباره بعد ذلك ، وتبلغهم أنباء تلك الفجائع فجيعة بعد فجيعة ، وتنكسر لتلك الأنباء قلوب المؤمنين ويحزنوا .

وكان وقع المصيبة حقا عظيما على من بلغه نبأها من المسلمين ، فقد وقعت الصيحة في دار يزيد ، وشمل الإنكار عليه أهل مجلسه ومسجده ، وأينما بلغت أخبار فضائعه ، وانقسم المسلمون اثر هذه الفجيعة إلى قسمين : قسم انضوى تحت لواء الخلافة لا يثنيه عن ولاء الخليفة قتل ذرية الرسول ولا استباحة حرمه ولا هدم الكعبة بل ازدادوا قساوة وفضاضة . وقسم آخر انكسر مقام الخلافة في نفسه وتبرأ من فعل عصبة الخلافة وخرج عليهم ، مثل أهل المدينة في وقعة الحرة وغيرهم ممن ثاروا على عصبة الخلافة .

وتوالت الثورات والخروج على الخلافة من قبل الفريق الآخر ، وقليل من هذا الفريق عرفوا حق أئمة أهل البيت ( ع ) واتبعوهم وائتموا بهم وكان بدء ذلك على عهد قيام الإمام الحسين ، كما فعل زهير بن القين الذي كان عثمانيا وأصبح بعد الاجتماع بالإمام علويا حسينيا ، والحر بن يزيد الرياحي أحد قادة جيش الخلافة لحرب الإمام 

- ج 3  ص 320 -

الذي تاب واستشهد دون الحسين ( ع ) .

هذا القليل من هذا الفريق أدرك مجانبة الإسلام مع سيرة الخلافة القأئمة وآمن بصحة إمامة أئمة أهل البيت وتهيأت نفسه لقبول أحكام الإسلام الذي جاء به رسول الله ( ص ) والذي كان مخزونا لدى أئمة أهل البيت ( ع ) يتوارثونه كابر عن كابر ، ومن ثم أمكن نشر أحكام الإسلام وتبليغها من جديد فعني بذلك أئمة أهل البيت وبدأ العمل لذلك الإمام السجاد فمهد له في مرض وفاته كما يلي

- ج 3  ص 321 -

أئمة أهل البيت ( ع ) يتداولون مواريث النبوة


الإمام السجاد ( ع ) يدفع مواريث النبوة إلى الإمام الباقر ( ع ) في تظاهرة لما حضرت علي بن الحسين ( ع ) الوفاة أخرج صندوقا عنده ، فقال : يا محمد احمل هذا الصندوق فحمل بين أربعة فلما توفي جاء اخوته يدعون في الصندوق فقال لهم : والله مالكم فيه شئ ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إلي وكان في الصندوق سلاح رسول الله .

ونظر الإمام السجاد ( ع ) إلى ولده وهو يجود بنفسه وهم مجتمعون عنده ، ثم نظر إلى ابنه محمد فقال : يا محمد خذ هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك وقال : اما إنه لم يكن دينار ولا درهم ولكن كان مملو علما .

هذه التظاهرة في تسليم الكتب اختص بها الإمام السجاد ( ع ) ولم يفعل نظيرها من سبقه من الأئمة ولا فعل مثلها من جاء بعده منهم ، والحكمة في عمله تهيئة الأجواء للإمام الباقر ( ع ) كي ينقل للناس أحكام الإسلام وعقائده عما ورثه من رسول الله ( ص ) من كتب في مقابل من كان يفتي برأيه مثل الحكم بن عتيبة فانه اختلف مع الإمام الباقر ( ع ) في شئ فقال لابنه الصادق ( ع ) : يا بني قم فاخرج كتابا مدروجا عظيما وجعل ينظر حتى أخرج المسألة فقال : هذا خط علي وإملاء رسول الله وأقبل على الحكم وقال : يا أبا محمد ! اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرائيل .

هكذا بدأ الإمام الباقر ( ع ) من بين الأئمة ( ع ) باراءة الكتب التي ورثوها عن 

- ج 3  ص 322 -

جده الإمام علي من إملاء رسول الله للمسلمين وأقرأها بعضهم ، وتابعه في ذلك الإمام جعفر الصادق وأكثر من توصيفها والنقل عنها وبيان ما فيها وانها كيف كتبت ، وأن فيها كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة حيت ارش الخدش .

وكان الأئمة يصادمون في عملهم هذا مدرسة الخلافة في اعتمادها على الرأي والقياس في استنباط الأحكام وبيانها ، وكانوا يصرحون بأنهم لا يعتمدون الرأي وانما يحدثون عن رسول الله كما قال الإمام الصادق ( ع ) : حديثي ، حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله عزوجل .

* * *

بعدما انصرفت قلوب بعض المسلمين عن مدرسة الخلافة اثر استشهاد الحسين ( ع ) وأدركوا أن أولئك ليسوا على حق في ما يقولون ويفعلون ، ومالت قلوبهم إلى أهل بيت رسول الله ( ص ) عند ذاك .

استطاع أئمة أهل البيت أن يبصروا بعضهم أمر دينهم ويعرفوهم أن مدرسة الخلفاء تعتمد الرأي في الدين في قبال أئمة أهل البيت الذين يبلغون عن الله ورسوله وكان الفرد المسلم بعد تفهم هذه الحقيقة ، يتهيأ لقبول ما يبينه الإمام من أئمة اهل البيت ومن ثم بدأ بعض الأفراد يتلقى الحكم الإسلامي الذي جاء به رسول الله عن طريقهم .

وكذلك استبصر الفرد بعد الأخر حتى تكونت منهم جماعات إسلامية واعية ، ومن الجماعات الواعية مجتمعات إسلامية صالحة قائمة على أسس من المعرفة الإسلامية الصحيحة وعند ذاك احتاجوا إلى مرشدين فعين لهم الأئمة من يقوم بذلك وينوب عنهم في أخذ الحقوق المالية فكانوا يرجعون إلى الوكلاء النواب في ذينك تارة ، وأخرى يجتمعون بإمامهم إذا تيسر لهم السفر إليه .

والى جانب ذلك ساعدت الظروف أحيانا الأئمة منذ الإمام الباقر ( ع ) إلى تكوين حلقات دراسية يحضرها الأمثل فالأمثل من أهل عصرهم يحدثهم الإمام فيها عن آبائه عن جده الرسول ( ص ) تارة وأخرى يروي لهم عن جامعة الإمام علي ( ع ) ، وثالثة يبين لهم الحكم دونما اسناد ، وتوسعت تلك الحلقات على عهد الإمام الصادق ( ع ) حتى بلغ عدد الدارسين عليه أربعة آلاف شخص وكان تلاميذهم يدونون أحاديثهم في رسائل صغيرة تسمى بالأصول ، دأبوا على ذلك حتى بلغوا عصر 

- ج 3  ص 323 -

المهدي ، ثاني عشر أئمة أهل البيت ( ع ) . وغاب عن أنظار الناس وارجع بدءا شيعته أينما كانوا إلى نوابه الاربعة التالية أسماؤهم :
 أ - عثمان بن سعيد العمري .
 ب - محمد بن عثمان بن سعيد العمري .
 ج - أبو القاسم حسين بن روح .
 د - أبو الحسن على بن محمد السمري .

ومارس هؤلاء النيابة عن الإمام زهاء سبعين عاما يتوسطون بينه وبين شيعتهم حتى تعودت الشيعة على الرجوع إلى نواب الإمام وحدهم في ما ينويهم ، وألف في هذا العصر ثقة الإسلام الكليني أول موسوعة حديثية في مدرسة أهل البيت ( ع ) أسماها الكافي جمع فيها قسما كبيرا من رسائل خريجي هذه المدرسة التي كانت شائعة في ذلك العصر يرويها المئات عن أصحابها ، وبذلك بدأ عهد جديد في تدوين الحديث بمدرسة أهل البيت ( ع ) .

* * *

جاهد الأئمة بعد استشهاد الحسين ( ع ) لإعادة الإسلام الصحيح إلى المجتمع فأعادوه حكما بعد حكم وعقيدة بعد عقيدة حتى تم في نهاية هذا العهد تبليغ جميع ما جاء به الرسول وأبعد عنه كل محرف وزايف في حدود من تقبل منهم ، وتم تدوين جميع سنة الرسول ( ص ) في رسائل صغيرة ومدونات كبيرة . وكذلك جاهدوا في إرشاد أبناء الأمة فردا بعد فرد حتى تكون منهم مجتمعات إسلامية صالحة فيها علماء يرجعون إلى مدونات حديثية ، حوت كل ما تحتاجه أبناء الأمة من حقائق الإسلام وبذلك انتهى واجب الأئمة التبليغي في نهاية هذا العهد ، كما انتهى واجب رسول الله التبليغي في آخر سنة من حياته فقبضه الله إليه صلوات الله عليه وآله .

وكذلك اقتضت حكمة الله أن يحتجب في نهاية هذا العهد الإمام المهدي ( ع ) عن الأنظار إلى ما شاء الله فارجع شيعته إلى فقهاء مدرستهم وأنابهم عنه نيابة عامة دون تعيين أحد بالخصوص ، وبذلك بدئ عصر غيبة الإمام المهدي الكبرى ، وناب عنه فقهاء مدرستهم في حمل أعباء التبليغ إلى اليوم والى ما شاء الله كما نبينه في ما يلي

- ج 3  ص 324 -

نيابة الفقهاء عن الإمام في حمل أعباء التبليغ

مارس خريجوا مدرسة أهل البيت ( ع ) حمل أعباء التبليغ على عهد الأئمة تدريجيا وتكامل عملهم في عصر غيبة الإمام الصغرى ، وتنامي في عصر غيبته الكبرى ، حيث تحولت الحلقات الدراسية التي كانت تعقد في المساجد والبيوت على عهد الأئمة إلى معاهد تعليمية وحوزات علمية شيدت في بلاد كبيرة مثل بغداد ، على عهد المفيد والمرتضى ، والنجف الأشرف على عهد الطوسي وغيره ، ثم كربلاء والحلة وأصفهان وخراسان وقم في أزمان غيرهم . ولم يزل منذئذ ولا يزال يهاجر إلى تلك المعاهد والحوزات طلاب العلوم الإسلامية من كل صقع عملا بالآية الكريمة : " فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " التوبه / 122 .

يجتمعون في تلك المعاهد والحوزات حول أساطين العلم ويستقون من معينهم ثم يرجعون إلى بلادهم ليقوموا بحمل الدعوة الإسلامية إلى كل صقع ، دأبوا على ذلك في خدمة الإسلام جيلا بعد جيل ، وكانوا ولا يزالون مع المسلمين في كل نازلة ، يحاربون خصوم الإسلام أعداء الله وأعداء رسوله أبدا ، ويدافعون عن المسلمين في كل مكروه وكذلك لم يزل ولا يزال يحاربهم بكل سلاح في كل عصر كل كافر وملحد ومنافق عليم يريد أن يقضى على الإسلام ! وذلك لان نواب الإمام هؤلاء حملوا لواء الإسلام بعده ، وطبيعي ان يهاجم في المعارك حامل اللواء .

ونذكر على سبيل المثال من نواب الإمام في الغيبة الكبرى الشيخ الكليني ، وكان أول موسوعي في هذه المدرسة ثم توالت التآليف الموسوعية بعده غير أن الذين جاؤوا بعده كانوا يعنون بنوع واحد من الحديث فيجمعونه في مؤلفاتهم وغالبا ما كانت العناية متجهة إلى تجميع أحاديث الأحكام مثل ما فعله الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه والشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار والشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة ، إلى أن لمع نجم المجلسي الكبير وألف موسوعته الكبرى البحار على غرار موسوعة الكليني الكافي في تجميعه أنواع الأحاديث ، وبز المجلسي الموسوعيين جميعا لما جمع في موسوعته تلك بين الكتاب والسنة وفسر آيات كتاب الله وشرح بعض الأحاديث وبين علل 

- ج 3  ص 325 -

بعضها إلى غير ذلك من المميزات ، وشارك الكليني في دراساته حول أحاديث الكافي بكتابه ( مرآة العقول ) استوعب فيها شرح ألفاظ الحديث وكشف معانيها وذكر علل الحديث وقوته وصحته وفق القواعد المتبناة لدى المحدثين منذ عصر العلامة الحلي وابن طاووس .

وخالفهم أحيانا فقال : ( ضعيف على المشهور معتمد عندي ) أو ( معتبر عندي ) وكان نتيجة تقييمه لأحاديث الكافي انه وجد منها خمسة وثمانين وأربعمائة وتسعة آلاف حديث ضعيف من مجموع 16121 حديث .

* * *

انتهينا فيما سبق من البحث عن معالم المدرستين في أصولهما الفكرية ونبدأ في ما يأتي بحوله تعالى بالبحث عن معالم المدرستين في اتجاهات اتباعهما وأنواع نشاطاتهما الفكرية والسياسية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي ، ونقتصر في هذه البحوث كما اشرنا إليه في أول الكتاب على دراسة مميزات كل من مدرسة الخلافة ومدرسة أهل البيت على وجه العموم مع غض النظر عن بيان انقساماتهما الداخلية والفرق المنتسبة إليهما وتراجم مؤسسيها وقد روعي في إيراد البحوث - على قدر الإمكان - التسلسل الزمني لوقوع الحوادث المذكورة فيها
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب