معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 94 : -

يوم عاشوراء

قال : فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم الجمعة ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس ، قال : وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس بن علي أخاه .

وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت تحرق بالنار مخافة ان يأتوهم من ورائهم .

قال : وكان الحسين ( ع ) أتي بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية فحفروه في ساعة من الليل ، فجعلوه كالخندق ، ثم القوا فيه ذلك الحطب والقصب ، وقالوا : إذا غدوا علينا فقاتلونا القينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا ، وقاتلونا من وجه واحد ، ففعلوا ، وكان لهم نافعا .

قال : لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله ابن زهير بن سليم الأزدي ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمان بن أبي سبرة الحنفي وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي ، فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فانه عدل إلى الحسين وقتل معه ، وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية وهو الضباب ابن كلاب ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي ، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي وأعطى الراية ذويدا مولاه .

- ج 3  ص 95 -

استبشارهم بالشهادة :

وروى عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري ، قال : كنت مع مولاي فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين ، أمر الحسين بفسطاط فضرب ، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة .

قال : ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة ، قال : ومولاي عبد الرحمان ابن عبد ربه ، وبرير بن حضير الهمداني على باب الفسطاط ، تحتك مناكهما ، فازدحما ايهما يطلى على أثره ، فجعل برير يهازل عبد الرحمان فقال له عبد الرحمن : دعنا فو الله ما هذه بساعة باطل ، فقال له برير : والله لقد علم قومي إني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا ان يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم . قال : فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا .

قال : ثم ان الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه ( 1 ) قال : فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديد ، فلما رأيت القوم قد صرعوا افلت وتركتهم .


دعاء الحسين يوم عاشورا :

وروى الطبري ، وقال : لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه ، فقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك ، وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة ( 2 ) .

وروى عن الضحاك المشرقي قال : لما اقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا ، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا فنظر إلى

   1 ) في تذكرة خواص الأمة أنه نشره على رأسه وخاطبهم كما يأتي ان شاء الله .
 2 ) ورواه بالإضافة إلى الطبري ومن ذكرنا ابن عساكر ح - 667 ، وتهذيبه 4 / 333 وفى لفظه " منتهى كل غاية " ( * )
 
 

- ج 3  ص 96 -

أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه ، فرجع راجعا فنادى بأعلى صوته : يا حسين ! استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة ؟ ! فقال الحسين : من هذا ؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن ! فقالوا : نعم أصلحك الله هو هو ، فقال : يا ابن راعية المعزى ! أنت أولى بها صليا .

فقال له مسلم بن عوسجة : يا ابن رسول الله ! جعلت فداك . ألا ارميه بسهم ، فانه قد أمكنني وليس يسقط سهم ، فالفاسق من أعظم الجبارين . فقال له الحسين : لا ترمه فاني أكره ان أبدأهم ، وكان مع الحسين فرس له يدعى لاحقا حمل عليه ابنه على بن الحسين .


خطبة الحسين الأولى :

قال : فلما دنا منه القوم دعا براحلته ، فركبها ، ثم نادى بأعلى صوته بصوت عال دعاء يسمع جل الناس : أيها الناس ! اسمعوا قولي ، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما الحق لكم علي ، وحتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك اسعد ، ولم يكن لكم على سبيل ، وان لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إلى ولا تنظرون ، ان وليي الله الذي نزل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين ( 1 ) .

قال : فلما سمع أخواته كلامه هذا ، صحن وبكين وبكت بناته ، فارتفعت أصواتهن ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي ، وعليا ابنه ، وقال لهما أسكتاهن فعمري ليكثرن بكاؤهن فلما سكتن ، حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على محمد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه فذكر من ذلك ما الله اعلم ، وما لا يحصى ذكره ، قال : فو الله ما سمعت متكلما قط قبله ولا بعده ابلغ في منطق منه ، ثم قال : اما بعد فانسبوني فانظروا من انا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم ( ص ) : وابن وصيه ؟ وابن عمه ؟ وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم

   1 ) رواها ابن نما في مثير الأحزان في اليوم السادس من المحرم . ( * )   
 

- ج 3  ص 97 -

أبي ؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي ؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم : ان رسول الله ( ص ) قال لي ولأخي " هذان سيدا شباب أهل الجنة " فان صدقتموني بما أقول وهو الحق ، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت ان الله يمقت عليه أهله ، ويضربه من اختلقه ! وان كذبتموني فان فيكم من ان سألتموه عن ذلك اخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ! أو أبا سعيد الخدري ! أو سهل بن سعد الساعدي ! أو زيد بن أرقم ! أو أنس بن مالك ! يخبروكم انهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ( ص ) لي ولأخي أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟

فقال له شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد الله على حرف ، ان كان يدرى ما تقول ، فقال له حبيب بن مظاهر : والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وأنا اشهد انك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك ! ثم قال لهم الحسين : فإن كنتم في شك من هذا القول افتشكون أثرا ما إني ابن بنت نبيكم فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم انا ابن بنت نبيكم خاصة ، اخبروني اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ! أو مال لكم استهلكته ؟ ! أو بقصاص من جراحة ؟ قال : فأخذوا لا يكلمونه

قال : فنادى : يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا يزيد بن الحارث ! الم تكتبوا إلى أن قد أينعت الثمار ، واخضر الجناب وطمت الجمام ، وانما تقدم على جند لك مجندة ، فاقبل ! قالوا له : لم نفعل ! فقال : سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم ! ثم قال : أيها الناس ! إذ كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمني من الأرض ، قال : فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك ، فإنهم لن يروك الا ما تحب ، ولن يصل إليك منهم مكروه ، فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد ان يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ! لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر إقرار العبيد .

عباد الله ! اني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ، قال : ثم انه اناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ، واقبلوا يزحفون نحوه . خطبة زهير بن القين : وروى عن كثير بن عبد الله الشعبي ، قال : لما زحفنا قبل الحسين ، خرج الينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح فقال : يا أهل الكوفة نذار لكم من 

- ج 3  ص 98 -

عذاب الله نذار ! ان حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة ، وعلى دين واحد ، وملة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وانتم للنصيحة منا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا امة ، وانتم امة ، ان الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ( ص ) ، لينظر ما نحن وانتم عاملون ، انا ندعوكم إلى نصرهم ، وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنكم لا تدركون منهما الا بسوء عمر سلطانهما كله ! ليسملان أعينكم ! ويقطعان أيديكم وأرجلكم ! ويمثلان بكم ! ويرفعانكم على جذوع النخل ! ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدى وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه .

قال : فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا : والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ! أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلما ! فقال لهم : عباد الله ! ان ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية ! فان لم تنصروهم فأعيذكم بالله ان تقتلوهم فخلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمري ان يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين .

قال فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم ! وقال : اسكت اسكت الله نأمتك ابرمتنا بكثرة كلامك ! فقال له زهير : يا ابن البوال على عقبه ما إياك أخاطب ، انما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الاليم ! فقال له شمر : ان الله قاتلك وصاحبك عن ساعة ، قال افبالموت تخوفني ؟ فو الله الموت معه أحب إلي من الخلد معكم ، قال : ثم اقبل على الناس رافعا صوته ، فقال عباد الله : لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه فو الله لا تنال شفاعة محمد ( ص ) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم .

قال فناداه رجل فقال له ان ابا عبد الله يقول لك اقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ .


توبة الحر

وروى عن عدى بن حرملة قال : ان الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له أصلحك الله مقاتل أنت هذا الرجل ؟ ! قال : إي والله ! قتالا أيسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي ! قال : افما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم 

- ج 3  ص 99 -

رضى ؟ ! قال عمر بن سعد : اما والله لو كان الأمر إلي لفعلت ! ولكن أميرك قد أبى ذلك ، قال : فأقبل حتى وقف من الناس موقفا ، معه رجل من قومه يقال له : قرة ابن قيس ، فقال : يا قرة ! هل سقيت فرسك اليوم ؟ ! قال : لا ، قال : افما تريد ان تسقيه ؟ قال : فظننت والله انه يريد ان يتنحى ، فلا يشهد القتال ، وكره ان أراه حين يصنع ذلك ، فيخاف ان ارفعه عليه ، فقلت له : لم اسقه ، وانا منطلق فساقيه ، قال : فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه ، قال : فو الله لو انه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين .

قال : فأخذ يدنو من حسين ، قليلا قليلا ، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن اوس : ما تريد يا بن يزيد ؟ أتريد ان تحمل ؟ فسكت وأخذه مثل العرواء ، فقال له : يا بن يزيد ! والله ان أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شئ أراه الآن ! ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة رجلا ؟ ما عدوتك ! فما هذا الذي أرى منك .

قال : إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا اختار على الجنة شيئا ، ولو قطعت وحرقت ، ثم ضرب فرسه فلحق بحسين ( ع ) فقال له : جعلني الله فداك يا بن رسول الله انا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، والله الذي لا إله الا هو ما ظننت ان القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ! ولا يبلغون منك هذا المنزلة ! فقلت في نفسي : لا أبالي ان أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون إني خرجت من طاعتهم ، واما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم ، ووالله لو ظننت انهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ، واني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي ومواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك افترى ذلك لي توبة ، قال : نعم يتوب الله عليك ، ويغفر لك ، ما اسمك ؟ قال : انا الحر بن يزيد ! قال أنت الحر ، كما سمتك أمك ، أنت الحر ان شاء الله في الدنيا والآخرة ، انزل قال : انا لك فارسا ، خير مني راجلا ، أقاتلهم على فرسي ساعة والى النزول ما يصير آخر أمري ، قال الحسين : فاصنع يرحمك الله ما بدا لك .


موعظة الحر لأهل الكوفة :

فاستقدم أمام أصحابه ثم قال : أيها القوم ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعا فيكم الله من حربه وقتاله ؟ قالوا : هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه فكلمه بمثل ما كلمه به قبل ، وبمثل ما كلم به أصحابه ، قال عمر : قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت ، فقال : يا أهل الكوفة ! لامكم الهبل والعبر إذ 

- ج 3  ص 100 -

دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتم انكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ، أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه . وأحطتم به من كل جانب ، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا ، وحلأتموه ونساءه وأصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظماء ، ان لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا ، في ساعته هذه ، فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل ، فأقبل حتى وقف أمام الحسين .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب