معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 84 : -

منع الماء عن عترة الرسول ( ص )


روى الطبري عن حميد بن مسلم الأزدي قال جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد : اما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان .

قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء ان يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال : ونازله عبد الله بن ابى حصين الأزدي وعداده في بجيلة فقال : يا حسين ! ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا ، فقال حسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا ! قال حميد بن مسلم والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا اله الا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعني نفسه .


معركة على الماء :

قال : ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا وبعث معهم بعشرين قربة فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلا واستقدم امامهم باللواء نافع بن هلال الجملي ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدى : من الرجل ؟ فجئ ما جاء بك قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلاتمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئا ، قال : لا والله لا اشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من اصحابه ، فطلعوا عليه ، فقال : لا سبيل إلى سقي هؤلاء 

- ج 3  ص 85 -

انما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله : املؤا قربكم فشد الرجالة فملئوا قربهم وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه ، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم ، ثم انصرفوا إلى رحالهم فقالوا : امضوا ووقفوا دونهم فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلا ، ثم ان رجلا من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج ، طعنه نافع بن هلال فظن انها ليست بشئ ثم انها انتفضت بعد ذلك ، فمات منها وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه .


اعذار الإمام قبل القتال :

وروى عن هانئ بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين ، قال : بعث الحسين ( ع ) إلى عمر بن سعد عمرو بن قرضة بن كعب الأنصاري ان القني الليل بين عسكري وعسكرك قال : فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا وأقبل حسين في مثل ذلك فلما التقوا أمر حسين أصحابه ان يتنحوا عنه وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك ، قال : فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ، ولا كلامهما ، فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيع ، ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه ، وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه ان حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر اذن تهدم دارى قال انا ابنيها لك قال إذن تؤخذ ضياعي قال إذن أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز قال فتكره ذلك عمر ، قال فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير ان يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه .

وروى عن عقبة بن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم افارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من ان يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا ان يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس .

وروى عن أبي مخنف عن رجاله : انهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا حسين وعمر بن سعد قال : فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد : اما بعد فان الله قد أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة ، هذا حسين قد أعطاني ان يرجع إلى المكان 

- ج 3  ص 86 -

الذي منه أتى أو ان نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو ان يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح ، قال : فلما قرأ عبيدالله الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه نعم قد قبلت قال فقام إليه شمر بن ذي الجوشن ، فقال : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك ، والله لئن رحل من بلدك ، ولم يضع يده في يدك ، ليكونن أولى بالقوة والعز ، ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة ، فإنها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك ، هو وأصحابه ، فإن عاقبت فأنت ولى العقوبة وان غفرت كان ذلك لك ، والله لقد بلغني ان حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل ، فقال له ابن زياد : نعم ما رأيت ، الرأي رأيك .


ابن زياد يمنع الإمام من الرجوع

قال ثم ان عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له : اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد ، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما ، وان هم أبوا فليقاتلهم ، فإن فعل فاسمع له وأطع ، وان هو أبى فقاتلهم ، فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه ، وابعث إلى برأسه .

قال : ثم كتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد : اما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر ، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم ، واستسلموا ، فابعث بهم إلي سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم ، وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم ، وليس دهري في هذا ان يضر بعد الموت شيئا ولكن علي قول : لو قد قتلته فعلت هذا به ! ان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام .


أمان ابن زياد للعباس وإخوته :

قال : لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب ، قام هو و عبد الله بن أبي المحل ، 

- ج 3  ص 87 -

وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب ( ع ) فولدت له العباس و عبد الله وجعفرا وعثمان ، فقال عبد الله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب : أصلح الله الأمير ان بني اختنا مع الحسين ، فان رأيت ان تكتب لهم أمانا ، فعلت ، قال : نعم ، ونعمة عين ، فأمر كاتبه فكتب لهم أمانا فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له : كزمان ، فلما قدم عليهم دعاهم فقال : هذا أمان بعث به خالكم ، فقال له الفتية : أقرئ خالنا الإسلام ، وقل له : ان لا حاجة لنا في أمانكم ، أمان الله خير من أمان بن سمية .

قال : فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد ، فلما قدم به عليه ، فقرأه ، قال له عمر ، مالك ! ويلك لا قرب الله دارك ، وقبح الله ما قدمت به علي ، والله إني لأظنك أنت ثنيته ان يقبل ما كتبت به إليه ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا ان يصلح ، لا يستسلم والله حسين ، إن نفسا أبية لبين جنبيه ، فقال له شمر : اخبرني ما أنت صانع أتمضى لأمر أميرك وتقتل عدوه ؟ وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر قال : لا ! ولا كرامة لك ، وأنا أتولى ذلك ، قال : فدونك وكن أنت على الرجال .

قال وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو اختنا ؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي فقالوا له : مالك وما تريد ؟ قال : انتم يا بني أختي آمنون ، قال له الفتية : لعنك الله ولعن أمانك ، لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له

- ج 3  ص 88 -

ليلة العاشر من محرم

قال : ثم ان عمر بن سعد نهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم ، ونادى : يا خيل الله اركبي وابشري : فركب في الناس ، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر ، وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت : يا أخي ! اما تسمع الأصوات قد اقتربت قال : فرفع الحسين رأسه ، فقال : إني رأيت رسول ( ص ) في المنام فقال لي انك تروح إلينا ، قال : فلطمت أخته وجهها ، وقالت : يا ويلنا ! فقال : ليس لك الويل يا اخية اسكني ، رحمك الرحمان ، وقال العباس بن علي : يا أخي أتاك القوم ، قال : فنهض ، ثم قال : يا عباس ! اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم : مالكم وما بدالكم ؟ وتسألهم عما جاء بهم ، فأتاهم العباس ، فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس : ما بدالكم وما تريدون ؟ قالوا جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه ، أو ننازلكم .

قال : فلا تعجلوا حتى ارجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم ، قال : فوقفوا ، ثم قالوا : القه فأعلمه ذلك ، ثم القنا بما يقول ، قال : فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين يخبر بالخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلم القوم ، ان شئت ، وان شئت كلمتهم ، فقال له زهير : أنت بدأت بهذا ، فكن أنت تكلمهم ، فقال لهم حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه ( ص ) وعترته ، وأهل 

- ج 3  ص 89 -

بيته ( ع ) وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيرا ، فقال له عزرة بن قيس : انك لتزكى نفسك ما استطعت ، فقال له زهير : يا عزرة ! ان الله قد زكاها وهداها ، فاتق الله يا عزرة ! فانى لك من الناصحين ، أنشدك الله يا عزرة ان تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية ، قال : يا زهير ! ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت انما كنت عثمانيا ! قال : أفلست تستدل بموقفي هذا اني منهم ؟ اما والله ما كتبت إليه كتابا قط ، ولا أرسلت إليه رسولا قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلما رأيته ذكرت به رسول الله ( ص ) ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم ؟ فرأيت ان انصره ، وان أكون في حزبه ، وان اجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله ، وحق رسوله ( ص ) .


استمهال الحسين عنهم :

قال واتى العباس بن علي حسينا بما عرض عليه عمر بن سعد ، فقال له : ارجع إليهم فان استطعت ان تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلى لربنا وندعوه ونستغفره فهو يعلم اني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار .

قال : وأقبل العباس ابن علي يركض حتى انتهى إليهم ، فقال : يا هؤلاء ان أبا عبد الله يسألكم ان تنصرفوا هذه العشية ، حتى ينظر في هذا الأمر فإن هذا أمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق ، فإذا أصبحنا التقينا ان شاء الله ، فإما رضيناه ، فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه ، أو كرهنا فرددناه ، وانما أراد بذلك ان يردهم عنه تلك العشية ، حتى يأمر بأمره ويوصي اهله ، فلما أتاهم العباس بن علي بذلك ، قال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر ! قال : ما ترى أنت ، أنت الأمير والرأي رأيك ! قال قد أردت أن لا أكون ، ثم اقبل على الناس فقال : ماذا ترون ؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيري .

سبحان الله ! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة ، لكان ينبغي لك ان تجيبهم إليها ، وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة ، فقال : والله لو اعلم ان يفعلوا ما أخرتهم العشية .

وروى عن علي بن الحسين قال : أتانا رسول من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال : انا قد أجلناكم إلى غد ، فإن استلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب