- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 281 : -

" 3 " الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد واستنباط الاحكام من عمل الصحابة


الاجتهاد : حقيقتة ، تطوره ، ادلة صحة العمل به حقيقة الاجتهاد - كما أشرنا إليه في ما سبق - هي العمل بالرأي ، ومنشؤه عمل الصحابة والخلفاء بآرائهم واقتداء أتباعهم بهم في ذلك وفي ما يلي بيانه :


قال الدواليبي 1 : كانت ترد على الصحابة أقضية لا يرون فيها نصا من كتاب أو سنة ، واذ ذاك كانوا يلجؤن إلى الاجتهاد ، وكانوا يعبرون عنه بالرأي ايضا ، كما كان يفعل أبو بكر

( رض ) . . . وكذلك كان عمر يفعل ... ثم استشهد بما روي ان عمر كتب به إلى شريح والى ابي موسى ، وقال : ولم يكن الصحابة في اجتهادهم يعتمدون على قواعد مقررة ، أو موازين

معروفة ، وانما كان معتمدهم ما لمسوا من روح التشريع . . . ثم قال : وهذا المعرفة لم تتوفر لمن جاء بعدهم بنفس السهولة . . . ولذلك لم يلبث الاجتهاد بعدهم ان تطور تطورا محسوسا

. . . ومتأثرا إلى حد كبير بمحيط المجتهد ، وكان ذلك مدعاة إلى اشتداد النزاع العلمي في مادة الاحكام كلما اشتد البعد بين المجتهدين وبين عصر التنزيل، وهذا ما حمل رجال الاجتهاد

على وضع قواعدهم في الاجتهاد ، وسموه بعلم اصول الفقه ، واصبح الاجتهاد في دوره الثاني هذا متميزا عن دوره الاول بما وضع له من قواعد وقوانين جعلت اصوله معلومة بعد ان كان الذوق السليم لاسرار
 

 

 1 ) في كتاب المدخل إلى علم اصول الفقه تأليف محمد معروف الدواليبي استاذ علم اصول الفقه والقانون الروماني في كلية الحقوق ، دكتور في الحقوق من جامعة پاريس ، حامل شهادة الدراسات العليا في الحقوق الرومانية ، مجاز في العلوم الاسلامية من الكلية الشرعية بحلب . ط . دار العلم سنة 1385 ه‍ . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 282 -

الشريعة وحده هو الميزان والمعيار 1 .


وقال في باب مصادر الحكم المتعرف بها في القرآن : ان اول مصدر للحكم والحقوق يعترف به القرآن هو آياته . وثانيا هو السنة ، فقد قال " وما آتاكم الرسول فخذوه . . " وثالثا يعتبر القرآن من مصادر الحكم والحقوق ما اعترفت به السنة مثل الاجماع والاجتهاد 2 .


هكذا جعل للتشريع أربعة مصادر أو اربعة اصول :

 أ - الكتاب . ج - السنة . د - الاجماع . ه‍ - الاجتهاد .
 

وقال الدواليبي : يتبين مما ذكرنا ان الاصل الرابع يسمى بالاجتهاد . وبالرأي ، وبالعقل 3 .

نكتفي بهذا المقدار من البيان هنا لنعود إليه بعد عرض ادلتهم على صحة العمل بالاجتهاد .
 

اهم ادلتهم على صحة الاجتهاد :

 أ - حديث معاذ : في سنن الدارمي وغيره : ان النبي لما بعث معاذ إلى اليمن قال له " كيف تقضي " قال : اقضي بكتاب الله ! قال : " فان لم يكن في كتاب الله " قال : فبسنة رسول الله

( ص ) قال : " فان لم يكن في سنة رسول الله ( ص ) " قال : اجتهد رأيي ولا آلو ، قال : فضرب صدري وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ( ص ) " 4 .


 ب - حديث عمرو بن العاص : في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرها واللفظ للاول :

 

 1 ) المدخل ص 14 - 17 اوردنا قوله باختصار .
 2 ) المدخل 30 - 31 .

 3 ) المدخل 53 .
 4 ) مقدمة الدارمي 1 / 60 ، ومسند احمد 5 / 230 و 276 .
 

 

- ج 2  ص 283 -

ان رسول الله قال : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر " 1 .

 ج - كتاب عمر إلى ابي موسى الاشعري : ورد فيه : الفهم ، الفهم في ما يتلجلج في صدرك مما ليس في الكتاب والسنة ثم قس الامور بعضها ببعض . . 2


هذا اهم ادلتهم في اثبات صحة الاجتهاد ، وما عداها لا حاجة إلى ايرادها ومناقشتها لضعف أسنادها ووضوح عدم دلالتها على مرادهم ، أما الحديثان وكتاب عمر ، فقد ناقش ابن حزم

حديث معاذ وقال : واما خبر معاذ فانه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه ، وذلك انه لم يرو قط الا من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول ، لا يدري احد من هو ، وقال البخاري في تاريخه الاوسط : " ولا يعرف الحارث الا بهذا - الحديث - ولا يصح " .


ثم ان الحارث روى عن رجال من اهل حمص لا يدرى من هم ! ثم لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا ذكره احد منهم . ثم لم يعرفه احد قط في عصر التابعين ، حتى اخذه أبو عون

وحده عمن لا يدرى من هو ، فلما وجده اصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل مطار ، واشاعوه في الدنيا وهو باطل لا اصل له 3 .


وقال : وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو ان من الباطل الممتنع ان يقول رسول الله
( ص ) فان لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وهو يسمع قول ربه تعالى " واتبعوا ما انزل

اليكم من ربكم " وقوله تعالى " اليوم اكملت لكم دينكم " وقوله تعالى " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " مع الثابت عنه ( ع ) من تحريم القول بالرأى في الدين . . . ثم لو صح لكان

معنى قوله " اجتهد رأيي " استنفد جهدي حتى ارى الحق في القرآن والسنة ولا ازال اطلب ذلك ابدا .

 

 1 ) صحيح البخاري 4 / 178 باب اجر الحاكم ، ومسلم بكتاب الاقضية ح 150 ،
وابن ماجة باب الحاكم يجتهد فيصيب ح 2314 من كتاب الاحكام ،
ومسند احمد 2 / 187 و 4 / 198 و 204 وفي 205 منه : " إذا اصبت فلك عشر حسنات " .
 2 ) الكتاب المنسوب إلى عمر وشرحه في اعلام الموقعين 1 / 85 - 383 .
 3 ) الاحكام لابن حزم 5 / 773 - 775 ط . مطبعة العاصمة بالقاهرة . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 284 -

وايضا ، لو صح لكان لا يخلو من احد وجهين : اما ان يكون لمعاذ وحده فيلزمهم ان لا يتبعوا رأي احد الا رأي معاذ ، وهم لا يقولون بهذا . أو يكون لمعاذ وغيره ، فان كان ذلك فكل من

اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به ، فهم كلهم محقون ليس احد منهم اولى بالصواب من آخر ، فصار الحق على هذا في المتضادات ، وهذا خلاف قولهم ، وخلاف المعقول ، بل هذا المحال

الظاهر ، وليس لاحد ان ينصر قوله بحجة لان مخالفه ايضا قد اجتهد رأيه ، وليس في الحديث الذي احتجوا به اكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد، فلا يجوز لهم ان يزيدوا فيه ترجيحا

لم يذكر في الحديث وايضا فليس احد اولى من غيره ، ومن المحال البين ان يكون ما ظنه الجهال في حديث معاذ لو صح من ان يكون ( ع ) يبيح لمعاذ ان يحلل برأيه ويحرم برأيه

ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا مالا يظنه مسلم ، وليس في الشريعة شئ غير ما ذكرنا البتة 1 . انتهى .


وقال ابن حزم عن حديث عمرو بن العاص : واما حديث عمرو بن العاص فاعظم حجة عليهم ، لان فيه ان الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب ، فان ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ وما احل الله تعالى قط امضاء الخطأ فبطل تعلقهم 2 .


وقال عن كتاب عمر بعد ايراده بسندين : وهذا لا يصح ، لان السند الاول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان ، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف ، وابوه مجهول . واما السند الثاني : فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهول وهو ايضا منقطع فبطل القول به جملة 3 .

 

 

 1 ) الاحكام 5 / 775 .
 2 ) الاحكام لابن حزم 5 / 771 .
 3 ) الاحكام 5 / 1003 ، وراجع اعلام الموقعين 1 / 85 - 86 ، وقال عن السند ان جعفرا احد رواة السند لم يسنده .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب