- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 237 :

خلاصة البحث :

في مبحثنا عن موارد اجتهاد الخليفة عمر بحثنا عن قصة عمرة التمتع فوجدنا العمرة في العصر الجاهلي محرمة عند قريش في أشهر الحج ويرونها من افجر الفجور ويقولون :

إذا انسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر . ووجدنا الرسول قد خالفهم فيها واعتمر اربع عمر كلهن في أشهر الحج ، اما عمرة التمتع فقد وجدنا الكتاب قد نص عليها في قوله تعالى " فمن

تمتع بالعمرة إلى الحج . . . " وسنها الرسول في حجة الوداع فانه ( ص ) مكث تسع سنين بعد الهجرة لم يحج واجمع الخروج إلى الحج في ذي القعدة سنة عشر من مهاجره وقد اسلمت

جزيرة العرب ومن شاء الله من اهل اليمن فاذن بالحج فقدم المدينة بشر كثير يريدون ان يأتموا برسول الله ويعملوا بعمله ، وسار من المدينة ومعه ازواجه واهل بيته وعامة المهاجرين

والانصار ومن شاء الله من قبائل العرب وافناء الناس 1 وكان معه جموع لا يحصيهم الا خالقهم ورازقهم 2 ووافاهم في الطريق خلائق لا يحصون ، فكانوا من بين يديه ، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر 3 .


قال جابر . 4 ورسول الله بين اظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شئ عملنا به . ولما انتهى إلى وادي العقيق قال لعمر بن الخطاب أتاني آت من ربي - وفي

رواية اتاني جبرئيل ( ع ) - وقال : قل " عمرة في حجة ، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " وفي عسفان ، قال له سراقة : اقض لنا قضاء قوم كانما ولدوا اليوم ، فقال
 

 

 1 ) ما اوردنا هنا من أمر حج الرسول نقلناه من امتاع المقريزي ص 510 - 511 .
 2 ) سيرة ابن سيد الناس 2 / 273 .
 3 ) زاد المعاد 2 / 213 فصل في حجه بعد هجرته قال ابن كثير في تاريخه 5 / 109 - 110 سميت حجة البلاغ لانه " ع " بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا ، وسميت حجة الاسلام لانه لم يحج من المدينة غيرها .
 4 ) رجعنا إلى تلخيص البحث . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 237 -

" ان الله تعالى قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل الا من كان معه هدى .

وفى سرف بلغ ذلك عامة اصحابه فقال : من لم يكن معه هدي فاحب ان يجعلها عمرة فليفعل.

قالت عائشة : فالآخذ بها والتارك لها من اصحابه ، وكرر التبليغ بها في بطحاء مكة وقال " من شاء ان يجعلها عمرة فليجعلها " .


قال المؤلف : يظهر مما سبق ان النبي تدرج في تبليغهم حكم عمرة التمتع فانه اخبر في العقيق عمر خاصة بنزول الوحي عليه يأمره ان يجمع هو بنفسه
( ص ) بين الحج والعمرة ، وفي

عسفان بلغ سراقة ان الله ادخل عليهم في حجهم الذي هم فيه عمرة وان من تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل الا من كان معه الهدي ، وفي سرف بلغ عامة اصحاب بالحكم

فالآخذ بها والتارك لها من اصحابه ، ويظهر ان التارك لها من اصحابه كانوا من مهاجرة قريش الذين كانوا يرونها في الجاهلية من افجر الفجور وان من اجل ذلك تدرج الرسول في

تبليغهم حكم التمتع بالعمرة . حتى إذا كان بين الصفا والمروة 1 وحان وقت الاداء نزل عليه القضاء فأمر اصحابه وهو في آخر طوافه على المروة من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه

هدي ان يجعلها عمرة وقال : لو استقبلت من امري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكني لبدت رأسي وسقت هديي ولا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله . فقام إليه سراقة وقال : اقض

لنا قضاء قوم ولدوا اليوم اعمرتنا لعامنا هذا ام للابد ؟ فقال " لا : بل للابد " مرتين وشبك اصابعه واحدة في الاخرى وقال " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " مرتين . هاهنا

قامت قيامة من كان يرى العمرة محرمة في أشهر الحج من اصحابه وتعاظم ذلك عندهم وضاقت به صدورهم فقالوا : يا رسول الله ! اي الحل ؟ قال : " الحل كله " " هذه عمرة

استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فان العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة " وقال " اقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فاهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم متعة

" قالوا : كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج ؟ ! قال " افعلوا ما آمركم به فاني لولا اني سقت الهدي لفعلت مثل الذي امرتكم به " وقال " احلوا واصيبوا النساء " ففشت في ذلك القالة وبلغه انهم يقولون

 

 1 ) رجعنا إلى تلخيص البحث . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 238 -

لما لم يكن بيننا وبين عرفة الا خمس امرنا ان نحل إلى نسائنا فنأتي إلى عرفة تقطر مذاكيرنا ، هكذا ردوا عليه القول فغضب فانطلق حتى دخل على عائشة غضبان فرأت الغضب في

وجهه فقالت : من اغضبك اغضبه الله - وفي رواية قالت - ادخله الله النار قال : " مالي لا اغضب وانا آمر امرا فلا اتبع " . ثم قام خطيبا فقال " بلغني ان اقواما يقولون كذا وكذا والله

لانا ابر واتقى لله منهم - وفي رواية قال - قد علمتم اني اتقاكم لله واصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت " قالوا : يا رسول الله ايروح احدنا إلى منى وذكره يقطر منيا ؟ قال " نعم " فاحلوا

ومسوا الطيب ووطئوا النساء وفعلوا ما يفعل الحلال فلما كان يوم التروية اهلوا بالحج .


هكذا اطاعوا الله ورسوله بكل صعوبة واعتمروا في أشهر الحج عدا ام المؤمنين عائشة التي حرمت منها لانها حاضت فأمرها النبي ان تحج فلما طهرت واتمت الحج امر اخاها عبد

الرحمن فاعمرها من التنعيم كى لا ترجع بحج مفرد ، وتوفي الرسول واستخلف أبو بكر فافرد الحج واستخلف عمر فافرد ورآى بعرفة رجلا مرجلا شعره فاستفهمه فقال قدمت متمتعا

وانما احرمت اليوم فقال عند ذاك لا تتمتعوا في هذه الايام فاني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن تحت الاراك ثم راحوا بهن حجاجا . وقال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم اجعلوا

الحج في اشهر الحج واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج ، اتم لحجكم وعمرتكم . واستشهد على صحة فتواه لما سأله ابو موسى ما هذا الذي احدثت بشأن النسك وقال : ان نأخذ بكتاب

الله فان الله قال " فاتموا الحج والعمرة لله " وان نأخذ بسنة نبينا ( ع ) فانه لم يحل حتى نحر الهدي ، ذكر عمر في هذه الاحاديث وغيرها ان تمامهما في الفصل بينهما وجعل العمرة في

غير أشهر الحج ، وقال : ان النبي لم يحل حتى نحر الهدي ولم يجرء أبو موسى ولا غيره ان يقول له : ان الرسول صرح غير مرة بانه لم يحل لانه ساق الهدى ولا يحل حتى ينحر وان

التمتع بالعمرة في كتاب الله عدا ما كان من امر الامام علي فانه قال له : " من تمتع فقد اخذ بكتاب الله وسنة نبيه " ولعل عمر اضطر بعد هذا الاعتراض ان يجابههم بالواقع ويقول في

خطبته : متعتان كانتا على عهد رسول الله وانا انهى عنهما واعاقب عليهما . . . ويقول : والله اني لانهاكم عن المتعة وانها لفي كتاب الله ولقد فعلتها مع رسول الله . 
 

- ج 2  ص 239 -

لعل الخليفة صرح بهذه الاقوال ليمنع سائر الصحابة من متابعة الامام والرواية عن رسول الله بما يضعف موقفه ونرى انه كشف عن سبب نهيه في قوله : كرهت ان يظلوا معرسين بهن

تحت الاراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم وفي قوله : ان اهل البيت - يعني اهل مكة - ليس لهم ضرع ولا زرع وانما ربيعهم في من يطرأ عليهم 1 .


إذا فالخليفة القرشي يعيد على عهده نفس الاقوال التي جابهوا الرسول بها لما امتنعوا عن عمرة التمتع في حجة الوداع .


وحق القول في هذه الواقعة ان الخليفة تأول وطلب الخير لذوى ارومته من قريش سكان مكة حين نهى عن عمرة التمتع واراد تمام الحج والعمرة حين أمر بفصل الحج عن العمرة واتيان

العمرة في غير اشهر الحج وان خالف في ذلك كتاب الله وسنة نبيه واستن بسنته المسلمون على عهده وافردوا الحج وتبعه في ذلك الخليفة القرشي عثمان فانه قال على عهده اتم للحج

والعمرة ان لا يكونا معا في اشهر الحج فلو اخرتم هذه العمرة حتى تزوروا البيت زورتين كان افضل فعارضه الامام وقال : اعمدت إلى سنة سنها رسول الله تنهى عنها وقد كانت لذي

الحاجة ولنائي الدار ثم اهل بحجة وعمرة فانكر عثمان في هذه المرة ان يكون قد نهى عنها وقال : انما كان رأيا اشرت به .


وفى اخرى قال له الامام : انك تنهى عن التمتع ، قال : بلى ! قال : الم تسمع رسول الله تمتع قال : بلى ، فلبى علي واصحابه بالعمرة .


وفي اخرى قال : لقد علمت انا تمتعنا مع رسول الله فقال اجل ولكنا كنا خائفين . وفي اخرى قال له : ما تريد إلى امر فعله رسول الله تنهى عنه فقال عثمان دعنا عنك ، قال : لا استطيع

ان ادعك مني فلما رآى علي ذلك اهل بهما . وفي اخرى لما رآى الامام عثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما اهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا فقال عثمان اتفعلها وانا انهى عنها

فقال علي : لم اكن لادع سنة رسول الله لقول أحد من الناس . وتشدد الخليفة على من لم يكن في منزلة الامام وأمر بمن لبى منهم بالعمرة في اشهر الحج ان يضرب ويلحق !
 

 

 1 ) وبالتعليل الذي ذكرناه يرتفع ما يظهر من تناقض في ما روي عنه من التعليل . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 240 -

وعلى عهد معاوية ، قال سعد لمعاوية : ان عمرة التمتع حسنة جميلة . فقال معاوية : ان عمر كان ينهى عنها . وقال قائد جلاوزة معاوية : لا يفعل ذلك الا من جهل أمر الله واستشهد بنهي عمر عنها .


ووضع معاوية رواية عن لسان النبي
( ص ) انه نهى ان يقرن بين الحج والعمرة واستنشد الصحابة فانكروا عليه فاصر عليها .

 

ويبدوا ان الارهاب كان شديدا على عهد معاوية فان الصحابي عمران بن حصين كتم انفاسه حتى إذا كان في مرض موته اسر إلى من ائتمنه بعد ان اخذ عليه العهد ان يكتم عليه ان

عاش ، واخبره بان الرسول جمع بين الحج والعمرة ثم لم ينه عنها ولم ينزل كتاب ينسخها حتى إذا توفى ( ص ) قال فيها رجل برأيه ما شاء ان يقول .


يوضح مجموع ما اوردناه عن هذا العهد انه امتاز على ما سبقه من العهود بأمرين :

اولهما بانهم اتخذوا سنة عمر دينا يدينون به وانهم اعلنوا ذلك فان جلواز معاوية الضحاك يقول " لا يفعل ذلك الا من جهل امر الله " واستشهد هو ومعاوية بنهي عمر عنها في مقابل استشهاد سعد بفعل رسول الله اياها .


ثانيهما بوضع الحديث عن لسان رسول الله في ما يؤيد سنة عمر . وبعد عهد معاوية استمر اتباع مدرسة الخلفاء على الامرين مثل ما فعله ابنا الزبير بمكة فانهما نهيا عن عمرة التمتع

واستشهدا بنهي ابي بكر وعمر عنها في مقابل ابن عباس من اتباع مدرسة الائمة الذى كان يأمر بها ولما قالوا له : حتى متى تضلل الناس وتأمر بالعمرة في اشهر الحج وقد نهى عنها

أبو بكر وعمر ؟ قال ابن عباس اراهم سيهلكون ، اقول : قال النبي ، ويقولون : نهى أبو بكر وعمر ، ويجري بين الطرفين خصومة شديدة وسباب ، ويضع عروة حديثا يكذب فيه على

رسول الله ومن صحبه ويقول : انهم افردوا الحج ابدا في حجة الوداع وغيرها ويستشهد بامه وخالته غير انهما تقولان : اعتمرنا في حجة الوداع ويضع اتباع مدرسة الخلفاء بعد هذا

العهد - ايضا - احاديث على رسول الله وعلى علي بن ابي طالب انهما افراد الحج وامرا بافراده وعلى ابي ذر انه قال : ان عمرة التمتع كانت لنا اصحاب رسول الله خاصة ، إلى

غير ذلك من الحديث الموضوع باتقان عجيب 
 

- ج 2  ص 241 -

في صنعة الوضع والافتراء فانهم مثلا يروون عن ابي ذر وهو في الربذة ، وعن الامام علي وهو ينصح ابنه محمدا ، وعن واحد من اصحاب النبي بانه اخبر عمر بنهي النبي عنها وهو

في مرض موته ولكن مع كل هذا الجهد تعلقت قلوب الناس بعمرة التمتع كما ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ذلك لابن عباس ولم يكن سببه عدم اتباعهم لسنة عمر ، بل كان سببه عدم ؟ مكنهم من اطاعته

فيها فانه لم يكن بمقدور المسلمين ان يشدوا الرحال من اقاصي البلاد الاسلامية مرتين ، مرة للعمرة في غير اشهر الحج ، واخرى للحج في اشهر الحج مثل الخراساني الذي استفتى

الحسن البصري في مكة وقال : اني رجل بعيد الشقة . . . والآخر الذي سأل مجاهدا وقال : هذا اول ما حججت فلا تشايعني نفسي ، فاي ذلك ترى اتم ، أن امكث كما أنا أو اجعلها عمرة ؟ 1


لم يكن مسكن امثال هؤلاء في الحجاز ليستطيعوا المجئ من بيتهم إلى مكة مرتين كما كان يأمر به عمر وعثمان واتباعهم .

وماذا يصنع الذي قد يتاح له المجئ إلى الحج مرة واحدة في حياته وكيف يعمل مثل هذا بسنة عمر ؟ وقديما قيل : إذا اردت الا تطاع فاطلب مالا يستطاع .


من اجل هذا اضطر المسلمون ان يتركوا من سنة عمر ما لم يتمكنوا من فعله وهو افراد الحج من العمرة واخذ بعضهم منها ما امكنه فعله وهو عدم الاحلال بين العمرة والحج وبعضهم ترك سنة عمر بالمرة مثل اتباع مدرسة احمد امام الحنابلة .


على ان المسلمين في كل تلك القرون لم يألوا جهدا في تبرير فعل الخلفاء ، من روايتهم الحديث عن النبي وآله واصحابه في تأييد رأى الخلفاء ، إلى تأييد فعلهم بما يستطاع قوله ،

مثل قولهم : ان الخلفاء ضربوا وحلقوا للترغيب لانهم رأوا الافراد أفضل ! إلى تسمية فعل الخلفاء بالاجتهاد وان المسألة اجتهادية وان الخليفة اجتهد في هذه المسألة ! إذا فقد قال الله ، وقال رسوله ، واجتهد الخليفة عمر ! ! !
 

 

 1 ) المحلى 7 / 103 . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب