- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 2  ص 126 : -

 تحريم الصدقة على الرسول وذوي قرباه


أن الاحاديث في ذلك كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه : أن النبي
( ص ) كان إذا أتي بطعام سأل عنه فان قيل هدية أكل منها وإن قيل صدقة لم يأكل منها 2 .

ومنها ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما ، وابو داود والدارمى في السنن :
 

 

 2 ) صحيح مسلم 3 / 121 باب قبول النبي الهدية ورده الصدقة ومجمع الزوائد 3 / 90 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 127 -

أن النبي مر بتمرة بالطريق فقال : " لولا أن تكون من الصدقة لاكلتها ، وأن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله : كخ كخ إرم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة . وفي رواية " أنا لا تحل لنا الصدقة " 1 .


وكان الرسول يأبى أن يستعمل بني هاشم على الصدقات ، فينتفعوا من سهم العاملين عليها كما رواه مسلم وأحمد وابو داود والنسائي والترمذي وأبو عبيد وغيرهم واللفظ للاول ، قال :

إجتمع ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، والعباس بن عبد المطلب ، فقالا : والله لو بعثنا هذين الغلامين " لعبد المطلب بن ربيعة 2 والفضل بن عباس " إلى رسول الله ( ص ) فكلماه

فأمرهما على هذه الصدقات ، فأديا على يؤدي الناس ، وأصابا مما يصيب الناس . قال : فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال علي بن أبي طالب :

لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال : والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله ( ص ) فما نفسناه عليك ، قال علي : ارسلوهما فانطلقا واضطجع علي .


وفي رواية : فألقى علي رداءه ثم اضطجع عليه وقال : أنا أبو الحسن القرم ، والله لا أريم مكاني حتى يرجع اليكما ابناكما بحور ما بعثتما به . قال عبد المطلب : فلما صلى رسول الله

( ص ) الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال : " أخرجا ما تصرران " ، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش ، قال : فتواكلنا الكلام

ثم تكلم أحدنا فقال : يا رسول الله ! أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ، ونصيب كما يصيبوا قال : فسكت
 

 

 1 ) صحيح البخاري 1 / 181 باب ما يذكر في الصدقة للنبي من كتاب الزكاة ، وصحيح مسلم 3 / 117 باب تحريم الزكاة على رسول الله وعلى آله ، وسنن ابي داود 1 / 212 باب الصدقة على بني هاشم بن كتاب الزكاة ،

وسنن الدارمي 1 / 383 باب الصدقة لا تحل للنبي ولا لاهل بيته ، وراجع ص 373 منه ، ومجمع الزوائد 3 / 89 ، ودعائم الاسلام ص 246 والبحار 96 / 76 باب حرمة الزكاة على بني هاشم .

 2 ) روى مسلم في هذا الباب من صحيحه روايتين في هذا الامر ورد في الاولى منهما خطأ اسم " نوفل بن الحارث " بدلا من " عبد المطلب بن ربيعة " والتصويب من الرواية الثانية . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 128 -

طويلا حتى أردنا أن نكلمه - وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه - ثم قال : " إن الصدقة لا تنبغي لال محمد ، انما هي أوساخ الناس ، ادعو الي محمية " وكان

على الخمس " ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب " قال : فجاءاه ، فقال لمحمية : " أنكح هذا الغلام ابنتك " . للفضل بن عباس ، وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام إبنتك " . لي ، فانكحني وقال لمحمية اصدق عنهما من الخمس كذا وكذا 1 .


هكذا أبى الرسول أن يستعمل واحدا من بنى هاشم على الصدقات . ومن ثم نعرف خطأ من توهم ، أن الرسول بعث عليا إلى اليمن مصدقا والصواب ما قاله ابن قيم الجوزية 2 في "

فصل في أمرائه " من كتاب زاد المعاد قال : " وولى علي بن أبي طالب الاخماس باليمن والقضاء بها " .

 

 1 ) صحيح مسلم 3 / 118 باب تحريم الزكاة على آل النبي ،
ومسند أحمد 4 / 166 ،
وسنن النسائي 1 / 365 باب استعمال آل النبي ،
وسنن ابى داود 2 / 52 كتاب الخراج والامارة باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى ح 2985 ، وط دار
إحياء السنة النبوية 3 / 147 - 148 ، والاموال لابي عبيد ص 329 ، ومجمع الزوائد 3 / 91 ،

وفي ترجمة عبد المطلب ابن ربيعة ونوفل بن الحارث ومحمية باسد الغابة ، وفي تفسير العياشي 2 / 93 ، ومغازي الواقدي ص 696 . وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان أسن من عمه العباس ، وشريك عثمان في التجارة واعطاه

الرسول من خيبر مائة وسق . توفي بالمدينة سنة 23 . اسد الغابة 2 / 66 . وابنه عبد المطلب توفي بدمشق سنة 61 ه‍ . اسد الغابة 3 / 331 . والفضل بن عباس ، كان اكبر ولد أبيه ، شهد غسل النبي اختلفوا في سنة وفاته ومكان وفاته في

اليرموك أو عمواس أو يوم مرج الصفر اسد الغابة 4 / 183 ، اخرج له اصحاب الصحاح الست 24 حديثا ، تقريب التهذيب 2 / 110 ، وجوامع السيرة ص 282 . ونوفل ابن الحارث آخى الرسول بينه وبين العباس وكانا شريكين في

الجاهلية توفي بالمدينة سنة خمس عشرة اسد الغابة 5 / 46 . ومحمية بن جزء بن عبد يغوث الزبيدي كان قديم الاسلام شهد غزوة المريسيع . اسد الغابة 4 / 234 . تفسير الالفاظ من النووي شارح صحيح مسلم : فانتحاه ربيعة : اي عرض

له وقصده . وما تصرران : اي تجمعانه في صدوركما من الكلام وكل شئ جمعته فقد صررته . وتواكلنا : اي وكل احدنا الكلام إلى صاحبه . وتلمع بثوبه أو بيده : يشير به . القرم : السيد وقصد منه المقدم في معرفة الامور وبحور ما بعثتما به أي بجوابه .

 2 ) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية 691 - 751 ه‍ من تآليفه " زاد المعاد في هدى خير العباد " رجعنا إلى ط . الحلبي بمصر سنة 1390 ه‍ ج 1 / 47 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 129 -

وقال قبله في " فصل في كتبه ورسله ( ص ) إلى الملوك " : وبعث أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك وقيل : بل سنة عشر من ربيع الاول داعيين إلى

الاسلام ، فأسلم عامة أهلها طوعا من غير قتال . ثم بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب إليهم ووافاهم بمكة في حجة الوداع 1 .


ولعل سبب الوهم عند بعضهم ما أصبح بعد الرسول وبعد اسقاط الخلفاء فريضة الخمس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، فانه لم يبق ما يجبى من المسلمين غير الصدقات الواجبة

فحسب أولئك عصر الرسول مثل عصورهم ومن هنا نشأ الوهم عندهم أن الرسول بعث عليا مصدقا وفاتهم ان الرسول كان يمنع مولاه من المشاركة مع المصدق في عمله فكيف بابن عمه وأبى عترته ؟


كما رواه أبو داود والنسائي والترمذي في سننهم ، قالوا : أن النبي بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم - قال الترمذي اسمه الارقم ابن أبي الارقم - فقال لابي رافع : أصحبني كي ما

تصيب منها . قال : لا حتى آتي رسول الله فأسأله . فانطلق إلى النبي فسأله فقال : مولى القوم من أنفسهم وأنا " لا تحل لنا الصدقة " 2 .


هكذا منع النبي أبا رافع أن يصاحب المصدق فيصيب من سهم العاملين على الصدقة لانه مولاه ، وكذلك فعل ائمة اهل البيت بعد الرسول فانهم امتنعوا من أخذها ، ومنعوا بني هاشم كافة عنها .


في دعائم الاسلام أن الامام جعفر بن محمد الصادق لما قيل له ، فإذا منعتم الخمس هل تحل لكم الصدقة ؟ . قال : لا ، والله ما يحل لنا ما حرم الله علينا بغصب الظالمين حقنا ، وليس
 

 

 1 ) زاد المعاد 1 / 46 ، وراجع سنن أبي داود 3 / 127 باب كيف القضاء .

 2 ) سنن ابي داود 1 / 212 باب " الصدقة على بنى هاشم " من كتاب الزكاة ، والنسائي 1 / 366 باب " مولى القوم منهم " من كتاب الزكاة ، والترمذي 3 / 159 باب " ما جاء في كراهية الصدقة للنبي وأهل بيته ومواليه " من كتاب

الزكاة ، ومجمع الزوائد 3 / 90 - 91 ، وكنز العمال 6 / 252 - 256 ، وأمالي الطوسي 2 / 17 ، والبحار 96 / 57 ، وفي الفاظ رواياتهم بعض الاختلاف . وسنن البيهقي 7 / 32 . وأبو الارقم ، اسمه عبد مناف وكان الارقم من السابقين

إلى الاسلام واستخفى الرسول في بيته بأصل الصفا بمكة حتى كملوا أربعين رجلا ، شهد بدرا وما بعدها وتوفي بالمدينة سنة خمس وخمسين ودفن بالبقيع . اسد الغابة 1 / 59 - 60 . ( * ) 

 

 

- ج 2  ص 130 -

منعهم ايانا ما أحل الله لنا بمحل لنا ما حرم الله علينا 1 .


وفي الخصال عن الصادق عن ابيه
( ع ) قال : لا تحل الصدقة لبني هاشم الا في وجهين : ان كانوا عطاشا واصابوا ماء شربوا ، وصدقة بعضهم على بعض 2 .


ومن هنا نعرف ان ما كان يقبله ائمة اهل البيت مما يدفعه إليهم حكام عصورهم من أموال بيت المال ، كان من باب بعض حقهم في الفئ والانفال ، وجزي رؤس اهل الذمة ، وخمس

غنائم الفتوح ، وليس من باب الصدقات الواجبة كما توهمه البعض . اما المياه المسبلة للشرب ، فجلها من باب الاوقاف التي أوقفها اصحابها لانتفاع عامة المسلمين . وشأنها في ذلك ، شأن

المنازل المشيدة في طرق المسلمين ومساجدهم ، فهي وان كان اصحابها قد تقربوا إلى الله بانفاقها في سبيله وبهذه المناسبة قد تسمى بالصدقات ، غير انها ليست من باب الصدقات

على الافراد موضوع البحث كي لا يصح لغير الفقير من غير بني هاشم ، الانتفاع بها بل هي لانتفاع المسلمين كافة سواء فيها الفقير والغني والامير والسوقة والهاشمي وغيره ، فهي لهذا خارجة عن موضوع البحث .


إلى هنا ذكرنا ما وجدنا في مصادر الدراسات الاسلامية من أمر الخمس ، واصحاب سهامه في عصر الرسول ، وحرمة الصدقة على بني هاشم ومواليهم وامتناعهم عنها في عصره ومن

بعده ، اما ما فعل الخلفاء في فريضة الخمس وكيفية اجتهادهم فيه وفي حق ابنة الرسول خاصة فيلزمنا ايضا لفهمها درس ما خلفه الرسول من ضياع وعقار ، ثم درس ما جرى عليها

من قبل الخلفاء ، وشكوى فاطمة منهم في أمرها وفي أمر الخمس ، فالى دارسة كل ذلك في ما يلي : 

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

 1 ) دعائم الاسلام ص 246 ، والبحار 96 / 76 .
 2 ) الخصال 1 / 32 ، والبحار 96 / 74 . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب