الخلاف بين أبناء الأمة الإسلامية

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 19 : -

 - 2 - بعض ما شاهدت من آثار الخلاف بين ابناء الامة الاسلامية
 

اعتمدت في ما اشرت إليه آنفا من تكفير المسلمين بعضهم البعض الاخر وما سأذكره منها في ما يأتي مع انواع من استدلالهم بالاضافة إلى ما ورد في الكتب المطبوعة إلى مشاهداتي في اسفارى إلى البلاد الاسلامية واجتماعي بعلماء فرق المسلمين ومفكريهم وابناء شعوبهم وخاصة في سفراتي الشعر لحج بيت الله الحرام .


في السفرة الاولى وكان مما رأيت في سفري الاول للحج على عهد الملك عبد العزيز آل سعود : ان ركبنا - ركب الحاج العراقي - عندما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية ، مكثنا فيها اربعا وعشرين ساعة واشتركنا جميعا في اداء

الفرائض جماعة بمسجدهم ولما دنت ساعة الرحيل اجتمع علينا لفيف من اهالي المدينة يشاهدون رحيلنا فحضر حشدهم من بدا عليه انه كان من ذوى معرفتهم ، وخطب فيهم واشار إلى افراد الحاج وقال " هؤلاء مشركون "

وقال ايضا " هؤلاء يبكون على الحسن والحسين " ثم اشار الي وقال : " هذا مطوعهم لو يطيح بيدى اذبحوا والطع دمو " فانبرى له احد الحجاج وقال " لماذا نحن مشركون نحن حججنا بيت الله ، زرنا قبر النبي . . . " فإذا به يرعد ويزبد ويقول

له : " اشركت ، لو يجي أبو أبو سعود ما يحامي عنك . ويش محمد : محمد رجالا مثلي " أي لا يستطيع الملك بسلطته ولا يستطيع جده سعود ان ينجيك مني . واي شئ كان محمدا محمد كان رجلا مثلي وقد مات وانتهى اثره .

فارتعد الحاج العراقي وقال : ماذا أقول ؟ ماذا أقول ؟ فقال له : قل ما هو ضار الا الله ، ما هو نافع الا الله ، فردد الحاج ما لقنه اياه ، فانبرى له حاج عراقي آخر وقال له :
 

ح1 - ص 20 -

" محمد رجالا مثلك ؟ " فاكد قوله ثانية وقال : " محمد رجالا مثلي ، مات " فقال له الحاج " محمد نزل عليه القرآن وينزل عليك القرآن ؟ " فلم يحر جوابا ، وبادرنا ركوب السيارات وتحركت بنا .

وكان في ركبنا حاج يحمل جواز سفر سعودي ويسكن العراق ، فلما بلغنا الحدود وشاهده موظف الجوازات السعودي ، انتهره وقال له مستهزئا ومستنكرا : تترك بلاد الاسلام وتسكن بلاد الشرك فأخذ الحاج السعودي يتذلل له ويتخشع ويدعو له ويطلب جوازه حتى ارجع إليه جوازه ! ! !


في السفرة الثانية : كان علماء العراق يومذاك يحملون هم إعادة الاحكام الاسلامية إلى المجتمع ، يوقظون أبناء الامة الاسلامية في سبيل المطالبة بها ، في مساجدهم واحتفالاتهم ومهرجاناتهم ويعارضون السلطة في تشريعاتها قوانين مخالفة

للاحكام الاسلامية ، وكنا نتنسم أخبار تحركات المسلمين في هذا السبيل في أي مكان كان ، نؤيد ثورة الجزائر ضد فرنسا وندعم الثورة الفلسطينية بكل ما أوتينا من حول وقوة ونستطلع أخبار الثورة الاريتيرية ضد الاحباش ونرى من لوازم نجاح

المعركة في سبيل إعاة الاحكام الاسلامية توعية المسلمين في هذا السبيل ثم تكاتفهم وتعاونهم في هذا الصدد ونسيان مسائل الخلاف في ما بينهم .


ولما نشبت المعركة الاسلامية في إيران بين سلطة الطاغوت وعلماء المسلمين يومذاك بدءا بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم في اليوم الخامس والعشرين من شوال سنة 1382 ه‍ ، استبشرنا بها خيرا وحشدنا كل طاقاتنا لمساعدتها وجندنا أنفسنا لخدمتها ، فقام علماء العراق بكل ما أوتوا من حول وقوة بتأييدها ، جزاهم الله جميعا خيرا .


وكنت ممن أقام الحفلات التأبينية وأقمت ثلاث ليال حفلة تأبينية كبرى في بغداد ، ألقيت فيها خطب توجيهية توضح أبعاد المعركة الاسلامية في إيران وآثارها ومغزاها . في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحج وانا احمل معي شعارا واطروحة ،

شعارى الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل اعادة حياة اسلامية في البلاد الاسلامية واطروحتي النهضة الاسلامية المتمثلة بالنهضة الاسلامية التي بدت طلائعها في ايران من
 

ح1 - ص 21 -

قبل علماء المسلمين ، وكنت أبذل الجهد في شرح دوافعها لقادة المسلمين ومفكريهم واستنهاضهم لمساعدتها وبيان ان معركة المسلمين في سبيل اعادة الاحكام الاسلامية واحدة وانه إذا نجحت المعركة في أي بلد اسلامي فانه ستنتشر آثارها إلى

غيرها ويعم المسلمين خبرها ، وكلي أمل ورجاء أني سوف اجد اذنا صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين في ايران مع بيان وحدة القضية ووحدة المصير .


اجتمعت في هذه السفرة بقادة الاخوان المسلمين في سوريا وسعيد رمضان بمكة ومحمد آدم ، رئيس الثورة الاريترية في موقف عرفات ومثقفي الفلسطينيين في الاردن وبيت المقدس ومحرري الصحف الاسلامية وعلماء المسلمين وخطبائهم وقادة الحركات الاسلامية امثال ابي الحسن الندوى وأبي الاعلى المودودي رئيس الجماعة الاسلامية بباكستان يومذاك إلى غيرهم .


بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة المناشير التي كانوا يعدونها للتوزيع على الحجيج ، فأجريت تعديلات على صيغ المناشير ، شرحنا فيها أبعاد النهضة الاسلامية في إيران وتبين ظلم حكومة الطاغوت وعمالتها لدول الكفر ، نستنهض فيها

المسلمين لاعانة أبناء الامة الاسلامية في إيران ، ورجحت توزيعها ليلة العيد على الحجاج في المشعر الحرام ، غير أني بوغت مساء السابع من ذي الحجة في مكة المكرمة بأن الشيخ المسؤول عن توزيعها وزع بعضها في الحرم المكي الشريف فألقي القبض عليه وزج في السجن وحجزت النشرات كافة .


فاجتمعنا نحن علماء العراق وإيران يوم العيد بولي العهد فيصل ، يومذاك ، نطلب منه اطلاق سراح الموقوف والنشرات المحجوزة ، فاغتنمت الفرصة وقلت إن حكومتكم رفعت شعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد ، وعليه يقتضي أن تعينوا

المسلمين الذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم ويصدمون بحكومات بلادهم الذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر ، وأن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشردين منهم وتساعدوهم في شرح ظلامتهم لاخوانهم الحجيج ، وذلك هو مصداق قوله تعالى : " ليشهدوا منافع لهم " .


ثم ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الاسلامية الكبرى بقم وأسهبت في شرح أبعاد النهضة الاسلامية الطالعة بإيران ، وواجب قادة المسلمين خاصة الحكومة السعودية تجاهه ، وختمت حديثي بشرح قضية العالم الذي وزع نشرات التظلم على المسلمين وتوقيفه ، وجرت حول ذلك بيننا مناقشات ، أدت إلى إطلاق سراح الموقوف .
 

ح1 - ص 22 -

ونشرت الصحف بعد اداء المناسك ورجوعنا إلى مكة دعوة للحضور في المسجد الهندي بمكة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الاستاذ المودودي فحضرنا الاحتفال بعد صلاة العشاء والقى الاستاذ المحاضر خطبة ( 1 ) ذكر فيها ثمانية امور تلزم

المسلمين لاعادة الحياة الاسلامية إلى المجتع وتقدمت بعده خلف المذياع وخطبت معلقا على خطابه وقلت : ان المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة امور :

 اولا - ان المسلمين بعد مضي اربعة عشر قرنا من بعثة الرسول الاكرم ( ص ) والظروف التي مرت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفية استنباط الاحكام من مصادر الشريعة الاسلامية ودراية الحديث وفقه السنة وترك البقاء على تقليد العلماء السلف في كل ذلك .


 ثانيا - ان الغزاة الكفرة لبلاد الاسلام - المستعمرين - استطاعوا ان يشتتوا كلمة المسلمين وبذلك استطاعوا ان يقضوا على كل حركة اسلامية في أي مكان تظهر ، ثم شرحت ثورة الجزائر ضد الفرنسيين والاريتيريين ضد الاحباش وعلماء ايران ضد الطاغوت العميل واسهبت في شرحه واستنهضت همم المسلمين لمساعدتهم .


وذكرت ثالثا اننا اليوم بحاجة إلى ايمان كايمان ابي ذر وعمار وسمية وشرحت ما تحملوا من الاذى في ارض مكة التي نحن عليها في سبيل الاسلام .


وفي المدينة المنورة بلغ عميد الجامعة الاسلامية الشيخ عبد العزيز بن بازخبر لقاءاتي بالوفود الاسلامية وان احد علماء بغداد ، من وصفه كذا وكذا ، فظنني من اتباع مدرسة الخلفاء ورغب أن ازور الجامعة الاسلامية بالمدينة وكانت جديدة التأسيس

وارسل الينا من سيارات الجامعة ما حملتنا إليها مع بعض علماء بغداد ومثقفيها ووجهائها وكان اساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا واستقبلونا فيه واحتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاب لمشاهدتنا ولما استقربنا الجلوس بدأت بعد حمد الله والثناء عليه بتقديم تحايا علماء المسلمين في العراق لهم وتهانيهم بتأسيسهم الجامعة الاسلامية في
 

  * هامش *  
  (1) كان قد اعدها ليلقيها في ندوات رابطة العالم الاسلامي التي دعي للاشتراك في جلسات تأسيسها ، ولما لم يسمح له بذلك ألقاها في ذلك المسجد . ( * )  

 

ح1 - ص 23 -

المدينة المنورة ثم قلت : ان رسول الله ( ص ) لما حل بهذا البلد المبارك بدأ بعقد التآخي بين المسلمين المهاجرين والانصار ، وبنى على ذلك التآخي مجتمعه الاسلامي المجيد وانتم بوجود طلبة من خمس واربعين دولة عندكم تستطيعون ان تقتدوا به وتقدموا هذه الخدمة الجليلة للاسلام والمسلمين .


والمسلمون اليوم بأمس الحاجة إليها فانهم في شتى اصقاع الارض ابتلوا بالاستعمار - الغازي الكافر - منهم من يئن تحت وطأته مباشرة ومنهم من يسيطر عملاؤه عليهم وبدؤا اليوم يجاهدون الاستعمار وعملاءه فهذى الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا

ويجرى عليهم . . . وفي اريتيريا يجاهد ثوارها هيلاسيلاسي امبراطور الحبشة ويجرى عليهم . . . وعلماء المسلمين في ايران يجاهدون الطاغوت وسيده المستعمر ويكافحون لطرد اقسى استعمار كافر على وجه الارض لاعادة الاحكام الاسلامية

إلى البلد الاسلامي وجرى عليهم كذا وكذا . . . قلت هذا بعد ان أفضت الحديث عن مأسي التفرقة بين المسلمين وضربت الامثال لذلك وأتممت الحديث وجاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث - وكان قد أنبئ باني من أتباع مدرسة اهل البيت

وكان ضريرا لا يبصر - فإذا به يتنحنح ثم يقول بالحرف الواحد : " انتم مشركون أسلموا ثم اطلبوا من المسلمين أن يتحدوا معكم " . فثار الدم في عروقي واشتركت معه في نقاش طويل وذكره خارج عن الصدد ( 1 ) .


استمعت في سفراتي إلى الحج إلى خطباء الجمعة والجماعة في مكة والمدينة واشتركت في النقاش احيانا مع الخطباء بين صلاتي المغرب والعشاء بمسجد الخيف وحضرت ندوات رابطة العالم الاسلامي بمكة مستمعا واجتمعت في اسفارى بعلماء

مصر وخاصة الازهر الشريف وسائر بلاد المسلمين في لبنان وبلاد الخليج والهند وباكستان وكشمير وغيرها وطارحتهم سمعت احيانا ما لا يصلح نقله اليوم وادركت من خلال مطارحاتي مع مفكري المسلمين وعلمائهم وقادتهم - ولا ينبأك مثل خبير - انه لن يتحقق أي تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف والبحث عن
 

  * هامش *  
  (1) انما اشرت إلى احاديثي في هذه السفرة ليعلم مدى اخلاصي للشعار الذى كنت ارفعه والاطروحة التى كنت اطرحها واحيانا كان الالم يعصر قلبي حين التحدث والدمع ينحدر من عيني . وإذا بي أجابه تلك المجابهة الفظة من هذا الشيخ . ( * )  

 

ح1 - ص 34 -

منشئها ثم المبادرة إلى علاجها وإذا كان لابد لنا من معرفة منشأ الخلاف في مسائل الخلاف من اجل علاجها فسنذكر في ما يأتي امثلة منها ثم نختم البحوث بما ينبغي أن نعمله في سبيل علاج مسائل الخلاف بحوله تعالى .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب