598 ............................................................................... لله وللحقيقة الجزء الثاني

قال الكاتب: 2- يهدم المسجد الحرام والمسجد النبوي. روى المجلسي: ( إن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، والمسجد النبوي إلى أساسه ) بحار الأنوار 52/338، الغيبة للطوسي 282.

وأقول: هذا الخبر رواه المجلسي قدس سره عن كتاب الإرشاد للمفيد (3)، والمفيد رواه مرسلاً عن أبي بصير.
ورواه الكليني في الكافي بهذا السند: أحمد بن محمد، عمن حدَّثه، عن محمد بن الحسين، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير (4)
.

وهو واضح الإرسال، فإن الراوي عن محمد بن الحسين غير معروف.

ورواه الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) بهذا السند: الفضل بن شاذان، عن

 

(3) الإرشاد، ص 364.

(4) الكافي 4/543.

 

أثر العناصر الأجنبية في صنع التشيع ................................................................ 599

عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير (1).

وهو خبر ضعيف بعلي بن أبي حمزة، وهو البطائني رأس الواقفة الملعون عدو الرضا عليه السلام ، وقد مرَّ بيان حاله.
والحاصل أن أسانيد هذا الخبر كلها لا تقوم بها الحجة، فلا يصح الاحتجاج به ولا التعويل عليه ومع الإغماض عن سند الحديث فإن هدم المسجدين إلى أساسهما غير جائز لأحد من الناس، والإمام المهدي عليه السلام أعرف بما يجوز له وما لا يجوز، ونحن نعرف الحق والعَدْل من فعله عليه السلام، فإذا هدَمَ المسجدين إلى أساسهما فلا ينبغي لنا أن نشك في صحة فعله وكونه مرضيًّا عند الله سبحانه، وإلا لما كان المهدي عليه السلام محمود السيرة، وموصوفاً بأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.

ولعل الوجه في هدم المسجدين إلى أساسهما ـ على فرض صحَّة الحديث ـ هو أن بعض نواحي المسجدين بناها سلاطين الجور من قبل لغير الله رياءاً وسمعة، أو بنوها بمال حرام أو مغصوب، أو أن الإمام عليه السلام يريد بذلك أن يمحو آثار الظالمين وسلاطين الجور حتى لا يبقى لهم ذِكْر كما ورد في بعض الأحاديث، أو لغير ذلك.

هذا مع أن أهل السنة رووا في كتبهم أن النبي (ص) كان يود هدم الكعبة وإعادة بنائها، ولكن منعه من ذلك أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام.

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الزبير أنه قال: حدثتني خالتي ( يعني عائشة ) قالت: قال رسول الله (ص) : يا عائشة لولا أنّ قومك حديثو عهد بِشِرْكٍ لهدمتُ الكعبة ، فألزقتُها بالأرض ، وجعلتُ لها بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً ، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشاً اقتصرتْها حيث بَنَت الكعبة (1).

 

(1) الغيبة، ص 282.

(2) صحيح مسلم 4/98.

 

600 ............................................................................... لله وللحقيقة الجزء الثاني

وأخرج أيضاً في صحيحه عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهلُ الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرِّئَهم أو يُحَرِّبَهم على أهل الشام ، فلما صَدَرَ الناس قال : يا أيها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة ، أنقضها ثم أَبني بناءها، أو أُصلح ما وهى منها ؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرِقَ لي رأي فيها، أرى أن تُصلح ما وهى منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه، وأحجاراً أسلم الناس عليها، وبُعِث عليها النبي (ص) . فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه (1)،

فكيف بيت ربكم ؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة ، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا ، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي (ص) قال: لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحِجْر خمس أذرع، ولجعلتُ لها باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه. قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحِجْر، حتى أبدى أُسًّا (2) نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً ، فلما زاد فيه استقصره ، فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين، أحدهما يُدْخَل منه، والآخر يُخْرَج منه، فلما قُتِلَ ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقرَّه، وأما ما زاد فيه من الحِجْر فرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه (3).

 

(1) أي يجعله جديداً.

(2) أي أظهر بعض أسس البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام . (3) صحيح مسلم 4/98.  
 

أثر العناصر الأجنبية في صنع التشيع ................................................................. 601

قلت: هكذا فعل هؤلاء السلاطين من البناء والهدم على حسب ما يحلو لهم، وما فعله غيرهم في المسجدين معروف، والكاتب لا ينكر شيئاً من أفعالهم، وإنما يود أن يتحامل على الشيعة، فيُنكر عليهم وجود بعض الروايات الضعاف التي تذكر نقض الإمام المهدي عليه السلام للمسجدين المعظمين، مع أن نقضهما أمر راجع للإمام المهدي عليه السلام بعد خروجه دون غيره.

قال الكاتب: وبين المجلسي: ( أن أول ما يبدأ به - القائم - يُخْرِجُ هذين - يعني أبا بكر وعمر - رَطْبَيْنِ غَضَّيْنِ، ويذريهما في الريح، ويكسر المسجَد ) البحار 52/386.

وأقول: هذا الحديث رواه المجلسي عن كتاب الفضل بن شاذان بسنده إلى بشير النبال، وبشير هذا لم يثبت توثيقه في كتب الرجال، فالرواية ضعيفة السند، لا يصح الاحتجاج بها.

ومع الإغماض عن سند الرواية فإنا قد أوضحنا آنفاً أن الحق والعدل هو ما يفعله الإمام المهدي عليه السلام، وإلا لما كان ممدوحاً في سيرته وعادلاً في حكمه.

على أن الرواية لم تنص على أن المشار إليهما أبو بكر وعمر، فلعل المراد غيرهما، واسم الإشارة كما يصح أن يشار به إليهما كذلك يصح أن يشار به إلى غيرهما، ولعل المعني بعض خلفاء الأمويين أو العباسيين المعاصرين للإمام عليه السلام وقت صدور الرواية.

ولو سلَّمنا بصحة الحديث وأن المقصود بالإشارة هو أبو بكر وعمر فلا بد من إعادة النظر في تقييمهما من جديد، والحكم فيهما بما يحكم به الإمام المهدي عليه السلام.

هذا مع أن دفنهما في بيت النبي (ص) ليس حقاً لهما دون سائر المسلمين، ولا

602 ............................................................................... لله وللحقيقة الجزء الثاني

حق لعائشة وغيرها في الإذن فيه، ونحن بعد البحث والتتبّع لم نجد له وجهاً مصحِّحاً، لأن الموضع الذي دُفِنا فيه ليس ملكاً لهما بالاتفاق، فلا بد أن يكون ملكاً لغيرهما، فإن كان ملكاً لفاطمة عليها السلام فهي لم تأذن لهما فيه، وإن كان ملكاً لابنتيهما عائشة وحفصة ، فسبب الملك إما الميراث أو غيره، وغير الميراث لم يثبت، وأما الميراث فإن كان النبي (ص) لا يُورَث كما زعموا فلا حق لعائشة وحفصة في شيء مما تركه النبي (ص)، بل يكون كله صدقة، وإن كان النبي (ص) يُوْرَث كما هو الصحيح فلمَ منعا فاطمة عليها السلام إرثها، واستحوذا على مكان لهما يُدفنان فيه دون باقي المسلمين؟ على أن نصيب ابنتيهما من الميراث لا يسع كل هذا المقدار كما لا يخفى، لأن كل واحدة منهما لها تسع الثمن، وهو لا يساوي شيئاً.

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب