486 ............................................................................... لله وللحقيقة الجزء الثاني

قال الكاتب: روى الكليني: ( إن الناس كلهم أولاد زنا أو قال بغايا ما خلا شيعتنا ) الروضة 8/135.

وأقول: هذا الحديث ضعيف السَّند، فإن من جملة رواته علي بن العباس، وهو الخراذيني أو الجراذيني، وهو ضعيف.

قال النجاشي في رجاله : علي بن العباس الخراذيني الرازي ، رُمي بالغلو وغُمز عليه ، ضعيف جداً (1).

وقال ابن الغضائري: علي بن العباس الجراذيني، أبو الحسن الرازي، مشهور، له تصنيف في الممدوحين والمذمومين يدل على خبثه وتهالك في مذهبه، لا يُلتفت إليه ولا يُعبَأ بما رواه (2).

ومنهم: الحسن بن عبد الرحمن، وهو مهمل في كتب الرجال.

وعليه فلا يصح الاحتجاج بهذه الرواية الضعيفة؟!

هذا مع أن علماء الإمامية قد ذهبوا إلى صحة أنكحة الكفار والمخالفين، فكيف يكونون أبناء زنا؟!

قال السيّد المرتضى قدَّس الله نفسه الزكية:

 

(1) رجال النجاشي 2/78.

(2) رجال ابن الغضائري، ص 79.

 

نظرة الشيعة إلى أهل السنة ............................................................................ 487

فأما الناصب ومخالف الشيعة فأنكحتهم صحيحة... وكيف يجوز أن نذهب إلى فساد عقود أنكحة المخالفين ونحن وكل مَن كان قبلنا من أئمتنا عليهم السلام وشيوخنا نسبوهم إلى آبائهم ، ويدعونهم إذا دعوهم بذلك ؟ ونحن لا ننسب ولد زنية إلى مَنْ خُلق مِن مائه ولا ندعوه به ، وهل عقود أنكحتهم إلا كعقود قيناتهم ؟ ونحن نبايعهم ونملك منهم بالابتياع، فلولا صحَّة عقودهم لما صحَّت عقودهم في بيع أو إجارة أو رهن أو غير ذلك... وهذا مما لا شبهة فيه (1).

ولا بأس أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن الكاتب قد حرَّف الحديث الذي نقله كما هي عادته، فإن العبارة الواردة في الحديث هي: ( إن الناس كلّهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا )، وليس في الحديث أن الناس أولاد زنا، فراجعه.

والفرق بين كونهم أولاد زنا وأولاد بغايا، أن أولاد الزنا هم الذين تولَّدوا من زنا ، وأما إذا كانت أمهاتهم بغايا فلا يلزم أن يكون تولُّدهم من الزنا، إذ يمكن أن يولدوا من بغايا ولكن بنكاح صحيح.

ولو سلَّمنا بصحة الحديث فلعل المراد بالبغايا الإماء، فإن الأمة يُطلق عليها بَغِي، سواءاً أكانت فاجرة أم لا.

قال ابن الأثير في النهاية: ويقال للأَمة بَغِيٌّ وإن لم يُرَدْ به الذم، وإن كان في الأصل ذمًّا
(2).

وقال ابن منظور في لسان العرب: قال أبو عبيد: البغايا الإماء، لأنهن كنَّ يَفجُرْن. يقال: قامت على رؤوسهم البغايا، يعني الإماء، الواحدة بَغِي، والجمع بغايا... ثم كثر في كلامهم حتى عَمُّوا به الفواجر، إماءاً كنَّ أو حرائر (3)

فلعل الإمام عليه السلام ـ إن صحَّ الحديث ـ يريد جماعة مخصوصة موصوفين بأن

 

(1) رسائل السيد المرتضى 1/400.

(2) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/144. (3) لسان العرب 14/77.  
 

488 ............................................................................... لله وللحقيقة الجزء الثاني

أمهاتهم إماء أو فواجر، واستثنى منهم من كانوا من شيعة أهل البيت عليهم السلام، والله أعلم.

قال الكاتب: ولهذا أباحوا دماء أهل للسنة وأموالهم، فعن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله رضي الله عنه : ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: (حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل) وسائل الشيعة 18/463، بحار الأنوار 27/231.

وأقول: إن علماء الشيعة لم يبيحوا دماء أهل السُّنة وأموالهم كما مرَّ، والحديث الذي استشهد به الكاتب يدل على إباحة دم الناصبي، وهو المتجاهر بالعداوة لأهل البيت عليهم السلام، وليس كل سُنّي ناصبياً كما مرَّ، فدليل الكاتب مغاير لدعواه، ونحن تكلّمنا في هذه المسألة فيما تقدَّم فلا حاجة لتكرار الكلام فيها.

قال الكاتب: وعلق الإمام الخميني على هذا بقوله: فإن استطعت أن تأخذ ماله فخذه وابعث إلينا بالخمس.

وأقول: بما أن هذه الرواية ـ كباقي رواياته ـ غير مسندة فلا قيمة لها حتى نرد عليها.
ونحن قلنا فيما مرَّ: إن الناصبي هو المتجاهر بالعداوة لأهل البيت عليهم السلام ، وهو حلال الدم والمال ولا حرمة له ولا كرامة، لأنه كافر جزماً، لكن ليس المراد به السُّنّي كما أوضحناه فيما تقدم.

نظرة الشيعة إلى أهل السنة ............................................................................ 489

قال الكاتب: وقال السيد نعمة الله الجزائري: ( إن علي بن يقطين وزير الرشيد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، فأمر غلمانه وهدموا أسقف المحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمئة رجل ) الأنوار النعمانية 2/308.

وأقول: هذه الرواية مرسلة لم نجدها في كتب الأخبار المعروفة وغيرها، فكيف صحَّ للكاتب أن يعوِّل عليها في إدانة الشيعة؟!
هذا مع أن الكاتب بتر الرواية كعادته، ولم ينقلها كاملة، وفيها أن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أمره بأن يكفِّر عن كل واحد قتله بتيس، وهذا دليل على أن علي بن يقطين قد ارتكب محرَّماً، وإلا لما وجبت عليه الكفارة.

ثم لماذا تناسى الكاتب كم شيعي قتله الأمويون والعباسيون وغيرهم على مرّ العصور؟

ألم يقرأ الكاتب كتاب ( مقاتل الطالبيين ) لأبي الفرج الأصفهاني الأموي، الذي أورد فيه جرائم الأمويين والعباسيين في حق العلويين فضلاً عن شيعتهم ومواليهم؟!

ونحن في غنى عن نبش التاريخ والبحث فيه عن الشيعة الذين قتلهم حُكَّام أهل السُّنة من غير جرم ولا جناية، ابتداءاً من معاوية وزياد بن أبيه والحجَّاج، ومروراً بباقي الخلفاء الأمويين والعباسيين، وانتهاءاً بما وقع في العصر الحاضر من مجازر ومذابح لا تخفى على الكاتب الذي هو من أدرى الناس بأمثال هذه الحوادث.

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب