المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 205

قال الكاتب: والصواب في المسألة أنها حُرِّمَت يوم خيبر.
قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ( حَرّم رسول الله (ص) يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية، ونكاح المتعة )
انظر التهذيب 2/186، الاستبصار 3/142، وسائل الشيعة 14/441.

وأقول: هذه الرواية ضعيفة السند بعمرو بن خالد الواسطي، فإنه لم يوثَّق في كتب الرجال، واختُلف في مذهبه، فقيل: إنه من أهل السنة. والمشهور أنه من رؤساء الزيدية، وأغلب رواياته يرويها عن زيد بن علي، ومنها هذه الرواية.

ومن جملة رواة هذا الحديث الحسين بن علوان، وهو سُنِّي المذهب، وعبارة النجاشي في ترجمته موهمة تحتمل عود التوثيق فيها إليه أو إلى أخيه الحسن، ولا توثيق آخر له، ولهذا فنحن متوقفون فيه، وإن وثّقه بعض الأعلام، وضعَّفه بعض آخر.

والحاصل أن هذا الحديث اشتمل على راوٍ زيدي، وراوٍ آخر سُني المذهب، وكلاهما لم يثبت توثيقهما، وما قيل في توثيقهما ليس محلاً للاعتماد والوثوق.

ولو سلّمنا بصحة هذه الرواية فهي محمولة على التقية، وذلك لأن الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الدالة على حلّية نكاح المتعة بلغت حد التواتر، فلا يمكن العمل بهذه الرواية الضعيفة، وطرح كل تلك الروايات المتواترة.

قال الشيخ الطوسي قدس سره في تهذيب الأحكام: فإن هذه الرواية وردت مورد التقية وعلى ما يذهب إليه مخالفو الشيعة، والعلم حاصل لكل من سمع الأخبار أن من دين أئمتنا عليهم السلام إباحة المتعة، فلا يحتاج إلى الإطناب فيه (1).

 

(1) تهذيب الأحكام 7/251.

 
 

206 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

وقال في الاستبصار: فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على التقية، لأنها موافقة لمذاهب العامة، والأخبار الأولة موافقة لظاهر الكتاب وإجماع الفرقة المحقة على موجبها، فيجب أن يكون العمل بها دون هذه الرواية الشاذة (1).

قال الكاتب: وسُئِلَ أبو عبد الله رضي الله عنه: ( أكان المسلمون على عهد رسول الله (ص) يتزوجون بغير بينة؟ قال: لا ) انظر التهذيب 2/189.
وعلق الطوسي على ذلك بقوله: إنه لم يُرِدْ من ذلك النكاح الدائم بل أراد منه المتعة، ولهذا أورد هذا النص من باب المتعة.

وأقول: لم يعلق الشيخ بذلك في كتابيه ( تهذيب الأحكام )، و( الاستبصار )، فراجعهما لتتحقق مقدار أمانة مدَّعي الاجتهاد والفقاهة.

بل قال الشيخ الطوسي في كتابيه المذكورين ما يلي: فإن هذا الخبر ليس فيه المنع من المتعة إلا ببيِّنة ، وإنما هو منبئ عما كان في عهد رسول الله (ص) أنهم ما تزوَّجوا إلا ببيِّنة ، وذلك هو الأفضل ، وليس إذا كان ذلك (2) غير واقع في ذلك العصر دلَّ على أنه محظور، كما نعلم أن ههنا أشياء كثيرة من المباحات وغيرها لم تكن تستعمل في ذلك الوقت ، ولم يكن ذلك دلالة على حظره ، على أنه يمكن أن يكون الخبر ورد مورد الاحتياط دون الإيجاب، ولئلا تعتقد المرأة أن ذلك لا يحوز إذا لم تكن من أهل المعرفة(3).

قلت: ولا بأس أن أنقل للقارئ العزيز نص الحديث كما رواه الشيخ الطوسي في كتابيه تهذيب الأحكام والاستبصار، ليتضح له معناه.

 

(1) الاستبصار 3/142.
(2) أي الزواج من غير بيِّنة.

(3) تهذيب الأحكام 7/261. الاستبصار 3/148.  
 

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 207

قال الشيخ قدس سره : عن المعلى بن خنيس قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما يجزي في المتعة من الشهود؟ فقال: رجل وامرأتان يشهدهما. قلت: أرأيت إن لم يجدوا أحداً؟ قال: إنه لا يعوزهم. قلت: أرأيت إن أشفقوا أن يعلم بهم أحد، أيجزيهم رجل واحد؟ قال: نعم. قال: قلت: جعلت فداك، كان المسلمون على عهد النبي ژ يتزوجون بغير بيّنة؟ قال: لا (1).

والحديث واضح الدلالة على كفاية رجل وامرأتين في الشهادة على نكاح المتعة، بل يكفى رجل واحد فقط، كما أنه يدل على عدم اشتراط الشهود في نكاح المتعة ولا سيما إذا لم يجدوا أحداً أو خافوا أن يعلم بهم أحد.

وبما أن مورد السؤال هو نكاح المتعة فالحديث يدل على أن الصحابة كانوا لا يتمتَّعون إلا ببيِّنة، أو أنهم كانوا لا يتزوَّجون مطلقاً ـ أي متعة ودواماً ـ إلا ببيِّنة.

فأين دلالة هذا الحديث على حرمة المتعة، مع أنه صريح في حلّيتها، لأن الصحابة كانوا يتمتَّعون، غاية الأمر أن متعتهم كانت ببيّنة؟! والظاهر أن العلة في أن الصحابة كانوا لا يتزوجون متعة إلا ببيّنة هي أنها كانت مباحة لهم، فليس فيها ما يقتضي الشنعة على فاعلها حتى يَتستَّر بها، فلهذا كانوا يُشهِدون على أنكحتهم دفعاً للتهمة وعملاً بالسُّنة.

فانظر أيها القارئ العزيز إلى مدَّعي الاجتهاد والفقاهة الذي بتر الحديث وأخذ ببعضه دون بعضه الآخر، وفسَّر ما أخذه من الحديث بحسب هواه، لا بما يدل عليه كلام الإمام عليه السلام من عدم اشتراط الشهود في نكاح المتعة.

قال الكاتب: لا شك أن هذين النصين حجة قاطعة في نسخ حكم المتعة

 

(1) انظر المصدرين السابقين.

 
 

208 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

وإبطاله. وأمير المؤمنين صلوات الله عليه نقل تحريمها عن النبي (ص)، وهذا يعني أن أمير المؤمنين قد قال بحرمتها من يوم خيبر، ولا شك أن الأئمة من بعده قد عرفوا حكم المتعة بعد علمهم بتحريمها.

وأقول: قد أوضحنا أن النص الأول ضعيف السند، ومع تسليم صحَّته فهو وارد مورد التقية، فلا يصح الأخذ به وطرح الأخبار المتواترة المروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام والدالَّة على حلِّية نكاح المتعة، بل على استحبابه.

وأما الحديث الثاني فقد دلَّ على أن الناس في زمن رسول الله (ص) كانوا لا يتزوَّجون المتعة إلا ببينة لما قاله قدس سره ولما قلناه، وهو دال على حلِّيتها لا على حرمتها كما أوضحناه.

فأين الحجة القاطعة التي زعمها الكاتب على نسخ نكاح المتعة؟! وكيف علم بأن أمير المؤمنين عليه السلام نقل تحريمها عن النبي (ص)، مع أن الحديث ضعيف السند ومعارض بالأحاديث المتواترة عن أهل بيت العصمة والطهارة الدالة على حليّتها.

ولا أدري لمَ أخذ الكاتب بهذين الحديثين وتعامى عن عشرات الأحاديث الناصَّة على حلّية نكاح المتعة؟ فهل مبلغ اجتهاده وغاية مقدرته على استنباط الأحكام أن ينظر إلى حديث ضعيف، فيتمسك به، ويفتي على طبقه، ويتعامى عن عشرات الأحاديث الصحيحة المعارضة له؟!

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب