|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 318 :
|
7 - الجهل والتخلف في القضايا
الاجتماعية
ما أكثر القضايا التي تستحق النظر والاهتمام في هذا الجانب
، حيث تجد بقاء ترسبات كثيرة من العادات والتقاليد التي عفى عليها الزمان في
معظم بقاع العالم الإسلامي ، لا بل الجاهلية
منها ، حتى أن الدين أصبح يحور ويشكل ليكون موافقا " لها
ومنسجما " معها ، وإلا تراه غائبا " عن واقع الحياة الاجتماعية أو بعيدا " عن
التأثير فيها .
وتعتبر المسائل المتعلقة بالزواج
من أكثر القضايا حيوية في أي مجتمع كان ، وقد رأينا في هذه الناحية أخذ الزواج
المؤقت كمثال : فقد أجمع المسلمون في فهمهم حول الحكم التي جعلت الشارع المقدس
يبيح رخصة تعدد الزوجات ، فهم يرون فيها حلا " إلهيا " لمشاكل كثيرة
لا تخفى على أحد ، وذلك بالرغم مما قد يرافق ممارسة هذه
الرخصة من إشكالات ناجمة عادة من سوء التطبيق لا من حكمة التشريع . ولكن مما لا
يزال المسلمون مختلفين حوله هو
دوام إباحة الزواج المؤقت والمعروف بزواج المتعة
( 1 )
، والذي يراه المنطق والعقل السليم المتحرر من أغلال بعض العقد الاجتماعية
المتوارثة حلا " لمشاكل عديدة يخفق في حلها
الزواج الدائم أو تعدده ، فضلا " عن تسيب العلاقات غير المشروعة وذلك بالرغم
أيضا " مما قد ينجم من إشكالات سوء التطبيق .
وحتى أن الخليفة عمر بن الخطاب ، المحرم الحقيقي
لهذا النوع من الزواج ، يعترف أن تشريعه كان لضرورة وحاجة ، حيث يروي الطبري أن
الخليفة عمر رد على انتقاد عمر بن
سوادة له بهذه المسألة قائلا " : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلها
في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى سعة ، ثم لم أعلم أحدا " من المسلمين عمل بها
ولا عاد إليها ، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق ، وقد أصبت . . .
)
( 2 )
.
ويفند أحد المحققين المعاصرين رأي الخليفة هذا
بالقول : ( أما ما ذكره الخليفة في مقام العلاج من تبديل نكاح المتعة بالنكاح
الدائم على أن يفارق [ بالثلاث طلقات ] ، فالأمر ينحصر فيه
بين أمرين لا ثالث لهما : إما أن يقع ذلك بعلم من الزوجين وتراض بينهما ، فهو
الزواج المؤقت أو نكاح المتعة بعينه ، وإما أن يقع بتبييت نية من الزوج مع
إخفائه عن الزوجة ،
فهو غدر بالمرأة واستهانة بها بعد أن اتفقا على النكاح الدائم ، وأخفى المرء في
نفسه نية الطلاق )
( 3 )
.
| |
(
1 ) راجع هذا الموضوع في الفصل الثاني من القسم الثاني .
( 2 ) تاريخ الطبري ، ج 5 ص 32 .
( 3 ) مرتضى العسكري ، معالم المدرستين ،
ج 2 ص 325 . ( * )
|
|
|
وقد أخذ الشيخ عبد العزيز بن باز
( مفتي الديار المقدسة ) بقول عمر هذا ولكن على احتمال التفسير الثاني الذي
يعني إخفاء نية الطلاق عن الزوجة ، فأفتى ابن باز على ضوء ذلك
بجواز ( الزواج بنية الطلاق ) كبديل عن المتعة والزواج
الدائم، لمن أراد ألا يقع في الفاحشة من المسافرين الطلبة ورجال الأعمال
والسواح ! وعلى كل حال ، فإن الضرورة المجمع
عليها ، والتي من أجلها شرع زواج المتعة ، لا يمكن أن
تكون محصورة بتلك الحقبة الوجيزة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فالمشكلة الجنسية ليست خاصة بعصر دون آخر ،
ولا بأماكن أو أقوام دون غيرها ، لا بل أن هذه المشكلة
في تفاقم مستمر في كل مكان ، إن لم تكن المشكلة الاجتماعية الأولى هذه الأيام
لأسباب كثيرة لا تحتاج إلى توضيح .
وإن كان رفض فكرة التوقيت في الزواج نابعا " من أسباب نفسية
، وعادات وتقاليد راسخة لا محيص عنها ، فليكن ذلك ، ولكن هذا لا ينبغي بأي حال
من الأحوال ، أن يكون دليلا "
على حرمة هذا الزواج ، فيوجد هناك أحيانا " من المسلمين
ممن يأنفون الحكم والقانون ( الإلهي ! ) في تعدد الزوجات ، ولو أبقى التشريع
على عادات العرب وعاداتهم الذين أول من
نزل فيهم الإسلام ، لما زلنا نرى ممارسة وأد البنات
لغاية هذه الأيام ! ، وإن كتبت لهن الحياة ، فإنهن غالبا " يعشن مهانات
ومحتقرات إلى أبعد الدرجات .
وقد أقسم لي أحد الأصدقاء أن في بلدته النائية بأحد الأغوار
رجلا لم يسمح لبناته الثلاث من الزواج ، حتى شارفن الأربعين دون أي أمل يلوح في
الأفق . والسبب ؟ حتى لا يتمكن من
ملامستهن أي رجل كائنا " من كان ! وهذه الجريمة بنظري
أعظم من جريمة وأد البنات ! . ولا يزال سائدا " في بعض البلدان الإفريقية (
ومنها إسلامية ) ممارسة جريمة ختان البنات . لماذا ؟
للأسباب نفسها التي كان ( يخصى ) من أجلها العبيد في
قصور الملوك أو حتى للأسباب التي تخصى من أجلها ذكور بعض البهائم للتدجين وقتل
الشهوة الجنسية .
أو لا يزال سائدا " أيضا " في بعض المناطق في بلاد العرب
والمسلمين عادة قتل المرأة غير المحصنة لأقل شبهة أو إشاعة باقترافها الزنى ،
ودون أي تأن للتحقق والنظر ، وبقاء الرجل المحصن المشهور باقترافه الفواحش كلها
رافعا " رأسه ومحترما " بين الناس ؟ !
فهذه العقلية هي نفسها التي أيدت اجتهاد المتشددين بتحريم
زواج المتعة ، وأبقت على هذا المنع حتى صار دينا " بعينه ! أضف لكل ذلك أنه ما
لا يناسب عادات مجتمع ما وتقاليده ،
لا يعني بالضرورة عدم ملاءمته لعادات المجتمعات الأخرى
وتقاليدها ، والإسلام لم يأت لقوم دون آخرين ، وإنما هو صالح لكل زمان ومكان
بكل ما تعني هذه الكلمات والتي حولها غالبية المسلمين إلى شعارات من دون معان .
فالمشكلة الجنسية أصبحت هذه الأيام ، وأكثر من أي وقت مضى ،
أكبر من أن يكبتها أي حض خلقي ، أو وعظ إرشادي ، أو حتى مرض الايدز الذي أصبح
مرض العصر من دون
منافس ! وما دامت الشهوة الجنسية هي مما فطر الخلق عليها
، فيستحيل كبتها ، ولا يجوز التباطؤ في التعامل معها ، وإنما يجب الإسراع
بالاستجابة لمتطلباتها ضمن إطار نظام اجتماعي شامل .
وقد اشتهر الفيلسوف الإنجليزي المعروف برتراند رسل بتبنيه
لحل مطابق لزواج المتعة ، بعد أن رأى الانحطاط الذي وصلت إليه المجتمعات
الغربية من جراء الإباحية المطلقة التي
عولجت بها القضايا الجنسية وعلاقة الرجل مع المرأة هناك
. فهو يرى ( أن سن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير ، فإن الطالب كان يستوفي
علومه قبل مئة سنة أو مئتين في نحو الثامنة عشرة أو
العشرين ، فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة ، ولا
يطول به عهد الانتظار إلا إذا آثر الانقطاع للعلم مدى الحياة ، وقل من يؤثر ذلك
بين المئات والألوف من الشبان .
أما في العصر الحاضر ،
فالطلاب يتخصصون لعلومهم بعد الثامنة عشرة أو العشرين ، ويحتاجون بعد التخرج من
الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة
أو الأعمال الصناعية والاقتصادية ، ولا يتسنى لهم الزواج
وتأسيس البيوت قبل الثلاثين ، فهناك حقبة زمنية طويلة يقضيها الشاب بين سن
البلوغ وبين سن الزواج لم يحسب لها حسابها
في التربية القديمة ، وهذه الحقبة هي زمن النمو الجنسي
والرغبة الجامحة ، وصعوبة المقاومة للمغريات ، فهل من المستطاع أن نسقط حساب
هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى
! )
( 1 )
.
ويجيب مستنكرا " ذلك لأنه يرى ( أننا إذا أسقطناها من الحساب ، فنتيجة ذلك شيوع
الفساد والعبث بالنسل والصحة بين الشبان والشابات )
( 2 )
.
والحل الذي رآه : ( وإنما الرأي أن تسمح القوانين في هذه السن بضرب من الزواج
بين الشبان والشابات لا يؤودهم بتكاليف الأسرة ، ولا يتركهم لعبث الشهوات
والموبقات ، وما يعقبه
من العلل والمحرجات )
( 3 )
، وقد سمى هذا النوع من الزواج ( بالزواج العقيم أو الزواج بغير أطفال ، وأراد
به أن يكون عاصما " من الابتذال ، ومدربا " على المعيشة المزدوجة قبل السن التي
تسمح بتأسيس البيوت )
( 4 )
.
| |
(
1 ) الفلسفة القرآنية للعقاد ص 73 ، نقلا
" عن الدكتور رسل .
( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) المصدر السابق . ( 4 ) المصدر السابق . (
* )
|
|
|
وما أروع ما روي عن عبد الله بن
عباس في هذا المجال حيث قال : ( رحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلا رحمة
من الله تعالى رحم بها أمة محمد ، ولو لا نهيه لما احتاج إلى الزنى إلا شفا )
( 1 )
. والشفا يعني القليل .
ويعلق السيد محمد تقي الحكيم على هذه الحقيقة
بقوله : ( وأرجو أن نتأمل كلمة ( رحمة ) و ( احتاج ) فهي من أروع الدلائل على
عمق هذا الرجل وفهمه للمشكلة ، وحسبه أن يرى أن
الزنى مما يحتاج إليه أحيانا " ، وليس ينطوي دائما " على التحدي للتشريع،
فصاحبه مريض والمريض يحتاج إلى العلاج ، وقد جعل الله في المتعة علاجه ، فهي
رحمة له ، والحقيقة أن
تشريع الحد في الزنى ، والشذوذ الجنسي لا تتضح عدالته إذا لم نفهم مختلف الحلول
التي وفرها الشارع لمشكلته ، فمع تخطيها جميعا " ، وتحدي الشارع بالعمل على
إشاعة الفوضى
الجنسية ينكشف أن هذا النوع من المرض النفسي لا يمكن علاجه والحد من انتشار
وبائه إلا بأمثال هذه الجرعات )
( 2 )
.
| |
( 1 ) الثعلبي والطبراني
في تفسيرهما
( 2 ) محمد تقي الحكيم ، الزواج المؤقت ،
ص 11 . ( * )
|
|
|
|