- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 250 :

أولا " : أهل السنة والجماعة نشوء الفرقة وتطورها :

إن المفهوم السائد في أذهان عموم أهل السنة أن الإسلام الصحيح هو المتمثل بما هم عليه وحدهم ، وأن غيرهم من الفرق الإسلامية إما ضالة ومنحرفة أو خارجة عن الملة ، وقليلون من علماء أهل السنة من يعطوا الفرق الإسلامية الأخرى أهمية البحث والدراسة .


ولماذا يعطوا ذلك الاهتمام ما داموا يرون أن لقب ( أهل السنة والجماعة ) يعني أنهم وحدهم أتباع السنة النبوية وأبناء الفرقة الناجية ؟
 

أما إذا أردنا أن ننظر إلى هذه المسألة بصورة موضوعية ، فالاسم وحده لا يكفي لتمييز فرقة على أخرى وتفضيلها ، والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عنوان تقول به الفرق الإسلامية الأخرى كالشيعة والمعتزلة وحتى الخوارج .


فكل هذه الفرق توجب التمسك بالسنة النبوية وتقديسها .

فكيف إذن احتكر أهل السنة والجماعة هذا الوصف دون غيرهم من الفرق ؟
 

- ص 251 -

أن لقب ( أهل السنة ) كان ابتداء وصفا " لمجموعة من العلماء المشتغلين بتدوين الأحاديث النبوية ، والذين عرف منهجهم في تحصيل العقائد والأحكام من ظواهر الروايات باسم ( فرقة

أهل الحديث ) التي ظهرت في عهد الأمويين . ولأن موضوع الأحاديث هو السنة النبوية فإن كلمة السنة أصبحت تستخدم أحيانا " بديلا " لكلمة الحديث .


وكما يظهر في رسالة لعمر بن عبد العزيز يرد فيها على القدرية قال فيها : ( . . . وقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة . . . ، وقول عمر بن الخطاب : إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة إلا بضلالة ركبها حسبها هدى . . . ) .

فمن الواضح هنا أن من يشير إليهم عمر بن عبد العزيز بوصف أهل السنة هم مدونو السنة النبوية وليس أي فرقة أو طائفة وإلا لما فرق بين قول عمر بن الخطاب وقول أهل السنة ( 1 ).


ومن المعلوم أن تدوين الأحاديث النبوية لم يبدأ إلا في مطلع القرن الثاني الهجري بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز ، حيث كان التدوين ممنوعا " في عهود من قبله .


وعندما برز الإمام أحمد بن حنبل وتصدر العمل في تدوين العقائد والمعارف المأخوذة من تلك الأحاديث في مطلع القرن الثالث الهجري ، أخذ يوسع استخدام لقب ( أهل السنة ) والذي كان

مخصوصا " بالعلماء مدوني السنة النبوية ، ليشمل أيضا " الأتباع المقلدين لمذهبه والعوام المؤيدين لمنهج أهل الحديث .


وبهذا يكون أحمد بن حنبل قد احتكر اسم أهل السنة ليكون عنوانا " خاصا " لبعض المسلمين دون غيرهم من أهل القبلة .


ويذكر أحد المحققين المعاصرين أن أحمد بن حنبل قام بذلك ليوحد آراء أهل الحديث التي كانت مختلفة ومشتتة قبله في مجال العقائد ( 2 ) ، ويقدم شاهدا " على ذلك من كتاب تدريب الراوي للسيوطي ، يكشف فيه عن وجود
 

 

( 1 ) جعفر السبحاني ، بحوث في الملل والنحل ، ج 1 ص 343 ، 270 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 310 . ( * )

 

 

- ص 252 -

الاتجاهات المتعددة والمتناقضة عندهم ، وجاء إمام الحنابلة ليوحدهم ويقضي على الفاسد من آرائهم ومذاهبهم . فهم كانوا كما يصف السيوطي بين مرجئة ونواصب وشيعة وقدرية وجهمية وخوارج وواقفية وغير ذلك ( 1 ) .


وهناك رأي ثان حول أصل تسمية أهل السنة والجماعة ، حيث يذكر الحاكم أنه لما أمر معاوية بلعن الإمام علي عليه السلام على المنابر زعم أن ذلك سنة يثاب فاعلها ، وسمي ذلك العام ( عام السنة ) .
 

ولما قتل علي عليه السلام وأصلح الحسن عليه السلام مع معاوية ، واستقر الأمر للأمويين ، قام معاوية بتسمية ذلك العام ( عام الجماعة ) ( 2 ) ، تمشيا " على ما يبدو مع الحديث الذي

وضع خصيصا " لهذه المناسبة والذي يصف الفرقة الناجية : ( . . . وواحدة في الجنة وهي الجماعة ) . فأصبح كل من يعتقد بإمامة معاوية يقول نحن ( أهل السنة والجماعة ) ، ومن الواضح أن المراد بهم ليس أتباع سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا الجماعة الناجية .
 


ولشيخ الإسلام ابن تيمية رأي ثالث في منشأ التسمية والمذهب يقول فيه : ( فلفظ أهل السنة يراد به من إثبات خلافة الخلفاء الثلاثة ( يقصد أبو بكر وعمر وعثمان ) ، فيدخل في ذلك

جميع الطوائف إلا الرافضة ( يقصد الشيعة ) ، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ، ويقول أن القرآن غير مخلوق ، وأن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل والحديث ) ( 3 ) .


ولا أرى تناقضا " بين هذه الآراء الثلاثة حول أصل تسمية فرقة أهل السنة والجماعة ونشوئها

فالتفسيران اللذان قدمهما ابن تيمية يمكن توفيقهما مع
 

 

( 1 ) تدريب الراوي للسيوطي ، ج 1 ص 328 .
( 2 ) أحمد بن يحيى اليماني ، المنية والأمل في شرح الملل والنحل ، ص 106 .
( 3 ) أحمد بن تيمية ، منهاج السنة ، ج 2 ص 221 . ( * )

 

 

- ص 253 -

الرأيين الأول والثاني . فقوله أن أهل السنة تعني من اعتقد بخلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل ينسجم مع ما نسب إلى معاوية في الرأي الثاني .


فمعاوية لم يكن يعمل فقط على ترسيخ فكرة أفضلية الثلاثة الأوائل وإثبات أحقيتهم بالخلافة ، وإنما قام بمحاربة الخليفة الرابع وعمل بكل ما أوتي من سلطات على التقليل من فضائل أهل

البيت عليه السلام ورفع غيرهم من الصحابة ، وتجاوز ذلك إلى حد أمره لخطباء المسلمين بسب الإمام علي عليه السلام على المنابر واعتبار ذلك سنة .


وأما قول ابن تيمية أن أهل السنة يراد بها أهل الحديث والسنة المحضة ، فإنه ينسجم مع الرأي الأول والذي أعطى فيه لقب أهل السنة لمعتنقي العقائد والمعارف التي استخرجها ودونها رجال الحديث .


وبناء على ما سبق فإن نشوء فرقة أهل السنة ينظر إليها من ناحيتين : الأولى متعلقة بالخلافة ببعدها السياسي البحت ، والثانية متعلقة بالعقائد والأحكام .


فأما من الناحية السياسية ، فقد وقع بشأنها أول خلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في سقيفة بني ساعدة عندما تنازع الإمارة المهاجرون والأنصار ،

وقاطع علي عليه السلام ومن معه من الهاشميين وبعض الصحابة نزاعهم ومن ثم اتفاقهم لأنهم كانوا يرون أن عليا " كان أحق بالخلافة ممن تنازعوا عليها ، وبقوا على رفضهم لمبايعة أبي بكر لستة شهور ( 1 ) .


وهكذا يمكن اعتبار أن ولادة فرقة أهل السنة كانت في السقيفة وإن لم يظهر من معالمها المميزة آنذاك سوى الخط السياسي ، حيث كان يعرف الأتباع من تأييدهم لخلافة أبي بكر

وعمر وعثمان ، ثم نما وترعرع هذا الخط في عهد الأمويين بحيث كانت تظهر السلطة الحاكمة كممثل ومدافع عن خلافة الثلاثة ، وناقمة بل ومقطعة لرؤوس الموالين لعلي وأهل البيت والقائلين بأفضليتهم .
 

 

( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، ج 5 ص 382 . ( * )

 

 

- ص 254 -

وأما من ناحية العقائد والأحكام ، فقد كان ظهور أهل السنة والجماعة كفرقة إسلامية لها عقائدها المميزة ومدرستها الفكرية والفقهية المستقلة والواضحة المعالم على يد جماعة أهل

الحديث في أواخر العصر الأموي ، ثم تبلورت ونضجت زمن الإمام أحمد بن حنبل في مطلع القرن الثالث الهجري .


ولكن لا بد من الملاحظة هنا أن ابن حنبل ومن قبله أهل الحديث قد استندوا فيما ذهبوا إليه من عقائد وأحكام بصورة كبيرة على ( اجتهادات ) الخليفة عمر وآلاف الأحاديث التي رواها

الصحابة معتبرين صحتها جميعا " ، مما يظهر تأثرهم وارتباطهم الوثيق بالخط السياسي ، والذي تولد نتيجة لصراعات وتنازعات تدخلت فيها الأهواء ، بل وسالت بسببها بحار من الدماء ، الأمر الذي يضع كثيرا " من تلك العقائد والأحكام في محل الشك والارتياب .


إنقسام الفرقة وتشعبها

كان لتوسع الدولة الإسلامية وتباعد البلدان واختلافها في العادات والمشاكل السائدة في بيئاتها أكبر الأثر في ظهور حركة الاجتهاد وبألوان متعددة يمكن إجمالها بمنهجين رئيسيين في معرفة العقائد الإسلامية واستنباط الأحكام الشرعية :

أحدهما يكثر فيه الرأي والقياس ( بمعنى كثرة استخدام العقل ) في المواضع التي لا تعطي فيها النصوص الشرعية الوضوح والتفصيل الكافيين لمعرفة الأحكام ،

وثانيهما يغلب عليه التمسك الصارم بالرواية وعدم الخروج عن حدود ألفاظ النص وظاهرها مهما كلف الأمر ، ولا يأخذ بالعقل كأسلوب في تحصيل المعارف والأحكام .


وهذان المنهجان ( أهل الحديث وأهل الرأي أو النقلي والعقلي ) تطورا " على شكل مدرستين لكل منهما علماؤها ومنظروها مما ساعد على ظهور الفرق الكلامية أو المذاهب العقائدية والمذاهب الفقهية .


أولا " : الفرق الكلامية ( المذاهب العقائدية ) : شهدت أواخر خلافة الإمام علي عليه السلام وبداية العصر الأموي أول ظهور للفرق الكلامية ( وعلم الكلام هو العلم الذي يدور حول عقيدة التوحيد بآراء

- ص 255 -

فلسفية ) وذلك من جراء الحوادث التي ألمت بالأمة ابتدأ بمقتل عثمان ومعارك الجمل وصفين وقتل المعارضين لبني أمية وغيرها ، حيث كانت تدور المجادلات في مسائل المصير

الأخروي لمرتكب الكبيرة والقضاء والقدر كالمعركة التي حصلت مثلا في صفين ، هل كانت بقضاء الله وإرادته المفروضة على الناس أم كانت بفعل الذين شاركوا فيها وبكامل اختيارهم ، وما هو حكم قادتها والمسلمين الذين ذهبوا ضحيتها .


وقد كانت تتشكل المذاهب العقائدية تبعا " لآراء أصحابها تجاه هذه المسائل . ومن هذه الفرق التي حسبت تاريخيا " من تشعبات أهل السنة ما يلي : 1 - المرجئة :
 

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب