- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 245 :

خطورة الشبهة والافتراء وتفنيدهما :
 

أو ليس في كل هذه الروايات وغيرها كثير والتي تطعن بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمال خلقه وعلمه ما فيه فتحا " واسعا " للطعن والسخرية برسالة الإسلام ونبيها ؟

فأي دين هذا إذا كان نبيه ومبلغه يتصف بمثل هذه الصفات، وبه مثل ذلك الضعف أمام السحر والغرائز ، بل حتى نسيانه آيات الكتاب ، وغفلته ونومه عن أداء الفرائض . . . فلم يعد الأمر

متعلقا " بمجرد ( خطأ ) النبي بأمور الدنيا ، لأن حفظ آيات الكتاب وأداء الفرائض ليست من أمور الدنيا على حسب تصنيف من جعلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوما " بأمور الدين وتبليغه ليس إلا ! .


والأدهى من ذلك كله ، تصحيح عمر له في أكثر من موقف ، حتى أصبح الخليفة وكأنه أعلم وأبعد نظرا " من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله .


فكيف لنا أن نقبل بتصديق تلك الإلهامات المزعومة لشخص أفنى شبابه وغالبية عمره في

- ص 246 -

الجاهلية يعبد الأصنام ويشرب الخمر ويأد البنات ، بل هو نفسه كان يعترف بكثرة أخطائه التي أرتكبها بعد إسلامه ، وفي نفس الوقت نغفل عن كل تلك الآيات القرآنية الساطعة بكمال

رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسداده وعصمته في أمور الدين والدنيا ، وبراءته من كل نقيصة وذنب مهما صغر ، بل وما يقتضيه العقل السليم بضرورة كون مبلغ الرسالة مثالا "

ورمزا " في العلم والخلق ! ومن تلك الآيات قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر / 7 ] ،


وقوله : ( إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا " ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا " ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين ) [ الحاقة / 40 - 43 ] ،


وقوله سبحانه وتعالى : ( إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون ) [ التكوير / 19 - 22 ] ،


وقوله تعالى : ( ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى ) [ النجم / 2 - 5 ] .


فبالرغم من كل هذه الأدلة القطعية على عدم احتمال فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو تفوهه إلا بما هو حق وصواب في جميع شؤون الدين والدنيا ، ودون أي استثناء ، فإنك تجد

نفس الذين يصرون على كمال إلهامات عمر وموافقاته لله في مواقف عديدة اختلف فيها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجدهم يقومون بتأويل بعض الآيات لأخذها ذريعة في إثبات

خطأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنكار تمام عصمته ، ويصرون على هذا الرأي أيما إصرار ! ومن تلك الآيات قوله تعالى : ( إنا فتحنا لك فتحا " مبينا " * ليغفر لك الله ما تقدم

من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا " عزيزا " ) [ الفتح / 1 - 3 ] .


ويرد السيد الطباطبائي في تفسيره ( الميزان في تفسير القرآن ) حول هذه الشبهة والتي تعد أكبر مستمسك بيد الطاعنين بكمال عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( ليس

المراد بالذنب في هذه الآيات هو الذنب المعروف بمخالفة التكليف الشرعي ، ولا المراد بالمغفرة

- ص 247 -

معناها المعروف بترك العقاب على المخالفة المذكورة . فالذنب في اللغة كما يستفاد من موارد استعمالاته هو العمل الذي له تبعة سيئة كيفما كان ، والمغفرة هي الستر على الشئ . . . وفي

الآيات ، فإن المراد بالذنب التبعة السيئة التي كانت لدعوته صلى الله عليه وآله وسلم عند الكفار والمشركين ، وهو ذنب له عليهم كما في قول موسى لربه : ( ولهم علي ذنب فأخاف

أن يقتلون ) [ الشعراء / 14 ] . وما تقدم من ذنبه هو ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل الهجرة ، وما تأخر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجرة ، ومغفرته تعالى لذنبه هو ستره عليه بإبطال تبعته بإذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم ) ( 1 ) .


ويقدم الشيخ جعفر السبحاني ردا " آخر لهذه الشبهة بقوله : ( إن إمعان النظر في فقرات الآيات خصوصا " في جعل غفران الذنب غاية للفتح المبين ، يتضح أن المقصود بالذنب هو

الاتهامات والنسب الباطلة التي كان الأعداء يلصقونها به ، وأن ذلك الفتح المبين دل على افتعالها وعدم صحتها من أساسها ، ونزه صحيفة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلك النسب ) ( 2 ) .

 

 

( 1 ) الطباطبائي ، تفسير الميزان ، ج 18 ص 258 - 259 .
( 2 ) السبحاني : عصمة الأنبياء ، ص 204 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب