- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 232 :

المس بكمال عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخطورته :


لقد كان من ضحايا أزمة الخلافة لا أقل من شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ، ذلك أنه ومن أجل تبرير مخالفة الصحابة والخلفاء منهم على وجه الخصوص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المسائل ، فإن وضاعي الحديث ومزوري التاريخ الذين
 

- ص 233 -

كان منهم وعاظ سلاطين بني أمية، ذهبوا إلى الافتراء بالقول: أن صاحب الرسالة كان يخطئ في المواقع التي ليس فيها تبليغ عن الله من حكم أو آية ، بل هو في تلك المواقع لا يختلف عن

بقية البشر في شئ ، فهو على رأيهم يتعرض لحالات السهو والنسيان بل لحالات السحر والهذيان ( والعياذ بالله ) وفيما يلي أمثلة قليلة من هذه الافتراءات :


 1 - هجران النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحد أيامه الأخيرة ، وقد اشتد به المرض ، أراد أن يكتب وصيته الأخيرة بحضور ومشهد من أهل بيته وكبار الصحابة .

وإليك ما حصل في ذلك اليوم كما يرويه لنا البخاري ومسلم في صحيحيهما بالإسناد إلى ابن عباس قال : ( يوم الخميس وما يوم الخميس - ثم بكى حتى بل دمعه الحصى - اشتد برسول

الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال : آتوني أكتب لكم كتابا " لا تضلوا بعدي . فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبي تنازع ، وقالوا : ما شأنه ، أهجر ؟ استفهموه . قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : دعوني ، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ) ( 1 ) .


وفي رواية أخرى ، قال ابن عباس : ( لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هلم أكتب لكم لا

تضلون بعده . فقال عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختصموا ، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم كتابا " لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر . فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : قوموا . فكان ابن عباس

يقول : إن الرزية كل الرزية ما خال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ) ( 2 ) .
 

 

( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب مرض النبي ووفاته ، ج 5 ص 511 .
( 2 ) صحيح مسلم ، كتاب الوصية ، باب ترك الوصية ، ج 4 ص 171 . ( * )

 

 

- ص 234 -

وفي رواية ثالثة ، كان قول الراد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح مسلم : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهجر ) ( 1 ) ،

وفي رواية رابعة ، كان قول الراد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( . . فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال عمر : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ) ( 2 ) .


ويلاحظ في هذه الرواية الأخيرة أن كلمة يهجر استبدلت بعبارة ( معناه أنه الوجع ) الأكثر تهذيبا " .

ويتضح من كل هذه الروايات أن أول من وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجران ، والذي يعني في حالة المرض بالهذيان ( 3 ) هو عمر بن الخطاب ولكن علماء أهل

السنة اعتبروا موقف عمر هذا دليلا " على عظمته وقوة بصيرته ! فيقول مثلا " يحيى أبو زكريا النووي الشارح لأحاديث صحيح مسلم : ( . . وأما كلام عمر رضي الله عنه ، فقد

اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ، لأنه خشي أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمورا " ربما عجزوا عنها واستحقوا

العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله ، لقوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) [ الأنعام / 38 ]

وقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم . . ) [ المائدة / 3 ] ، فعلم عمر أن الله تعالى أكمل دينه ، فأمن من الضلال على الأمة ، وأراد الترقية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ) ( 4 ) .


ثم يؤكد النووي أن وصف عمر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالهجران كان في محله بقوله : ( إعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس معصوما " من الأمراض والأسقام العارضة

 

( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب المرضى ، باب قول النبي - قوموا عني - ، ج 7 ص 389 ، وصحيح مسلم ، كتاب الوصية ، باب ترك الوصية ، ج 4 ص 176 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 175 .
( 3 ) السقيفة لأبي بكر الجوهري .
( 4 ) أبو بكر الرازي ، مختار الصحاح ، ص 690 ، وأنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 4 ص 174 . ( * )

 

 

- ص 235 -

للأجسام ونحوها مما لا نقص لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته ، وقد سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشئ ولم يكن فعله ) ( 1 ) .

وأما بشأن الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته ، فيعلق النووي : ( وقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتابته ، فقيل : أراد أن

ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع وفتن ، وقيل : أراد كتابا " يبين فيه مهمة الأحكام ملخصة ليرفع النزاع فيها ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه ) ( 2 ) .

ثم ينقل قولا " للخطابي فيه المزيد من التبرير لتصرف عمر :( ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . لكنه لما رأى ما غلب

عليه الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب ، خاف أن يكون قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما يقول به المريض مما لا عزيمة فيه (؟ !) ، فيجد المنافقون بذلك سبيلا "

إلى الكلام في الدين ) ( 3 ) - إلى قوله : إن أكثر العلماء يجوزون الخطأ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما لم ينزل عليه ، وأنه كان يسهو في صلاته . وأما بشأن مخالفة عمر

للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فهي من الأمور الصائبة لأنها - على رأيه - تأتي ضمن الأمور التي قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( اختلاف أمتي رحمة ) ( 4 ) .


 2 - محاولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمي نفسه من قمة جبل ! وهذه الحادثة المزعومة تعد من أكثر الأمور غرابة ، حيث تصف حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما تأخر عليه الوحي بعد نزوله عليه أول مرة في غار حراء .


وهذا نص ما ذكره البخاري في صحيحه نقلا " عن عائشة قالت : ( . . . وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغنا حزنا " غدا منه مرادا " كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له
 

  ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج 4 ص 172 .( 2 ) المصدر نفسه .( 3 ) المصدر نفسه .( 4 ) المصدر نفسه .  

 

- ص 236 -

جبريل فقال : يا محمد ، إنك رسول الله حقا " ، فيسكن لذلك جأشه وتفر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك ) ( 1 ) .


 3 - نسيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات الكتاب ! روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة قالت : ( سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا " يقرأ في المسجد ، فقال : رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا )
( 2 ) .

أو حسب رواية أخرى : ( . . رحمه الله ، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها ) ( 3 ) .

وقال النووي في شرحه لهذا الحديث : ( قوله صلى الله عليه وآله وسلم كنت أنسيتها دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وآله وسلم فيما قد بلغه إلى الأمة ! ) ( 4 ) .

وقال القاضي عياض : ( وأما نسيان ما بلغه في هذا الحديث فيجوز ) ( 5 ) .


 4 - غفلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أداء الصلاة في وقتها ! فقد روى أصحاب الصحاح عدة حوادث زعم فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غفل عن أداء بعض

الصلوات في أوقاتها ، ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قفل من غزوة خيبر . . نام وأصحابه ، ولم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه

وآله وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ، ففزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أي بلال . فقال بلال : أخذ نفسي الذي أخذ . بأبي أنت وأمي يا رسول الله بنفسك . . ) ( 6 ) .

 

( 1 ) المصدر نفسه ، ص 173 .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب التعبير ، باب أول ما بدي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ج 9 ص 93 .
( 3 ) المصدر نفسه ، كتاب الدعوات ، باب قوله تعالى - وصل عليهم - ، ج 8 ص 234 .
( 4 ) صحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب فضائل القرآن ، ج 2 ص 443 .
( 5 ) المصدر نفسه ، ص 444 . ( 9 ) المصدر نفسه . ( * )

 

 

- ص 237 -

وعن أبي هريرة أيضا " قال :( عرسنا مع نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا

منزل حضرنا فيه الشيطان ، ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلى ) ( 1 ) .


وفي صحيح البخاري ، عن جابر بن عبد الله قال : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عمر بن الخطاب يوم الخندق فقال : يا رسول الله، والله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس

تغرب ، وذلك بعدما أفطر الصائم . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والله ما صليتها . فنزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بطحان وأنا معه فتوضأ ثم صلى العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب ) ( 2 ) .


وفيما يتعلق بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم ، روى البخاري عن أبي هريرة قال : ( أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما ، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما قام في

مصلاه ذكر أنه جنب . فقال لنا : مكانكم . ثم رجع فاغتسل ، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه ) ( 3 ) .


ثم يروي أبو هريرة المزيد من سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول : ( صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ركعتين ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدمة المسجد، ووضع

يديه عليها ، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وخرج سرعان الناس . فقالوا : يا نبي الله أنسيت أم قصرت ؟ فقال : لم أنس ولم أقصر . وكان في القوم رجل يدعى ذا اليدين فقال : بل نسيت يا رسول الله . قال : صدق ذو اليدين ) ( 4 ) .
 

 

( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب قضاء الصلاة الفائتة ، ج 2 ص 325 .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب الأذان ، باب قول الرجل للنبي - ما صلينا - ج 1 ص 349 .
( 3 ) المصدر نفسه ، كتاب الغسل ، باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب ، ج 1 ص 168 .
( 4 ) المصدر نفسه ، كتاب الأدب ، ما يجوز من ذكر الناس ، ج 8 ص 48 8 . ( * )

 

 

- ص 238 -

وعن أنس بن سيرين قال : ( تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام فرأيته يصلي على حماد ، ووجهه إلى يسار القبلة . فقلت له : رأيتك تصلي لغير القبلة . قال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله لم أفعله ) ( 1 ) .


 5 - هيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحب عائشة على حساب عدله مع بقية نسائه تشير بعض الروايات الواردة في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متيما " جدا " بحب عائشة إلى حد العشق والهيام وبصورة غير عادية .


فهذا البخاري عن أبي هشام قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول : أين أنا غدا " ؟ حرصا " على بيت عائشة . قالت عائشة : فلما كان يومي سكن )
( 2 ) .


وفي رواية صحيح مسلم : ( . . . أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا " ؟ استبطاء ليوم عائشة . قالت عائشة : فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ) ( 3 ) .


وتروي عائشة أيضا " :( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرا " أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها ، غير

أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 4 ) .


وعن عائشة أيضا " قالت : ( إن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 5 ) . . .


وكانت أم سلمة تغار من ذلك ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أم سلمة ، لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها ) ( 6 ) .
 

 

( 1 ) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الداية حيث توجهت ، ج 2 ص 353
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة ، ج 5 ص 77 .
( 3 ) صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة ، ج 5 ص 299 .
( 4 ) صحيح البخاري ، كتاب الهبة ، باب هبة المرأة لغير زوجها ، ج 3 ص 462 .
( 5 ) صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة ، ج 5 ص 296 .
( 6 ) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة ، ج 5 ص 78 . ( * )

 

 

- ص 239 -

ثم تقول عائشة في شدة غيرة بقية النساء منها : ( أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في

مرطي فأذن لها فقالت : يا رسول إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة يعني عائشة - فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي بنية ، ألست تحبين ما أحب ؟ فقالت : بلى ، قال : فأحبي هذه . . . إنها ابنة أبي بكر ) ( 1 ) .


والحقيقة أن كل هذه الروايات وغيرها الواردة في هذا الصدد تزعم أن سبب عشق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة ، وتفضيله إياها على غيرها من نسائه صلى الله عليه وآله وسلم

هو ليس كونها ابنة أبي بكر ، وإنما لتميزها عن بقية نسائه صلى الله عليه وآله وسلم بصغر السن والبكارة حين زواجه منها ، وبصورة تظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه كان رجلا " شهوانيا " أو ذواقا " ( والعياذ بالله ) .


وهذه رواية أخرى مفتراة كسابقاتها تؤكد هذا الزعم الباطل . فعن أنس بن مالك قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة . قال : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا " ) ( 2 ) .


 6 - وقوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت تأثير السحر ! وهذا الزعم أيضا " مما روته عائشة وأخرجه البخاري في صحيحه قالت : ( سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

حتى أنه يخيل إليه أنه فعل الشئ وما فعله ، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ، ثم قال : أشعرت يا عائشة ، أن [ كان ] الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ ) ( 3 ) .


وفي رواية أخرى ، قالت عائشة : ( مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي . . . فقال ذات يوم : يا عائشة ، أتاني رجلان فجلس
 

 

( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عائشة ، ج 5 ص 296 - 298 .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب الغسل ، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد ، ج 1 ص 165 .
( 3 ) المصدر نفسه ، كتاب الطب ، باب السحر ، ج 7 ص 444 . ( * )

 

 

- ص 240 -

أحدهما عند رجلي ، والآخر عند رأسي ، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، يعني مسعورا " . قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم ) ( 1 ) .

وكان الشيخ محمد عبده يستنكر هذه الروايات وأمثالها لتعارضها مع قوله تعالى : ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا " مسحورا " ) [ الفرقان / 8 ] .


 7 - أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس بما لا يعلم ! روى رافع بن خديج وعائشة : ( قدم نبي الله المدينة وهم يأبرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : يلقحونه . قال : لعلكم لو

لم تفعلوا لصلح - وفي رواية صحيح مسلم كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أظن يغني ذلك شيئا " - ( 2 ) قال الراوي : فلما أخبروا بذلك تركوه . فخرج النخل شيصا " والمعنى

ظهور فساد رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وعندما مر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت لنا كذا وكذا . فقال : إن كان ينفعهم ذلك [ التلقيح ]

فليصنعوه ، فإني ظننت ظنا " فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا " فخذوا به ، فإني ظننت ظنا " فلا تؤاخذني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا " فخذوا به ، فإني لن أكذب على الله عز وجل ( 3 ) -


وفي رواية أخرى كان قوله : إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر ( 4 ) .

وفي رواية ثالثة ، قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ( 5 ) .


 8 - إعراض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أعمى لانشغاله مع كفار ! يرى كثير من المسلمين أن الآيات الكريمة ( عبس وتولى * إن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى . . ) [ عبس / 1 - 4 ]
 

 

( 1 ) المصدر السابق ، كتاب الأدب ، باب إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، ج 8 ص 57 .
( 2 ) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا " النبي على سبيل الرأي، ج 5 ص 212 - 213 .
( 3 ) المصدر نفسه . ( 4 ) المصدر نفسه . ( 5 ) المصدر نفسه . ( * )

 

 

- ص 241 -

أنها نزلت عتابا " للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لإعراضه عن عبد الله بن مكتوم - وكان مؤمنا " ضريرا " جاء يستقري النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما علمه الله - وظهور

الكراهية في وجهه لقطعه كلامه مع من كان منشغلا " بالكلام معهم ، وهم سادة كفر قريش كعتبة بن ربيعة وأبي جهل وأمية بن خلف يدعوهم إلى الإيمان بالله ويرجو إسلامهم .


وكان سبب ظهور الكراهية في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم حسب هذا الزعم قوله صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد أنما أتباعه من العميان والعبيد ، فعبس

لى الله عليه وآله وسلم في وجهه وأقبل على القوم الذين يكلمهم . فنزلت الآيات تعاتبه في ذلك . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرم ذلك الأعمى إذا رآه ويقول له : مرحبا " بمن عاتبني فيه ربي ) ( 1 ) .


وحقيقة هذه الآيات إنها نزلت استنكارا " لرجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فجاءه ابن أم مكتوم ، فلما رآه تقذر في نفسه ، وعبس وأعرض بوجهه عنه .

فأين أخلاق نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التصرف ؟

ومن علماء أهل السنة القلائل الذين نفوا نزول هذه الآيات في النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو فخر الدين الرازي بقوله : ( لا نسلم أن هذا الخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله

وسلم : لأن يقال أن أهل التفسير قالوا : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنا نقول : هذه رواية آحاد لا تقبل في هذه المسألة ) ( 2 ) .

 

ويقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره ( الميزان في تفسير القرآن ) : ( وليست الآيات ظاهرة الدلالة على أن المراد بها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل خبر

محض لم يصرح بالمخبر عنه، بل فيها ما يدل على أن المعني بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الأعداء المباينين فضلا "عن المؤمنين المسترشدين . ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة ) ( 3 ) .
 

 

( 1 ) أسباب النزول للواحدي ، ص 252 .
( 2 ) فخر الدين الرازي ، عصمة الأنبياء ، 95 .
( 3 ) محمد حسين الطباطبائي : الميزان في تفسير القرآن ، ج 2 ص 223 . ( * )

 

 

- ص 242 -

 9 - خطأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة على أحد المنافقين !

وتروى هذه الحادثة كما يلي في صحيح البخاري : ( لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصل

عليه واستغفر له . فأعطاه قميصه . . . فجاء [ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ] ليصلي عليه ، فجذبه عمر فقال : أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ، فقال [ لك ] في كتابه:

( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة / 80 ] قال ابن عمر : فنزلت الآية ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " ولا تقم على قبره ) [ التوبة / 84 ] قال : فترك الصلاة عليهم ) ( 1 ) .


والحقيقة التي غابت عن عمر في هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم على رسوله كما يفهم من الآية ( استغفر لهم ) الصلاة على المنافقين ، وإنما خيره في ذلك بالرغم أن النتيجة في الحالتين هي عدم غفران الله لهم .


وقد اختار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي على ذلك المنافق لمصلحة وفائدة بالغة توخاها في استئلاف قلوب أبناء قبيلته الخزرج ، حيث أسلم منهم بعد صلاة النبي صلى الله

عليه وآله وسلم تلك ألف رجل وبعد تحقق هذه الفائدة ، نزل قوله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " ) . [ التوبة / 84 ] .

ومما يكن من الأمر ، فلا بد وأن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بحلال الله وحرامه وأفهمهم لكتابه ، ولا يحتمل أن يكون هناك أحد أعلم أو أفهم منه بذلك ، وإلا لما كان

النبي الذي أرسله الله للناس ليعلمهم الكتاب والحكمة ، ولكان الأولى على الله أن يرسل الآخر بدلا " منه ( والعياذ بالله ) .


حتى أن عمر نفسه اعترف ( بتجرئه ) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ) ( 2 ) .
 

 

( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب اللباس القميص ، ج 7 ص 462 .
( 2 ) المصدر نفسه ، كتاب الجنائز ، ج 2 ص 252 . ( * )

 

 

- ص 243 -

 10 - خطأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ الفداء من أسرى بدر !

يرى غالبية المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخطأ عندما قرر الصفح عن أسرى بدر وأخذ الفداء منهم مقابل ذلك .


ويعتقدون أن الصواب كان في جانب عمر بن الخطاب في اعتراضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي كان رأيه قتلهم جميعا " .


وقد اعتبروا رأي عمر هذا من الكرامات والإلهامات لأنه على حسب فهمهم نزل قرأنا " ليس فقط في تأييد موقفه ، بل وعتابا " للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والآيات هي : ( ما كان

لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) [ الأنفال / 68 ] .


وما يوافق هذا التفسير ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده إلى عمر نفسه قال : ( فلما كان من الغد - بعد نزول الآية - فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدين يبكيان . قلت : يا رسول الله ،

أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك .. فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء ، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) ( 1 )
 

وفي رواية أخرى ، كان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ، ولو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب ) ( 2 ) . ! !


وحقيقة هذه الحادثة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قرر الصفح عن الأسرى لمصلحة وحكمة متوخيا " إسلامهم كما حصل فعلا " فيما بعد .


وأما آية العتاب والعذاب تلك فإنها لم تنزل لتندد أو لتهدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم - والعياذ بالله - وأصحابه الذين أيدوه بالصفح عن الأسرى وأخذ الفداء ، وإنما نزلت قبل حدوث

معركة بدر لتندد بالصحابة الذين أرادوا مخالفة رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قتال المشركين ، وفضلوا بدلا " من ذلك الاكتفاء بأخذ العير وما تحمله قافلة أبي سفيان ، كما في قوله تعالى : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير
 

 

( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، ج 4 ص 377 .
( 2 ) السيرة النبوية للدحلاني ، ج 1 ص 512 . ( * )

 

 

- ص 244 -

ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) [ الأنفال / 7 ] وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استشار أصحابه فقال لهم : إن القوم قد خرجوا على

كل صعب وذلول ، فماذا تقولون ؟ العير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو . وقال بعضهم حين رآه مصرا " على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له ؟ إنا خرجنا للعير لا للقتال وهنا نزل قوله تعالى ( ما كان لنبي ) .


وكذب من زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ الأسرى، وأخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض ، فإنه إنما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض وقتل صناديد قريش وطواغيتها كأبي

جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الضلال ، فكيف يمكن بعد هذا أن تفسر الآية على أنها عتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ( 1 ) ؟


وكان من بين أسرى بدر العباس عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بعدم التعرض له ، أو لأي من أسرى بني هاشم بالأذى لأنهم

أخرجوا لقتال المسلمين مكرهين . ولكن عمر قام بشد وثاق العباس ، حتى أنه كان يود قتله ، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يسمع أنينه وتضوره من الأذى فلا يأتيه النوم حتى أطلقه الأنصار ( 2 ) .


ومن المعلوم أن العباس كان ممن تحملوا العذاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بداية البعثة والدعوة في مكة ، وكان معه عندما حوصروا في الشعب مع بقية أبناء بني هاشم لثلاث

سنين ، وهو كان من الذين أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكتم إسلامهم والبقاء في مكة ليكتب له أخبار قريش وأسرارهم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم احتدام القتال في بدر : من لقي منكم العباس فلا يقتله ، فإنه خرج مستكرها ( 3 ) .
 

 

( 1 ) بتصرف عن النص والاجتهاد ص 322 - 323 ، والفصول المهمة ص 112 . لشرف الدين الموسوي .
( 2 ) كنز العمال ج 5 ص 272 .
( 3 ) السيرة النبوية للدحلاني ، ج 1 ص 504 . ( * )

 

 

- ص 245 -

وأخيرا " ، نذكر مثال ابن حجر المكي في دفاعه عن معاوية اضطر إلى الطعن ، بكمال خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورشده .

حيث وجدنا ابن حجر يقول في محاولته تبرير دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية ( لا أشبع الله بطنه ) : ( ولا نقص على معاوية في هذا الحديث أصلا " . . . [ ثم قدم

أعذارا " محتملة لمعاوية ] وعند هذه الاحتمالات اللائقة بكمال معاوية وفقهه ومكانته ، يتعين أن يكون هذا الدعاء عليه هو وليس له بأهل ، فيكون له زكاة وأجرا " ورحمة ، كما قال

النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أغضب كما يغضب البشر فمن سببته أو لعنته أو دعوت عليه وليس هو أهلا " لذلك فاجعل اللهم ذلك له زكاة وأجرا " ورحمة . . .

فهذا الحديث من مناقب معاوية الجليلة لأنه بان بما قررته إنه دعاء لمعاوية لا عليه ) ( 1 ) .

 

 

( 1 ) ابن حجر الهيثمي المكي ، تطهير الجنان واللسان ، ص 29 - 30 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب