- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 209 :

 2 - انتشار ظاهرة الوضع والدس في الحديث


العامل الأساسي في تولد هذه الظاهرة الحديث الموضوع هو الكلام المختلق والمنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذبا " وزورا " وبهتانا " .


وبالرغم أنه كانت هناك أسباب ودوافع عديدة لظهور وضع الحديث والكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أنه لا يهمنا منها هنا سوى العامل السياسي وما يتضمن من اختلافات وصراعات حول زعامة الأمة الإسلامية ، وإبراز دوره في التأثير على هذه الظاهرة .
 

- ص 210 -

ويتفق جميع من تطرق إلى هذه المسألة أن الدوافع السياسية كانت أخطر أسباب ظهور ظاهرة الوضع ، ولكنه من غير المقبول أن يرمى هذا الإثم - كما يزعم بعضهم - على فئة معينة من

المسلمين دون غيرها ، وتبرئة الجيل الأول منه براءة تامة وكأنهم كانوا من المعصومين الذين يستحيل عليهم الكذب والخطيئة .


فهذا عبد الفتاح أبو غدة على سبيل المثال يعزي ظهور وضع الحديث إلى الظروف التي رافقت مقتل عثمان حيث ( ذرت الفتن قرنها ، وبدأت الأهواء تأخذ إلى النفوس الضعيفة

طريقها ، وظهر في تصرف بعض الناس الذين لم يخطوا بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشاهدته ألوان من التعصب ، ودبت الخلافات والتفرقة في الصفوف ، وقامت الفرق والمبتدعة بالتحزب والتأويل ) ( 1 ) .


فهل أن العصر الذي سبق مقتل عثمان وهو عصر الصحابة كان بريئا " من هذه الآفة ؟

وهل أن من طال به العمر من الصحابة بعد مقتل عثمان لا يحتمل عليه الكذب والوضع ؟


وما بيناه من شواهد سابقة فيه إجابة كافية على هذا التساؤل ، فمخالفة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والعمل ، أثناء حياته وبعده ، وسبهم لبعضهم بعضا ، بل

وتهديدهم لبعضهم بالقتل ، وظهور النزعات القبلية بينهم ، وسل السيوف في وجوه بعضهم بعضهم في الجمل وصفين ، وما تبع ذلك كله من مآسي فيه ما يفند ذلك الزعم .


ومن أمثلة ضلوع المهاجرين والأنصار بوضع الحديث هو رواية كل منهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يشير إلى علو منزلتهم وخصهم ببعض الامتيازات ، فكما أنهم وضعوا

الأحاديث في فضل المهاجرين والقرشيين كالذي روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( الناس تبع لقريش ، وأن هذا الأمر فيهم ما بقي
 

 

 ( 1 ) عبد الفتاح أبو غدة ، لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث ، ص 46 - 47 . ( * )

 

 

- ص 211 -

منهم اثنان ) ( 1 ) .

وفي رواية أخرى : ( الناس تبع لقريش في الخير والشر ) ( 2 ) .

وعن أبي هريرة : ( الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم ) ( 3 )


فقام بعض الأنصار في مقابل هذه الروايات بوضع أحاديث في فضلهم ونسبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . من ذلك : ( الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ، فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ) ( 4 ) .


ومن الأمثلة التي كانت لها علاقة بالصراع السياسي الذي جرى بين المهاجرين والأنصار في السقيفة ما جرى لسعد بن عبادة زعيم الأنصار، والذي أخرج إلى بلاد الشام ( وقيل أنه خرج

لكراهته عمر بن الخطاب عندما صار خليفة ) حيث قتل هناك بتدبير مدبر . إلا أن قاتليه أشاعوا بأنه قتل على يد الجن ( ! ) وأذاعوا على لسان جني أنه قال : ( نحن قتلنا سيد

الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده ) . وبالفعل فقد انتشرت خرافة قتل الجن لسعد ، ودونها رجال الحديث والتاريخ فيما دونوه من حوادث ذلك العصر ( 5 ) .


وقد كان للحكام الأمويين الدور الأكبر في تشجيع وضع الحديث وتزويره ، حيث كتب معاوية بعد صلحه مع الحسن بن علي إلى جميع ولاته وعماله : ( أن برئت الذمة ممن روى شيئا "

في فضل أبي تراب ( يعني علي ) وأهل بيته . . . ) ( 6 ) ، فكان من نتيجة ذلك ملاحقة الموالين لأهل البيت وتعذيبهم وتقتيلهم ، وفي نفس الوقت أوصى معاوية ولاته وعماله بإكرام من يروون في فضل عثمان وصحبه ، والإغداق عليهم . وبالطريقة كان
 

 

 ( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ج 4 ص 481 .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) صحيح البخاري ، كتاب الفضائل ، باب حب الأنصار من الإيمان ج 5 ص 84 .
( 5 ) هاشم معروف الحسني ، الموضوعات في الأخبار والآثار ، ص 124 .
( 6 ) المصدر نفسه ، ص 115 . ( * )

 

 

- ص 212 -

الأمويون يشجعون على وضع الأحاديث في فضائل عموم الصحابة لا سيما أبا بكر وعمر - كما سنرى في موضع لا حق - وذلك لرفع منزلتهم فوق منزلة أهل البيت عليه السلام ويقول

ابن عرفة المعروف بنفطويه في هذا الصدد : ( إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا " إليهم بما يظنون إنهم يرغمون فيه أنوف بني هاشم ) ( 1 ) .


وقد روي أن عبد الله بن الزبير الذي بويع له خليفة في فترة من الفترات مكث أربعين جمعة أيام خلافته يخطب الناس ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسئل عن سبب ذلك فأجاب : ( إن له أهل سوء إذا ذكرته شمخوا بآنافهم ) ( 2 ) .


ويقول أحمد أمين في ( ضحى الإسلام ) مؤكدا " هذه الحقيقة : ( أن الأمويين قد وضعوا ووضعت لهم أحاديث تخدم سياساتهم من نواحي متعددة ، منها أحاديث في زيادة مناقب عثمان

إذ كان هو الخليفة الأموي من بين الخلفاء الراشدين وهم به أكثر اتصالا من غيره ، مثل حديث : أن عثمان تصدق بثلاثمئة بعير بأحلاسها وأقتابها في جيش العسرة ، فنزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المنبر وهو يقول : ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم ) ( 3 ) .


ومن الأحاديث التي وضعت في معاوية ولا يزال يذكرها بعض المتعصبين المعاصرين لبني أمية على أنها صحيحة كعبد المتعال الجبري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه : ( اللهم اجعله هاديا " مهديا " واهد به ) ( 4 ) .
 

 

 ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 3 ص 13 .
( 2 ) هاشم معرون الحسني ، الموضوعات في الآثار والأخبار ، ص 117 .
( 3 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ص 123 .
( 4 ) عبد المتعال الجبري ، حوار مع الشيعة حول الخلفاء الراشدين وبني أمية ، ص 222 نقلا " عن كتاب المناقب للترمذي . ( * )

 

 

- ص 213 -

( اللهم علمه الكتاب والحساب وقه والعذاب ) ( 1 ) .

قال الجبري : ورواة هذا الحديث أكثر من أن يحصوا ( 2 ) ! ! .

( لا تذهب الأيام والليالي حتى تجتمع الأمة على معاوية ) ( 3 ) .

( أول جيش يغزو مدينة قيصر - يعني القسطنطينية - مغفور لهم ) ( 4 )

وفي رواية أخرى : ( أول جيش يغزو الروم مغفور لهم ) ( 5 )


وهو إشارة إلى الغزوة المزعومة التي أرسلها فيها معاوية ابنه يزيد على رأسها لغزو القسطنطينية . ولأن أغلب المحققين أكدوا على أنه لم يصح من الأحاديث التي رويت في

فضائل معاوية شئ سوى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليه ولعنه ( 6 ) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه : ( لا أشبع الله بطنه ) ( 7 ) ، فقد قام الوضاعون ضمن

جهودهم لتبييض صحيفة معاوية وتبرئته مما دعا به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليه بنسب الحديث التالي المروي عن أبي هريرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( اللهم

إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له زكاة ورحمة ( 8 ) - وفي رواية أخرى : فاجعل ذلك له قربة ، وفي رواية ثالثة : كفارة ، يوم القيامة ) ( 9 ) .

 

 

( 1 ) المصدر نفسه .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، نقلا " عن كتاب البداية والنهاية ج 8 ص 123 .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) المصدر نفسه ، ص 123 ، نقلا " عن البداية والنهاية ص 219 .
( 6 ) راجع قسم 3 فصل 1 من هذا الكتاب .
( 7 ) أنظر المصادر في موقع سابق .
( 8 ) صحيح مسلم ، كتاب البر والصدقة والأب ، باب من لعنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ج 5 ص 458 .
( 9 ) المصدر نفسه . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب