- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 177 :

 11 - الإمام الحسن بن علي عليه السلام


ولد في الثامن من ربيع الثاني سنة 232 للهجرة في المدينة المنورة ، وعاصر خلافة كل من المعتز ، المهتدي ، والمعتمد ، ودامت فترة إمامته ست سنوات .

واشتهر بلقب العسكري نسبة إلى عسكر ويراد بها سر من رأى ( أو

- ص 178 -

سامراء ) التي بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره . وكانت نسبة الإمام إليها منذ أن أجبر الخليفة المتوكل الإمام وأباه الهادي عليه السلام الإقامة فيها ، فنسبا إليها ، فأحيانا " يوصفا ( بالعسكريين ) ( 1 ) .


واشتدت رقابة العباسيين للإمام الحسن العسكري أكثر مما كانت على أبيه وذلك لتعاظم قوة الشيعة في العراق ، ولعلم الخلفاء العباسيين من خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله

وسلم وما تناقلته الأجيال من معتقدات الشيعة أنه سيولد للإمام ولد يقضي على كل الحكومات المستبدة .


ولذلك فإنه عندما ولد للإمام الحسن ابنه محمد ، فقد أخفى خبر ولادته عن عموم الناس ، فضلا " عن العناية الإلهية التي أحاطت المولود بالحفظ والستر حتى فشلت السلطة في استقصاء الأمر .

وتوفي الإمام في الثامن من ربيع الأول سنة 260 للهجرة وعمره 28 عاما " بعد أن اشتد به المرض في عهد الخليفة المعتمد .


ولم يستبعد أن اشتداد المرض عليه كان بتأثير سم قد دس إليه عن طريق أيدي السلطة الآثمة ، وذلك نظرا " لصغر عمره عند وفاته وتخوف العباسيين منه لا سيما أنه كان قد سجن عدة مرات مع أنصاره وخطط لقتله .


ودفن بجانب ضريح والده الإمام علي الهادي عليه السلام في سامراء شمال العاصمة العراقية بغداد .
 


 12 - الإمام محمد بن الحسن ( المهدي )

ولد في الخامس عشر من شعبان سنة 255 للهجرة بمدينة سامراء في عهد الخليفة المهتدي العباسي ، وأشهر ألقابه : المهدي ، القائم ، المنتظر ، الحجة ، صاحب الزمان .


وقد امتدت فترة إمامته منذ تسلمه مقاليدها سنة 260 للهجرة ولغاية أيامنا هذه وإلى أن يشاء الله جل وعلا .

 

 ( 1 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ، ج 2 ص 94 . ( * )

 

 

- ص 179 -

ذلك أنه وعند وفاة والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فقد اقتضت الحكمة الإلهية تغييبه عن العيون وحفظه لحين ظهوره على الملأ في موعد مستقبلي يختاره الله سبحانه وتعالى ،

تكون الظروف فيه مؤاتية لإعلان دعوته وقيادة الأمة نحو النصر النهائي لرسالة الإسلام مصداقا " للوعد الإلهي : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) [ الأنبياء / 105 ]


وقوله تعالى : ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) [ التوبة / 32 - 33 ] ،


وقوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) [ القصص / 5 ] .


وقد انتقلت الإمامة إليه عند وفاة والده وكان له من العمر خمس سنوات شأنه في ذلك شأن النبي يحيى عليه السلام الذي تسلم مقاليد النبوة والحكم وهو صبي : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " ) [ مريم / 12 ] ،


وهذا أقل إعجازا " من تسلم نبي الله عيسى عليه السلام النبوة وهو لا يزال رضيعا " : ( فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " ، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " ) [ مريم / 29 - 30 ] .


وما يثبت هوية الإمام محمد المهدي من السنة النبوية قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي )
( 1 ) .


ومن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضا ما يوضح مهمته : ( لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما " وجورا " وعدوانا " ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا " وعدلا " كما ملئت ظلما " وعدوانا " ( 2 ) ،


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لو لم يبق من الدنيا إلا
 

 

 ( 1 ) صحيح الترمذي ج 9 ص 74 ، مسند أحمد ج 1 ص 376 .
( 2 ) المستدرك للحاكم ج 4 ص 557 ، مسند أحمد ج 3 ص 36 . ( * )

 

 

- ص 180 -

يوم لطوله الله عز وجل حتى يملك رجل من أهل بيتي ، يملك الديلم والقسطنطينية ) ( 1 ) .


ومن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضا " ما يثبت إنه يظهر قبل نزول عيسى عليه السلام : ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ) ( 2 )


وقال الحافظ في شرحه لهذا الحديث : ( تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى بن مريم سينزل ويصلي خلفه ) ( 3 ) .


ولذلك فإن الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ليس خاصا " بالشيعة ، فأهل السنة مجمعون على الإيمان به وإن خالف غالبيتهم ما يعتقده الشيعة بما يتعلق بمولده سنة 255 للهجرة وقالوا بأنه

سيولد في آخر الزمان ، والفتوى التي أصدرها المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والمؤرخة في 31 آيار 1976 تمثل موقف أهل السنة في عصرنا حول هذه المسألة

وهذا نصها ( المهدي عليه السلام هو محمد بن عبد الله الحسني ، العلوي ، الفاطمي ، المهدي ، الموعود ، المنتظر ، موعد خروجه في آخر الزمان ، وهو من علامات الساعة الكبرى

يخرج من المغرب ويبايع له في الحجاز في مكة المكرمة ، بين الركن والمقام ، بين باب الكعبة المشرفة والحجر الأسود الملتزم .


ويظهر عند فساد الزمان وانتشار الكفر وظلم الناس ، ويملأ الأرض قسطا " وعدلا " كما ملئت ظلما " وجورا " ، يحكم العالم كله وتخضع له الرقاب بالإقناع تارة وبالحرب تارة

أخرى وسيملك الأرض سبع سنين وينزل عيسى عليه السلام من بعده ، فيقتل الدجال ، أو ينزل معه فيساعده على قتله بباب لد بأرض فلسطين .


وهو آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر
 

 

 ( 1 ) صحيح ابن ماجة ، باب الجهاد .
( 2 ) صحيح مسلم ، باب نزول عيسى ج 1 ص 373 .
( 3 ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ج 5 ص 362 . ( * )

 

 

- ص 181 -

النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهم في الصحاح . . . وأن الاعتقاد بخروج المهدي واجب لأنه من عقائد أهل السنة والجماعة ، ولا ينكره إلا جاهل بالسنة ومبتدع في العقيدة ) .


ومن علماء أهل السنة الذين وافقوا معتقد الشيعة بولادة الإمام المهدي لأبيه الإمام الحسن العسكري سنة 255 للهجرة وأنه لا يزال حيا " يرزق منذ ولادته :

 1 - كمال الدين بن طلحة في كتابه : ( مناقب السؤول في مناقب آل الرسول ) .

 2 - محمد بن يوسف الكنجي في كتابه : ( البيان في أخبار صاحب الزمان ) .

 3 - نور الدين بن الصباغ في كتابه : ( الفصول المهمة ) .

 4 - سليمان القندوزي في كتابه : ( ينابيع المودة ) .

 5 - شمس الدين سبط بن الجوزي في كتابه : ( تذكرة الخواص ) ، وغيرهم .


وقد كانت غيبة الإمام المهدي عليه السلام عن الأنظار على مرحلتين : المرحلة الأولى : وتسمى الغيبة الصغرى والتي بدأت منذ وفاة والده وتسلمه الإمامة سنة 260 للهجرة ، وكان

يمكن للناس خلال هذه المرحلة الاتصال به عن طريق نواب خواص عينهم الإمام ليكونوا حلقة الوصل بينه وبين أتباعه ، ولينقلوا لهم إجاباته وتوجيهاته .


ودامت الغيبة الصغرى 69 عاما تخللها أربعة ، نواب خواص وهم على التوالي : عثمان بن سعيد العمري ، محمد بن عثمان العمري ، حسين بن روح النوبختي ، وعلي بن محمد السمري .

المرحلة الثانية : وتسمى الغيبة الكبرى والتي بدأت سنة 329 للهجرة ولا زلنا نعيشها في أيامنا وإلى أن يشاء الله .
 

وتحولت عند بداية هذه المرحلة النيابة الخاص إلى النيابة العامة المتمثلة بفقهاء الشيعة ومجتهديهم المؤهلين من نواحي العدالة والأعلمية والخبرة ويطلق عليهم اسم مراجع الدين ومفردها المرجع الديني لرجوع الناس إليهم في أخذ الفتوى والإرشاد . ويتم وصول
 

- ص 182 -

المجتهد المؤهل إلى مرتبة المرجعية من خلال تأييد الناس والمؤسسات الدينية له ، ويمكن تواجد أكثر من مرجع واحد في نفس الوقت .


وأما على صعيد السياسة والحكم في ظل الغيبة الكبرى ، يجوز لأي من الفقهاء المؤهلين إقامة الحكومة الإسلامية أو قيادتها وعلى بقية الفقهاء أو المراجع التأييد والمناصرة .


وأما شكل هذه الحكومة وصلاحياتها وحدود سيادتها ، فإنها من الأمور الواقعة تحت اجتهاد الفقهاء في كل عصر ، وليس لها صيغة ثابتة .


وتعتبر شرعية الجمهورية الإسلامية في إيران مستمدة من هذا الأصل الفقهي عند الشيعة ، وإن كان الفقهاء يختلفون حول بعض المسائل الفرعية أو التفصيلية المتعلقة بهذا الأمر .


وبالإضافة لكل ما سبق ، فإنه يثار أيضا " حول الإمام المهدي عليه السلام وغيبته تساؤلات عديدة لا بد من التطرق إليها ، وأهمها ما يلي :

أولا " : لماذا يغيب الإمام وقد نصب لحفظ الدين وهداية الناس ؟

ثانيا " : كيف يمكن له أن يعش هذا العمر الطويل ؟

ثالثا " : ما هي علامات ظهوره ؟


ونحاول فيما يلي الإجابة عن هذه التساؤلات الثلاثة بإيجاز :

أولا " : أسباب الغيبة: إن من أوضح الأسباب التي يمكن بها فهم الحكمة الإلهية التي اقتضت غيبة الإمام المهدي هو تخطيط السلطات العباسية لقتله ، وكان هذا واضحا " من خلال

إصرارهم في البحث عن أي مولود للإمام الحسن العسكري عليه السلام أثناء مرضه ، والاستقصاء حتى بشأن زوجاته وجواريه إن كان أي منهن فيها حمل .


 وإذا علمنا أن الإمام المهدي هو آخر الأئمة الاثني عشر والذي وعد الله بأن يتم نوره وينشر عدله في جميع أرجاء المعمورة بظهوره ، فإنه سيزول جزء كبير من استغرابنا حول هذه المسألة

- ص 183 -

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعقد المقارنة أمته وبني إسرائيل بقوله : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا " شبرا " ، وذراعا " بذراع ، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم ، فسأله

أحدهم : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ) ( 1 ) وقد نزل قوله سبحانه وتعالى بحق بني إسرائيل : ( قل فلم تقتلون أنبياء الله إن كنتم مؤمنين ) [ البقرة / 91 ]

وقوله تعالى : ( ويقتلون النبيين بغير حق ) [ آل ، عمران / 21 ] ، وما قيل في ذلك أن بني إسرائيل قتلوا أربعين نبيا " .


وأما حكام أمة محمد فإنهم قتلوا أحد عشر إماما " كل واحد منهم كان أتقى أهل زمانه وأعلمهم ، فضلا " عن قتل الآلاف من أنصارهم كشهداء كربلاء وحجر بن عدي وأصحابه وسعيد بن جبير وغيرهم الكثير .


وهكذا ، فقد استمرت غيبة الإمام على مر العصور لاستمرار الظروف ذاتها المواتية لسفك دمه الطاهر على أيدي ملوك المسلمين وسلاطينهم ، ولكان ذلك بمرأى ومسمع ورضا من سواد

الأمة الأعظم كما حصل ذلك من قبل في تعذيب المسيح عليه السلام وقتل الحسين وغيرهم من أولياء الله وحججه ، فيكون الناس هم الذين حرموا أنفسهم من الانتفاع من الوجود الظاهري

للإمام المهدي بينهم كما حرمت الأمم السابقة نفسها من الانتفاع من الوجود الأنبياء والرسل الذين أرسلوا لهدايتهم .


وهذه سنة ثابتة أودعها الله في خلقه : ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) [ هود / 28 ] .



ثانيا " : تفسير العمر الطويل : يبلغ عمر الإمام المهدي في اليوم عام ( 1418 ه‍ 1997 ) 1162 عاما " ، الأمر الذي يستبعده المخالفون ويسخر منه المنكرون . ولكن لو تصفحنا آيات القرآن الكريم لوجدنا شواهد عديدة على طول عمر أولياء الله وأنبيائه . فهذا
 

 

 ( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الفتن ، ج 9 ص 144 . ( * )

 

 

- ص 184 -

النبي نوح عليه السلام قيل إنه عاش 2500 سنة قضى منها في الدعوة تسعمائة وخمسين : ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ) [ العنكبوت / 14 ] .


وأما أهل الكهف النيام : ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ) [ الكهف / 25 ]

وأمد الله كذلك في عمر عيسى والخضر عليه السلام آلاف السنين ولا يزالا أحياء ، وحتى أن إبليس قد أعطي مثل ذلك : ( فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) [ الحجر / 37 - 38 ] .


وحسب بعض الروايات ، فإن آدم وإدريس وهود عمروا ما يزيد عن 900 سنة ، بل إن معدل أعمار قوم هود كانت 400 سنة .


وأما من الناحية العلمية : ، فليس هناك أي دليل يقول باستحالة إطالة عمر الإنسان لمئات السنين ، بل ثبت مخبريا " أنه يمكن للإنسان تطويل عمره دون حد إذا كان مراعيا " لقواعد التغذية المثالية ، ومحصنا " بالأدوية والمعالجات الصحيحة ضد العوارض والأمراض .


وقد وجد في زماننا أفراد عاشوا أكثر من 170 عاما " ، وتجد دولا " متقدمة علميا " كاليابان يزيد معدل عمر سكانها عن الثمانين عاما " في الوقت الذي تجد فيه هذا المعدل لا يتجاوز الخمسين عاما " في بعض الدول الإفريقية .


ثالثا " : علامات الظهور : يفهم من الروايات الكثيرة المتعلقة بالإمام المهدي المنتظر بوجود علامات تنبي بظهوره ، وهي على ثلاثة أنواع كما يلي :

الأول : علامات كونية كالنداء أو الصيحة التي تنطلق من السماء ، وخسف البيداء ، والخسوف والكسوف في غير أوقاتهما وغير ذلك من الآيات السماوية أو الطبيعية .
 

الثاني : علامات متعلقة بشخصيات كخروج السفياني ، والدجال ، واليماني ، والخراساني ، وقتل عبد الله والنفس الزكية وغيرهم . وهذان النوعان من العلامات قد كثر الوضع في الروايات القائلة بهما ، وما صح منها من الممكن أن يحمل تفسيرها على عدة وجوه .
 

- ص 185 -

الثالث : علامات اجتماعية كانتشار الظلم والجور ، وتسلط الحياة الجاهلية وظهورها بعقائدها وحضارتها الساقطة ، والتقدم العلمي الهائل ، والحروب والفتن المدمرة وغياب الأمن والسلام،

وكذلك الغلاء والتدهور الاقتصادي وانتشار المجاعات ، وظهور الكذابين والدجالين المدعين للإصلاح ، وبروز الحركات والقيادات والدعوات الإصلاحية التي تنادي بالتخلص من الجاهلية المدعومة بقوي المادة والعدوان .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب