- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 174 :

 9 - الإمام محمد بن علي عليه السلام


ولد في ليلة التاسع عشر من رمضان سنة 195 للهجرة في بغداد ، وعاصر خلافتي المأمون والمعتصم . وأشهر ألقابه الجواد والتقي ودامت إمامته لسبعة عشر عاما " .


وقد أثارت مسألة انتقال الإمامة إلى الإمام محمد الجواد جدلا " كثيرا " بسبب صغر سنه حين تسلمه الإمامة ، حيث كان عمره عند وفاة والده الإمام علي الرضا عليه السلام ثماني سنوات

أو عشر حسب اختلاف الروايات . ويذكر بعض المؤرخين أن الشيعة حاروا واضطربوا ووقع بينهم الخلاف والانقسام بسبب هذا الحدث ( 1 ) .


وبالرغم من ذلك ، فإن أغلب الشيعة قبلوا إمامته واحتجوا كما يذكر الشيخ المفيد وهو من أعظم علماء الشيعة الكبار في القرن الرابع الهجري بأن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله

تعالى مع صغر السن لقوله تعالى بشأن عيسى عليه السلام : ( قالوا كيف نكلم من كان في المهدي صبيا ، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " ) [ مريم / 29 - 30 ] .

وبقوله تعالى بشأن يحيى عليه السلام : ( وآتيناه الحكم صبيا " ) [ مريم / 12 ] ، إلى قوله : وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه ، بطل ما تعلق به هؤلاء القوم،

على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات على الأئمة وخرق العادة لهم ، وفيهم بطل أصلهم الذي اعتمدوا عليه في إنكار إمامة الجواد عليه السلام ( 2 ) .


وتكررت هذه الحالة بشأن الإمام علي الهادي وهو عاشر الأئمة ، وآخرهم الإمام محمد المهدي عليه السلام .


وقد اقتضت الضرورة عند الموالين للمزيد من البحث والتحري بما يخص إمامة الجواد عليه السلام ، فاقدموا على اختباره في مواقف وحالات متعددة حتى تحقق لهم الاطمئنان بغزارة علمه وأهليته ، ولم يرفض إمامته
 

 

 ( 1 ) رسول جعفريان ، الحياة الفكرية والسياسة لأئمة أهل البيت ، ج 2 ص 103 .
( 2 ) الشيخ المفيد ، الفصول المختارة من العيون والمحاسن ، ص 256 . ( * )

 

 

- ص 175 -

منهم .

فالشيعة ينظرون إلى الإمامة باعتبارها قضية إلهية ، فتكون مسألة صغر عمر الإمام - كمسألة صغر عمر النبي - ليست هي القضية المهمة بالنسبة إليهم ، وإنما الأمر المهم في ذلك هو

الجانب الإلهي في علمهم وعملهم . ومن المعلوم أن الأئمة عليه السلام كانوا يجيبون على جميع الأسئلة التي تعرض عليهم ، وكان الأتباع والموالون يقبلون إمامتهم تبعا " لذلك بالرغم من وجود النص المسبق على إمامتهم ( 1 ) .


ويقول العلامة السبحاني : ( وليس عجيبا " تحمل أعباء الزعامة في أيدلوجية الرجل الإلهي ، فالأئمة الإلهيون كانوا متحلين منذ البداية ومن أجل أهداف معنوية بتربية خاصة ، ويخطون بكمالات ( معنوية ) لا توجد إطلاقا " في الأفراد العاديين .


ولقد تجلت لكل الناس هذه الكمالات في الإمام محمد الجواد عليه السلام من خلال مناقشاته ومناظراته عندما كان يلتقي بعلماء بغداد بحضور الخليفة المأمون ، والذي بلغ إعجابه به يوما

" أن زوجه ابنته أم الفضل لما رآه فيه من الفضيلة ، وبلوغ العلم ، والحكمة ، والأدب ، وكمال العقل مع صغر سنه وما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل زمانه ( 2 ) .


ثم انتقل الإمام بعد زواجه إلى المدينة المنورة حيث ربى خلال فترة إقامته فيها شخصيات علمية كثيرة ، وعندما استلم المعتصم مقاليد الحكم سنة 218 للهجرة ، استدعى الإمام إلى بغداد ليكون تحت مراقبته ، وخوفا " من شدة التفاف الناس حوله .


وقد انتقل الإمام إلى جوار ربه في التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة 220 للهجرة وكان عمره 25 عاما " ، حيث يعتقد بعض المؤرخين أن المعتصم قد دس إليه السم عن طريق زوجته أم الفضل .


ودفن بجوار جده الإمام موسى الكاظم عليه السلام بالقرب من بغداد .
 

 

 ( 1 ) رسول جعفريان ، الحياة الفكرية والسياسية لأئمة أهل البيت ، ج 2 ص 105 .
( 2 ) جعفر السبحاني ، مشهد من حياة أئمة الإسلام ، ص 69 . ( * )

 

 

- ص 176 -

 10 - الإمام علي بن محمد عليه السلام


ولد في الخامس عشر من ذي الحجة سنة 212 للهجرة بقرية من نواحي المدينة المنورة تدعى صربا ، ودامت إمامته لمدة 34 عاما " ، وكان أشهر ألقابه : الهادي والنقي .


وقد عاصر كلا " من المعتصم ، الواثق ، المتوكل ، المنتصر ، المستعين ، والمعتز . وكما يصفه المؤرخون فإنه كان فقيها " وإماما " متعبدا " ، وأطيب الناس مهجة وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب وأكملهم من بعيد ، إذا صمت علته هيبة الوقار ، وإذا تكلم سماه البهاء
( 1 )


وكانت سياسة الخلافة العباسية منذ عهد المأمون إلى ما قبل مجئ المتوكل إلى الحكم تقوم على أساس التمسك بمذهب المعتزلة والدفاع عنهم مما فسح المجال تلقائيا " بشئ من الحرية للشيعة

، ولكن بمجئ المتوكل إلى الحكم ، وانتهاجه سياسة الدفاع عن مذهب أهل الحديث ( 2 ) المناقض للمعتزلة ، ابتدأ التشدد والضغط من جديد على مذهبي الشيعة والمعتزلة ، واضطهاد أتباعهما .


وكانت فترة الأربعة عشر عاما " التي عاشها الإمام من حكم المتوكل بعد أن استقدمه إلى سامراء وأجبره على العيش فيها من أشد السنين التي مرت عليه ، وأذاقه الخليفة فيها أشد صنوف العذاب والمحن .


ويروي المسعودي أنه : ( سعي إلى المتوكل بالإمام محمد الجواد أن في منزله كتبا " وسلاحا " من شيعته ، وأنه عازم على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعة من الجند الأتراك ، وهجموا على داره ليلا " ، فلم يجدوا فيها شيئا " ، ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى ، ومتوجه إلى الله
 

 

  1 ) ابن أشوب مناقب آل أبي طالب ، ج 4 ص 401 .
( 2 ) مرت تفاصيل عن هذه الفرق والمذاهب في الفصل الخامس . ( * )

 

 

- ص 177 -

( تعالى يتلو آيات من القرآن ، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له : لم نجد في بيته شيئا " ، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة . وكان المتوكل حينها جالسا " في مجلس الشراب

وبيده الكأس ، فلما رأى الإمام هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه ، وقال له : أنشدني شعرا " ، فقال الإمام : إني قليل الرواية للشعر ، فقال المتوكل : لا بد ، فأنشده الإمام وهو جالس عنده :

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * فأودعوا حفرا " يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود تنتقل
قد طالما عمروا دورا " لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادخروا * فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا " معطلة * وساكنوها على الأحداث قد رحلوا

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته وبكى الحاضرون ، ثم أمر المتوكل برفع مائدة الشرب ، ثم رد الإمام إلى منزله مكرما " ) ( 1 ) .


وقد توفي الإمام في الثالث من شهر رجب سنة 254 للهجرة متأثرا " بسم الخليفة المعتز ، ودفن في سامراء شمال مدينة بغداد في العراق .

 

 

( 1 ) مروج المذهب للمسعودي ، ج 4 ص 11 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب