|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 146 :
|
خلافة أبي بكر
من الثابت أن عمر بن الخطاب وصف بيعة أبي بكر ب ( الفلتة )
ولكن - على رأيه - ( وقى الله شرها ) . وقد قال عمر بمقولته هذه نظرا "
للمشاحنات التي سبقت تلك البيعة وما بعدها ،
حيث كان تنازع المهاجرين والأنصار ، ثم تخلف العديد من
كبار الصحابة عن بيعة الخليفة أبرزهم علي الذي لم يبايع إلا بعد ستة شهور في
ظروف شرحت في موقع سابق .
ولكن ما يهمنا هنا إلقاء
الضوء على امتناع فاطمة الزهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وزوج علي
عليه السلام عن مبايعة الخليفة ، إلى أن ماتت وهي على هذه الحال ، بل
وهي غاضبة عليه وأوصت أن لا يصلي عليها ، ولا حتى أن
يحضر دفنها كما أخرج البخاري في الصحيح : ( . . . فغضبت فاطمة بنت رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم
فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر . . . فلما توفيت ، دفنها زوجها
علي ليلا " ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها )
( 1 )
.
ونحن بهذا المثال أمام احتمالين لا ثالث لهما :
فإما أن يكون أبو بكر هو الخليفة الواجب الطاعة ،
فتكون فاطمة قد ماتت ميتة جاهلية .
وإما أن فاطمة لم تمت ميتة جاهلية ، فيكون أبو
بكر ليس بخليفة واجب الطاعة .
فبالنظر إلى الاحتمال الأول ، نجد أن الزهراء عليه السلام من بين الذين لم
يتطرق إلى مسألة بشارتهم بالجنة أدنى شك ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة
الإنسان بكاملها في هذا الصدد ، وهي التي أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
: ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة )
( 2 )
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك : ( يا فاطمة
، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة )
( 3 )
وهي التي يغضب
| |
( 1 ) المصدر السابق ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب فاطمة ، ج 5 ص
75 .
( 2 ) المصدر السابق ، كتاب الاستئذان ، باب من ناجى بين يدي رسول الله
، ج 8 ص 202 .
( 3 ) المصدر السابق ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب فاطمة ، ج 5 ص
75 . ( * )
|
|
|
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغضبها ، وبالتأكيد على
كل من يغضبها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها
أغضبني )
( 1 )
، وليس مهما " هنا النظر
فيمن أغضب فاطمة بقدر ما هو مهم معرفة أن من يغضب الله ورسوله لغضبها ، لا يمكن
بأي حال من الأحوال أن تكون ميتتها جاهلية والعياذ بالله ، وهي من الذين نزل
بحقهم ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهركم تطهيرا " ) [ الأحزاب / 33 ] .
فلا يبقى أمامنا سوى الأخذ بالاحتمال الثاني .
خلافة علي
من المعلوم أن الأمة قديمها وحديثها أجمعت على صحة خلافة علي ، باستثناء فئة
خالفته ورفضت مبايعته ، بل حاربته وأحدثت فتنة وشكوكا " بين مسلمي ذلك الوقت .
ومن أبرز هؤلاء الخارجين عن طاعة الإمام هما
عائشة في موقعة الجمل ، ومعاوية في صفين كما مر تفصيل هاتين الحادثتين في قسم
سابق من هذا الكتاب .
فأما عائشة ، فقد تنبأ النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بخروجها عن طاعة إمام زمانها قائلا " : ( كأني بإحداكن قد نبحها كلاب
الحوأب وإياك أن تكونيها يا حميراء )
( 2 )
.
وفي رواية أخرى ، قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم : ( ليت شعري، أيتكن صاحبة الحمل الأديب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب ،
يقتل عن يسارها ، وعن يمينها خلق كثير )
( 3 )
.
وفي رواية ثالثة ، قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم : ( يا حميراء ، كأني بك تنبحك كلاب الحوأب ، تقاتلين علي وأنت له ظالمة )
( 4 )
.
وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه
السلام : ( يا علي إن وليت من أمرها - يقصد عائشة - فارفق بها )
( 5 )
.
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 82 .
( 2 ) تاريخ ابن كثير ، ج 6 ص 221 .
( 3 ) العقد الفريد لابن عبد ربه ، ج 3 ص
108 .
( 4 ) تاريخ ابن كثير ، ج 6 ص 221 .
( 5 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 82 . ( * )
|
|
|
ذلك أنه وأثناء مسير عائشة بجيشها نحو البصرة لاستنهاض
أهلها ضد الإمام علي عليه السلام ، مروا ببقعة ماء في الصحراء ، فنادى مناد :
ها قد وصلنا ماء الحوأب . فلما سمعت عائشة
ذلك صاحت : ردوني ، ردوني . ما أراني إلا راجعة . ثم
أخبرت محمد بن طلحة ما كان من تنبؤ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتحذيره لها
، فقال لها ابن طلحة : تقدمي رحمك الله ،
ودعي هذا القول . ثم جاءها عبد الله بن الزبير وحلف لها
بالله أن هذا المكان ليس بماء الحوأب ، ثم جاء لها بخمسين أعرابيا " من الذين
رافقوهم أثناء سيرهم وشهدوا لها زورا " بأن هذا المكان ليس بماء الحوأب كما
أمرهم ابن الزبير
( 1 )
.
ومن تنبوءات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن
الفتنة التي أحدثتها عائشة ما أخرجه البخاري في صحيحه ، عن عبد الله قال : (
قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا ، فأشار نحو مسكن عائشة فقال : هاهنا
الفتنة ، ثلاثا " ، من حيث يطلع قرن الشيطان )
( 2 )
.
وقد اعتبر الصحابي الجليل عمار بن ياسر أن من
أطاع عائشة في خروجها ، كان عمله هذا مقابل طاعة الله حيث قال : ( . . . ولكن
الله تبارك وتعالى إياه تطيعون أم هي )
( 3 )
.
وقيل إن الدافع الحقيقي لخروجها ضد الإمام هو كراهيتها الدفينة له منذ أن سمعته
يقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما دعاه ليستشيره في فراقها بشأن ما
أفتري عليها به ، وقد رآه مغموما " : ( يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ،
والنساء سواها كثير ) .
وبسبب هذه الضغينة ، فإنها كانت كما في إحدى الحوادث التي رواها البخاري لا
تطيق أن تذكر اسم الإمام على لسانها .
ولكنها ندمت على كل حال على خروجها ضده ، ولا ندري إن كانت قد بايعته بعد ذلك .
| |
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الخمس ، باب
ما جاء في بيوت أزواج النبي ، ج 4 ص 217 .
( 2 ) المصدر السابق ، كتاب الفتن ، باب الفتنة التي تموج كموج البحر ،
ج 9 ص 171 .
( 3 ) المصدر السابق ، كتاب التفسير ، باب لولا إذ سمعتموه ، ج 6 ص 252
. ( * )
|
|
|
وأما معاوية ، فقد كان
تنبأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ببغيه وعدوانه على إمام زمانه من المسلمات
التاريخية .
فعن خالد العرني قال :
دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا : يا أبا عبد الله حدثنا ما سمعت من
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفتنة . قال حذيفة : قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : دوروا مع الكتاب الله حيث ما دار
. فقلنا : فإذا اختلف الناس ، فمع من نكون ؟ فقال : أنظروا الفئة التي فيها ابن
سمية [ يعني عمار بن ياسر ] فالزموها، فإنه يدور
مع كتاب الله . . . ثم قال حذيفة : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : يقول لعمار : يا أبا اليقظان لن تموت حتى تقتلك الفئة
الباغية ، عن الطريق
( 1 )
.
وفي صحيح البخاري ، كان قوله صلى الله عليه وآله
وسلم : ( ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى
النار )
( 2 )
.
وقد صدقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
هذه عندما استشهد عمار في موقعة صفين وهو يقاتل الأمويين تحت راية الإمام علي
عليه السلام فهل بعد هذا القول من ريب حول
معاوية ومصيره، فكلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تحتمل أي معان أخر،
فعمار ومن معه طريقهم إلى الله ، وأعداؤهم البغاة الخارجين عن طاعة إمام زمانهم
طريقهم إلى النار .
ولم يكتف معاوية بالتمرد على الإمام ، بل نصب
نفسه خليفة خلال عهد خلافة علي ، وقد بايعه أهل الشام على ذلك ، ثم هاجم مصر
واقتطعها من خلافة الإمام ، كما هاجم مناطق أخرى عديدة في الجزيرة العربية وغرب
العراق ، ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا النوع من التجرؤ : ( إذا
بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )
( 3 )
.
| |
( 1 ) المصدر السابق ، كتاب الوضوء ، باب حب النبي صلى الله عليه وآله
وسلم وضوءه على المغمى عليه ، ج 1 ص 133 .
( 2 ) مستدرك الحاكم ، ج 2 ص 148 .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب الجهاد ، باب
مسح الغبار عن الرأس ، ج 4 ص 52 . ( * )
|
|
|
وفي رواية أخرى عن عبد
الرحمن بن عبد قال : دخلت المسجد ، فإذا عبد الله بن العاص جالس في ظل الكعبة ،
والناس مجتمعون عليه ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : ( . . . ومن بايع إماما " فأعطاه صفقة يده ،
وثمرة قلبه ، فليطعه إن استطاع ، فإذا جاء آخر ينازعه ، فاضربوا عنق الآخر ) .
قال الراوي : فدنوت من عبد الله وقلت له :
أنشدك الله ، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه ، وقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي .
فقلت له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل
أموالنا بالباطل ونقتل أنفسنا . . . قال : فسكت ابن
العاص ساعة ، ثم قال : أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله
( 1 )
.
وقال النووي في سياق شرحه
لهذه الحادثة أن الراوي اعتبر ( هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا " ، وكانت
قد سبقت بيعة علي ، فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه
في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه [ تعتبر ] من أكل
المال بالباطل ، ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق فلا يستحق أحد مالا " في
مقاتلته )
( 2 )
.
ومما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
معاوية عندما بعث إليه يوما " بن عباس يدعوه ، فوجده يأكل ، فأعاد النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ابن عباس إليه يطلبه فوجده يأكل - إلى ثلاث مرات - فقال
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا أشبع الله بطنه )
( 3 )
.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا " : ( .
. . أما معاوية فصعلوك لا مال له )
( 4 ) .
وفي موتته الجاهلية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه : ( يطلع من هذا
الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي ) فطلع معاوية
( 5 )
، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في معاوية وشريكه عمرو بن
| |
( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، ج 4 ص
519 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 511 - 12 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 512 .
( 4 ) المصدر السابق ، كتاب البر والصدقة والآداب ، باب من لعنة النبي
، ج 5 ص 462 .
( 5 ) المصدر السابق ، كتاب الطلاق ، باب المطلقة البائن ، ج 3 ص 693 .
( * )
|
|
|
العاص : ( اللهم أركسهما في الفتنة ركسا " ودعهما إلى
النار دعا " )
( 1 )
.
وما ينطبق على معاوية أيضا " قول النبي صلى الله
عليه وآله وسلم : ( من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية ، أو ينصر عصبية ، فقتله
جاهلية )
( 2 )
.
إن هذين المثالين كافيان لإثبات صحة خلافة الإمام
علي عليه السلام ، وأولويتها مقارنة بخلافة أبي بكر . فالخروج عن طاعة أبي بكر
لم يستلزم التهديد بسوء المصير ، بينما لزم ذلك بحق الخارجين عن طاعة علي .
وقد كان الأولى إثبات هذه الحقيقة مما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحق
الإمام نفسه وليس بحق مخالفيه .
أفلا يكفي أن يكون علي من أهل البيت عليه السلام الذين جعل الله جل وعلا التمسك
بهم مع كتاب الله بعد نبيه هداية وأمانا " للناس من الضلال ؟ وهو الذي قال فيه
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من كنت مولاه فعلي هذا مولاه ، اللهم وآل من
والاه ، وعاد من عاداه ) .
| |
( 1 ) تاريخ الطبري ، ج 11 ص 357 .
( 2 ) مسند أحمد ، ج 4 ص 421 . ( * )
|
|
|
|