|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 131 :
|
الفصل السابع : خلافة يزيد
استلم يزيد زمام الخلافة بعد وفاة أبيه عام 60 ه ، ولم تدم
خلافته سوى ثلاث سنوات ارتكب خلالها ثلاث جرائم من أجل إخضاع الأمة لإمارته ،
وكانت كل واحدة من هذه الجرائم كافية لوصم الخلافة الإسلامية وتاريخ المسلمين
بوصمة عار لا تمحى أبد الدهر .
فأما بالأولى فقد ذبح أهل بيت
النبوة عليه السلام ، وبالثانية استباح دماء أهل
المدينة المنورة وأغراضهم ، وبالثالثة قذف الكعبة
بالمنجنيق وحرقها .
وإليك بيان كل واحدة منها بشئ من التفصيل : ذبح أهل بيت
النبوة عليه السلام بعد أن أخذ يزيد بيعة أهل الشام ، كتب إلى عامله على
المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان : ( أما بعد ،
فخذ حسينا " ، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ،
أخذا " شديدا " ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام )
( 1 )
.
وقد كان رد الحسين عليه السلام على الوليد في مجلس عام : ( إنا أهل بيت النبوة
ومعدن الرسالة . . . ويزيد رجل فاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحرمة ومعلن
بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله )
( 2 )
، ثم مضى الحسين ومعه أهل بيته إلى مكة .
وهكذا فعل عبد الله بن الزبير ، وأما عبد الله بن عمر فقد كان خارج المدينة حين
وصول خبر موت معاوية ، وقال للحسين وابن الزبير حين
| |
( 1 ) تاريخ الطبري ، ج 6 ص 188 .
( 2 ) ابن الأعثم ، ج 5 ص 17 . ( * )
|
|
|
لقيهما أثناء توجههما نحو مكة : اتقيا الله ولا تفرقا
بين جماعة المسلمين ، وعندما وصل المدينة بايع يزيد
( 1 )
.
وكان توجه الحسين عليه السلام إلى مكة بوصفها قاعدة الإسلام الكبرى ، ومنها بدأ
يعلن من خلال اتصاله بالناس ضرورة رفض مبايعة يزيد .
وعندما سمع أهل الكوفة بأنباء معارضة الحسين عليه السلام ، بدأوا بإرسال رسائل
التأييد والمبايعة والاستعداد لاستقباله في العراق ، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم
بن عقيل ليستطلع
صدق نواياهم . وعندما وصل مسلم إلى الكوفة وتحقق من صحة الموقف أرسل إلى الإمام
: ( بايعك أكثر من 20 ألفا " من أهل الكوفة ، عندما يصلك كتابي عجل بالمسير )
( 2 )
.
وقيل إن عدد المبايعين وصل إلى 40 ألفا " ، فانطلق الإمام بحشد كبير متوجها "
نحو العراق .
وبالطبع فإن هذا التأييد الجماهيري الكبير الذي لاقاه مسلم بن عقيل قد ساء
الموالين للأمويين في الكوفة ، فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بالأمر ، وأن النعمان
بن بشير الذي تولى الكوفة بعد
موت زياد لا طاقة له على المقاومة ، فقرر يزيد عزله باستشارة من كاتبه وأنيسه
النصراني سرجون وتعيين عبيد الله بن زياد بدلا " منه وكانت أولى كلمات ابن زياد
لأهل العراق في
بداية حملة القمع والتخويف : ( لئن بلغني رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه
ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تسمعوا ولا يكون فيكم مخالف )
( 3 )
.
وقال مهددا " لكل من يستضيف مسلم بن عقيل في بيته : ( أيما عريف وجد عنده أحد
من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صلب على باب داره )
( 4 )
.
| |
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص
148 .
( 2 ) ابن الأعثم ، ج 5 ص 150 .
( 3 ) تاريخ الطبري ج 6 ص 200 .
( 4 ) عبد الرزاق الموسوي ، مقتل الحسين
، ص 150 ، نقلا " عن الإرشاد للشيخ
المفيد . ( * )
|
|
|
وعندما علم ابن زياد عن طريق أحد العيون عن نزول مسلم بن
عقيل عند هانئ بن عروة ، قام من فوره باستدعاء هانئ ثم حبسه وعذبه لرفضه تسليم
ابن عقيل له أو الإخبار عن مكانه.
ولدى علم ابن عقيل بما حدث لهانئ ، نادى بأصحابه وعبأ
أربعة آلاف وسار بهم نحو قصر ابن زياد ، ولكنهم بدأوا يتناقصون في الطريق حتى
وصلوا إلى ثلاثمائة عند وصولهم القصر،
ذلك أنه وأثناء مسيرهم ، كانت أبواق ابن زياد تدور على
دور الكوفة محذرة ومخوفة بقدوم جيش يزيد من الشام ، فرجع ابن عقيل دون حصول
مواجهة ، إلا أن ابن زياد تمكن من
ملاحقته واعتقاله ، ثم قام بقتله مع هانئ بن عروة ، ومثل
بجسديهما .
وعندما وصلت هذه الأخبار إلى الإمام الحسين عليه السلام
أثناء مسيره نحو العراق ، تيقن مما قاله له الفرزدق ( الذي كان متوجها " إلى
مكة قادما " من العراق ) قبل ذلك حين سأله
الإمام عن الوضع في الكوفة وكانت إجابته : ( قلوب الناس
معك وسيوفهم عليك ) ، فقام الإمام عليه السلام معلنا " لمرافقيه : ( أيها الناس
، لقد خذلنا شيعتنا ، فمن أراد منكم الإنصراف
فلينصرف ) . فتفرقوا من حوله يمينا " ويسارا " ولم يبق
معه سوى أهل بيته ونفر من أصحابه الذين رافقوه من مكة والمدينة . ( وبالنظر
لطبيعة الظروف السياسية الخاصة في تلك
الأيام تيقن الإمام أن حركة المعارضة هذه ستمنى بالفشل
العسكري ، ولكن من الواضح أن هذه الحرب الغير متكافئة بين الحسين والأمويين
كانت لها أسباب ودوافع معنوية أخرى لا يمكن فهمها أو تحليلها بالمنظار السياسي
المتعارف )
( 1 )
.
وهكذا واصل الإمام الحسين عليه السلام مسيره نحو الكوفة حتى
خرجت له كتائب ابن زياد وأجبرته على النزول في منطقة قرب الفرات تدعى كربلاء ،
وكان ذلك في الثاني من محرم
سنة 60 هجرية . ثم منع الماء عن الحسين وأصحابه وفشلت
جميع المفاوضات التي دارت هناك لسبعة أيام ، وكانت
| |
( 1 ) جعفريان ، الحياة
الفكرية والسياسة لأئمة أهل البيت ، ص 128 . ( * )
|
|
|
ترمي هذه المفاوضات إلى إقناع الحسين لأعدائه بالعدول
والتخلي عن تنفيذ جريمتهم ، في نفس الوقت الذي كان يحاول فيه قادة جيش ابن زياد
وعلى رأسهم عمر بن سعد بن أبي وقاص إقناع الحسين بالاستسلام ومبايعة يزيد .
وكان عمر بن سعد كارها " لقتال الحسين ، ولكن إمارة الري في
خراسان التي وعده بها ابن زياد في حالة إخضاعه للحسين قد أعمته عن رؤية الحق
والصواب .
وأما الحسين عليه السلام فقد كان موقفه النهائي : ( إني لا
أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما " ) . وفي غضون ذلك تحول 20
عشرون مقاتلا " من جيش الكوفة إلى
معسكر الحسين عليه السلام : وكان من أبرز المنضوين تحت
راية الحسين : الحر بن يزيد الرياحي الذي كان قائدا " لأولى الكتائب التي خرجت
لمواجهة الحسين قبل وصوله كربلاء .
وفي تلك الأثناء أيضا " ، كان ابن زياد يواصل إكراه
الكوفيين على الذهاب إلى المعسكر اليزيدي ، حتى وصل تعداد ما أرسله ثلاثين ألفا
" ، ولكن أكثرهم كانوا يهربون في منتصف
الطريق لكراهيتهم قتال الحسين ، ولم يشارك منهم في تلك
الجريمة سوى أربعة آلاف أو أكثر من ذلك على حسب روايات أخرى .
ويقول ابن قتيبة في ذلك : (
إن ابن زياد كان إذا بعث قائدا " وأرسل معه عددا " كبيرا " من الجنود إلى
كربلاء ، فإنهم يصلون هناك ولم يبق منهم إلا القليل ، كانوا يكرهون قتال الحسين
فيرتدعون فيتخلفون )
( 1 )
.
وهكذا ، فقد كان اشتباك الطرفين في العاشر من محرم بعد أن تقدم عمر بن سعد نحو
معسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير إني أول من رمى . ثم لحقه
في ذلك رجاله
، فلم يبق من أصحاب الحسين أحد إلا أصيب من سهامهم . فقال الحسين لأصحابه :
قوموا رحمكم الله إلى
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الأخبار الطوال
، ص 254 . ( * )
|
|
|
الموت الذي لا بد منه ، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم
( 1 )
، فحملوا حملة واحدة أدت إلى استشهاد العديد منهم . وكان الحر بن يزيد الرياح
أول من استشهد منهم . ثم أخذ القتال يتحول
إلى مبارزات فردية ، وأحيانا " كان الرجلان أو الثلاثة أو الأربعة يغيرون على
الكوفيين أحدهم يضرب والآخر يحمي ظهره ، فكان قتلى ابن زياد أكثر بكثير من
شهداء الحسين ،
حتى صاح عمرو بن الحجاج الذي هاله ما رأى من كثرة قتلاهم : إنكم تقاتلون شجعان
العرب وقوما " مستميتين لا يبرز إليهم أحد إلا قتلوه
( 2 )
. . . حتى قالوا : قاتلوا من مرق عن الدين وفارق الجماعة !
( 3 )
.
فحمل جيش ابن زياد حملة واحدة على الإمام وأصحابه ، فاستشهدوا واحدا " تلو
الآخر حتى سقطوا جميعا " شهداء ، بمن فيهم طفل الحسين الرضيع . والذي كان
الإمام عليه السلام قد
حمله ليستعطف قلوب القوم وطلب منهم أن يسقوه شربة ماء ، ولكنهم بدلا " من ذلك
صوبوا إلى عنقه سهما " ، ثم واصل القتلة وحشيتهم بتقطيع رؤوس الشهداء ، وحملوها
هدايا
يتقاسمونها هدايا فيما بينهم ، ثم رفعوها على رؤوس رماحهم متوجهين بها إلى ابن
زياد في الكوفة لأخذ الأجر والمكافأت ، والذي بدوره أرسلها إلى يزيد بن معاوية
في الشام ومعها
نساء أهل البيت عليه السلام سبايا ، وفي اليوم الأول من صفر ، وصل ابن زياد
ورجاله دمشق ، وخرج الناس إليهم يستقبلونهم بالدفوف والبوقات ، وهم في فرح
وسرور ، وعندما
رأى يزيد السبايا والرؤوس على أطراف الرماح ، ضرب رأس الحسين بعصا الخيزران ،
ثم تمثل بأبيات ابن الزبعري :
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا " * ثم قالوا يا يزيد لا تشل
| |
( 1 ) تاريخ الطبري ج 4 ص 326 .
( 2 ) المصدر السابق ، ج 6 ص 249 .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص
182 . ( * )
|
|
|
قد قتلنا العزم من ساداتهم *
وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل
وفي أبيات أخرى أنشدها وهو جالس في منظرة على جيرون بالشام
:
لما بدت تلك الحمول وأشرقت * تلك
الرؤوس على شفا جيرون
نعب الغراب فقلت أو لا تصح * فلقد قضيت من الرسول ديوني
ومن الواضح أن الديون التي يقصدها يزيد في هذه الأبيات هي
مقتل العديد من أشياخه ( يعني أجداده ) في بدر بسيوف علي وحمزة .
وقد أفتى كل من سبط بن الجوزي
والقاضي أبو يعلى والتفتازاني والجلال السيوطي ، وجميعهم من أعلام أهل السنة
القدامى بكفر يزيد وجواز لعنه
( 1 )
استنادا " إلى هذه الأبيات وما جاء فيها من اعترافات صارخة لمن لم يكن ليفهم من
فضائح الأعمال !
وكان كما قاله ابن الجوزي : ( ولو لم يكن في قلب
يزيد أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل إليه وكفنه ودفنه وأحسن
إلى آل الرسول )
( 2 )
.
| |
( 1 ) روح المعاني للآلوسي ج 26 ص 73 .
( 2 ) من الجدير ذكره أن الإمام علي بن الحسين قام باسترجاع الرؤوس
وألحقها بالأبدان ودفنها . ( * )
|
|
|
|