- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 125 :

الفصل السادس : خلافة معاوية
وجاء الملك العضوض


وأخيرا " صفا الجو لمعاوية بعد مقتل الإمام علي عليه السلام وتسليم الحسن عليه السلام الخلافة إليه ، وعندما دخل الكوفة ، خطب بالناس هناك معبرا " عن حقيقة نواياه تجاه الخلافة

والحكم قائلا " : ( إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ) ( 1 ) . وبشأن ما صالح عليه الحسن عليه السلام قال : ( ألا وإن كل شئ أعطيته الحسن فتحت قدمي هاتين ) ( 2 ) .


والحقيقة فإن سلوك معاوية طوال مدة خلافة ، بل ومنذ أن ولاه الخليفة عمر بن الخطاب ولاية الشام ، في الولاية والحكم كان مصداقا " لسلوك الملك المستبد ، وهو لم يضع تحت قدميه معاهدة صلحه مع الإمام الحسن
 

 

( 1 ) تاريخ ابن كثير ، ج 8 ص 131 .                  ( 2 ) مقاتل الطالبيين للأصفهاني . ( * )

 

 

- ص 126 -

الولايات بسب الإمام ولعنه على المنابر في كل جمعة وعيد وقنوت الصلوات .


ويروي الجاحظ : ( إن معاوية كان يقول في آخر خطبته : اللهم أن أبا تراب [ يعني عليا " ] ألحد في دينك ، وصد عن سبيلك ، فالعنه لعنا " وبيلا " ، وعذبه عذابا " أليما " . وكتب

بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيام عمر بن عبد العزيز ، وأن قوما " من بني أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين ، إنك قد بلغت ما أملت ، فلو كففت

عن هذا الرجل . فقال : لا والله حتى يربو عليه [ سب الإمام ] الصغير ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلا " ) ( 1 ) .


وقال الزمخشري : إنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك ( 2 ) .


وروي أيضا " أنه عندما كتب معاوية إلى عماله أن يلعنوا عليا " على المنابر ففعلوا ، كتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معاوية : إنكم تلعنون الله ورسوله على

منابركم ، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه ، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله . فلم يلتفت معاوية إلى كلامها ( 3 ) .


وأخرج مسلم في صحيحه ( أن معاوية أمر سعد بن أبي وقاص فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب ( يعني عليا " ) ؟ فقال : أما ذكرت ثلاثا " قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه ، لئن تكون لي واحدة منها أحب إلي من حمر النعم ... إلى آخر ما قال ) ( 4 )
 

وفي صحيح مسلم أيضا " : ( استعمل معاوية على المدينة
 

 

( 1 ) الأميني ، الغدير في الكتاب والسنة والأديب ، ج 2 ص 102 .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) المصدر السابق ، ج 10 ص 260 .
( 4 ) صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب فضائل علي ، ج 5 ص 268 . ( * )

 

 

- ص 127 -

( مروان بن الحكم ) فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا " ، فأبى سهل . فقال مروان : أما إذا أبيت فقل لعن الله أبا التراب ، إنه كان ليفرح إذا دعي بها ) ( 1 ) .


وقد أقدم مروان بن الحكم وخلافا " للسنة النبوية على تقديم خطبة العيدين على الصلاة لأن الحضور كانوا يتفرقون بعدها لكراهيتهم سماع شتم مروان في خطبته لعلي عليه السلام .


وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : ( شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ( رضي الله عنهم ) ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة ) ( 2 ) .


وقال أبو سعيد الخدري : فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى ، إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن

يرتقيه قبل أن يصلي ، فجذبته بثوبه فجذبني . فارتفع فخطب قبل الصلاة . فقلت له : غيرتم والله . فقال مروان : قد ذهب ما تعلم . . . إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلت الخطبة قبل الصلاة ( 3 ) .


وكان معاوية في أحيان كثيرة يأمر بإنزال أشد العقاب بما في ذلك القتل بكل من يأبى شتم الإمام علي عليه السلام .

ومن ذلك ما يروى أنه عندما كان بسر بن أرطأة يشتم عليا " على منبر البصرة قال : نشدت الله رجلا " علم أني صادق إلا صدقني ، أو كاذب إلا كذبني . فقال أبو بكرة : اللهم لا نعلمك إلا كاذبا " . فأمر به ابن أرطأة فخنق ( 4 ) .
 


وحسبك في ذلك ما جرى لحجر بن عدي وأصحابه .

قتل حجر بن عدي وأصحابه روي أن زيادا " والي معاوية على العراق إذا خطب يوم الجمعة فإنه يكثر من مدح عثمان والانتقاص من علي مما كان يغضب له حجر بن عدي ،
 

 

( 1 ) المصدر السابق ، ص 274 .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب العيدين ، باب الخطبة بعد العيد ، ج 2 ص 42 .
( 3 ) المصدر السابق ، كتاب العيدين ، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر ، ج 2 ص 40 .
( 4 ) تاريخ الطبري ، ج 6 ص 96 . ( * )

 

 

- ص 4128 -

وأطال زياد يوما " في خطبة الجمعة وآخر الصلاة ، فقال له حجر : الصلاة ، فمضى زياد في خطبته . فخشي حجر فوات الصلاة فقام وأراد تأدية الصلاة ولحقه الناس ، فلما رأى زياد ذلك نزل وصلى بالناس .


ثم كتب إلى معاوية في أمر حجر وصحبه . فكتب معاوية إلى واليه أن شدهم في الحديد واحملهم إلي . وعند وصولهم إلى الشام في مرج عذراء قرب دمشق جاءهم رسول معاوية

وقال لهم : إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له ، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم . فقالوا : لسنا فاعلي ذلك ، وقاموا فصلوا . وقال حجر : أما والله لئن قتلتموني

بها [ مرج عذراء ] فإني لأول المسلمين كبر في نواحيها ، وأول فارس من المسلمين هلك في واديها [ فحجر بن عدي هو الذي قام بفتح منطقة مرج عذراء أيام خلافة عمر ] فقتلوه ،

وقتلوا ستة من أصحابه . وقال اثنان منهما : إبعثوا بنا إلى أمير المؤمنين ، فإنا نقول في علي مقالته ، فأذن لهما معاوية . فأما الأول فقد تبرأ من علي فعفا معاوية عنه . ونفاه إلى الموصل

، وأما الثاني وهو عبد الرحمن العنزي فقال لمعاوية : أشهد أن عليا " كان من الذاكرين لله تعالى كثيرا " ، ومن الآمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس . فرده معاوية إلى زياد وأمر أن يقتل شر قتلة ، فدفنه زياد حيا " ) ( 1 ) .


شرب الخمر

وقد أثبت هذه الحقيقة بعض رجال الحديث والسير ، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل في مسنده ، حيث روى عن عبد الله بن بريدة ، قال : ( دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش،

ثم أتينا بالطعام فأكلنا ثم أتينا بالشراب ، فشرب معاوية ثم ناول أبي ( فرده ) قائلا " : ما شربته منذ حرمه رسول الله ) ( 2 ) .
 

  ( 1 ) المصدر السابق ، ج 6 ص 155 - 60 .
( 2 ) مسند أحمد ج 5 ص 347 ، تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 211 . ( * )
 

 

- ص 129 -

أخذ البيعة للابن الفاجر يزيد بعد أن تم الأمر لمعاوية وقد تنعم بالملك سنوات طوال ، أراد أن يجعل الخلافة ملكا " خاصا " ببني أمية ، فقرر توريثها لابنه يزيد وأخذ تحضيره لذلك سنوات عديدة ( فلم يزل يروض الناس لبيعته ، يشاور ويعطي الأقارب ويداني الأباعد ) ( 1 ) .


وكما قال أبو الفرج الأصفهاني : ( أراد معاوية أخذ البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيئا " أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص ، فدس إليهما السم فماتا ) ( 2 ) .


وكان يثقل على معاوية لما كان يربطه بالإمام الحسن عليه السلام من عهد ينص على أن يكون الأمر من بعده للحسن وليس له أن يعهد بالخلافة لأحد ، ولما كان لسعد بن أبي وقاص

من مكانة مرموقة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الوحيد الباقي من الستة الذين كان عمر بن الخطاب قد رشحهم للخلافة بعده .


وأما يزيد فهو لم يتجاوز العشرين من عمره ، وكان كما أجمع المؤرخون شابا ماجنا مدمنا " على الخمر واللعب مع الكلاب والقرود ، وعديم الخبرة ولا يعرف من الدين شيئا " .


ونظرا " لوجود مثل هذه الصعوبات ، فقد أصر معاوية على أخذ البيعة لابنه من الناس قبل موته ، فبدأ يستقدم الوفود من البلاد لهذا الغرض ، وكان يهدد من يرفض ويجزل العطاء لمن

يبايع ، حتى أنه ولى بعضهم الإمارة كسعيد بن العاص على المدينة بعد عزله مروان عنها لتباطئه بأخذ البيعة من الناس ، وسعيد بن عثمان بن عفان على خراسان تسكينا " له بعد أن وجد فيه ميلا " للإمارة ، وثبت المغيرة بن شعبة بعد أن كان يخطط لعزله .
 

 

( 1 ) العقد الفريد في تاريخ الخلفاء ، ج 3 ص 130 - 31 .
( 2 ) أبو الفرج الأصفهاني ، مقاتل الطالبين ، ص 43 . ( * )

 

 

- ص 130 -

وعندما أراد أخذ البيعة من أهل الشام ، خطب فيهم وسألهم عن رأيهم فيمن يخلفه ، فقالوا : رضينا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فشق ذلك عليه وأسرها في نفسه .

ومرة ألم بعبد الرحمن مرضا " ، فأرسل إليه معاوية طبيبه الخاص وكان يهوديا " - وقيل هو ابن رثال النصراني - وسقاه بأمر من الخليفة سقية قتله بها ( 1 ) .


وبالنسبة لبيعة أهل العراق ، فقد تكفل بها كل من المغيرة بن شعبة والي الكوفة ، وزياد بن عبيد الله والي البصرة .


ثم ارتحل معاوية إلى الحجاز ومعه ألف فارس لأخذ البيعة من أهل مكة والمدينة بعد أن استعصى أمرهم على ولاته . وكان من كبار المسلمين الذين أبوا البيعة هناك : الحسين بن

علي ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر . فاجتمعوا في الحرم وقال المعارضون كلمتهم ، فقام معاوية خطيبا " وقد جعل على رأس كل من الأربعة

رجلين بسيفيهما فإن تكلم أحدهم بكلمة يرد بها عليه قتلاه ، وقال : ( إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله ) فبايع الناس ( 2 ) .
 

 

( 1 ) الإستيعاب ج 2 ص 396 ، أسد الغابة ج 3 ص 289 .
( 2 ) ابن الأثير ج 3 ص 216 - 18 ، العقد الفريد ج 3 ص 130 - 31 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب