- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 119 :

آخر أيام الإمام واستشهاده


ظل الإمام يحاول جاهدا " تجهيز جيش يسير به لإخماد التمرد والفساد في وكره بالشام ، إلا أن أهل العراق قد بدا منهم الضعف والتقاعس عن نصرته ، وعندما يئس من استنهاض

هممهم ، ولم يجد معهم حثه لهم على الجهاد في سبيل الله ، قام وخطب فيهم خطبة طويلة تفيض بالمرارة والتأسف لما آل إليه حال المسلمين وما سيؤول .


ونقتطف من خطبته هذه ما يلي : ( أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه

ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء . . . ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء ليلا " ونهارا " ، سرا " وإعلانا " ، وقلت لكم أغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم قط في عقر

دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان . . . فيا عجبا " ! عجبا " ! ، - والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ،

وتفرقكم عن حقكم . . . فقبحا " لكم وترحا " حين صرتم غرضا " يرمى ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون ! . . . يا أشباه الرجال ولا رجال

! . . . قاتلكم الله ، لقد ملأتم قلبي قيحا " ، وشحنتم صدري غيظا " . . . ، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي
 

- ص 120 -

طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب ، لله أبوهم ! وهل أحد منهم أشد لها مراسا " ، وأقدم فيها مقاما " مني ! لقد نهضت فيهم وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) ( 1 ) .


وصدق من قال إن الإمام علي " عليه السلام عاش في غير زمانه ، فكل من يتأمل أقوال الإمام وما صارت إليه الأحداث ، يتقين أن الإمام وصل إلى ما وصل إليه نبي الله نوح عليه

السلام عندما : ( قال رب إني دعوت قومي ليلا " ونهارا " ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا " ) [ نوح / 5 - 6 ] .


وأن استمرار وجوده بينهم لا يزيده إلا آلاما " وقهرا " ، وكأن الإمام في هذه الأحوال قد انتهت مهمته على وجه الأرض ، وحانت ساعة الرحيل عن هذه الدنيا .


وهكذا كان ، ففي غضون تلك الأيام كان نفر من الخوارج يجتمعون في مكة ويخططون لقتل الإمام .


ويروي المؤرخون هذه القصة كما يلي : حج ناس من الخوارج سنة 39 ه‍ ، وقد اختلف عامل علي وعامل معاوية فيمن يحج بالناس ، فاصطلح الناس على ثالث هو شبيب بن عثمان ، فلما

انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة ، فقالوا : كان هذا البيت معظما " في الجاهلية ، جليل الشأن في الإسلام ، وقد انتهك هؤلاء حرمته ، فلو أن قوما " منا شروا

أنفسهم لله فقتلوا هذين الرجلين ( علي ومعاوية ) اللذين قد أفسدا في الأرض ، واستحلا حرمة هذا البيت ، استراحت الأمة واختار الناس لهم إماما " ، فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي

لعنة الله : أنا أكفيكم أمر علي ، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي وهو البرك : أنا أقتل معاوية ، فقال عمرو بن بكر : والله ما عمرو بن العاص بدونهما ، فأنا به . فتعاقدوا على

ذلك ، ثم اعتمروا عمرة رجب ، واتفقوا على يوم واحدة يكون فيها وقوع القتل منهم في علي ومعاوية وعمرو ( 2 ) .
 

 

( 1 ) محمد دشتي : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة ، ص 21 خطبة رقم ( 27 ) .
( 2 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة ، ج 1 ص 179 - 80 . ( * )

 

 

- ص 121 -

وحسب هذا الموعد ، قعد ابن ملجم للإمام في مسجد الكوفة حين خروجه لصلاة الصبح ، وطعنه في رأسه الشريف أثناء سجوده بسيف مسموم ، فأصيب الإمام عليه السلام على أثر

ذلك إصابة بالغة أذنت معها ساعة الرحيل إلى الرفيق الأعلى بعد الحادثة بيومين في ليلة الجمعة من الحادي والعشرين من رمضان عام 40 ه‍ .

وقد أقتص من القاتل اللعين والذي كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد وصفه بأشقى الآخرين .

وأما البرك فإنه انطلق إلى الشام ، وعندما كان ميعادهم ، قعد لمعاوية عند خروجه لصلاة الصبح ، وقصد لضربه ولكن معاوية تمكن من الإدبار قليلا " فوقعت الضربة في أسفل إليته ،

وسببت له جرحا " شفي منه ولم تحدث له ضررا " سوى قطع نسله ، فقال : عندي يزيد وعبد الله ما يقر عيني وحسبي بهما ، وأمر بقتل البرك ( 1 ) .


وقيل إن معاوية لم يقتله وإنما قطع يده ورجله ، وذهب ليقيم بالبصرة وأن ابن زياد والي معاوية هناك هو الذي قام بقتله لما بلغه خبره ( 2 ) .


وأما الثالث فقصد عمرو بن العاص في مصر، ولما كانت ليلة الميعاد، لم يخرج عمرو لصلاة الصبح لألم في بطنه ، فصلى بالناس بدلا " منه ابن حذافة العدوي ، فقصده عمرو بن بكر التميمي وقتله ظنا " به أنه ابن العاص . ولما قبض عليه ، أخذ إلى عمرو بن العاص وقتله .
 

 

( 1 ) المصدر السابق ، ص 182 .                  ( 2 ) المسعودي مروج الذهب ج 2 ص 464 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب