|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 100 :
|
إيذاء خيرة الصحابة
لم تكن اعتراضات الناس ونقمتهم على الخليفة لمجرد إسناده
أهم مناصب الدولة لأقاربه ، والإغداق عليهم من بيت مال المسلمين ، وإنما أيضا "
للانتهاكات الخطيرة في تعاليم الإسلام
وآدابه ، والمظالم التي ارتكبت بحق خيرة صحابة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، لا سيما أبي ذر الغفاري ، وعبد الله بن مسعود ،
وعمار بن ياسر ، وإليك قصة ما حدث لكل واحد منهم :
1 - أبو ذر الغفاري وهو
الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم :( ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت
الغبراء أصدق من أبي ذر )
( 2 )
، ولكنه لاقى النفي إلى الشام لاعتراضه على
الخليفة عثمان في مسألة توزيع الأموال وتبذيرها على أقاربه ، ثم لاقى النفي مرة
أخرى ، ولكن هذه المرة إلى البادية في قرية تدعى ( الربذة ) خارج المدينة عقابا
" له من الخليفة
لاعتراضه على والي الشام معاوية بن أبي سفيان لاكتنازه الأموال وتبذيرها على
حساب بيت مال المسلمين .
ويروي زيد بن وهبة هذه الحادثة قائلا " : ( مررت
بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذر الغفاري ( رض ) فقلت له : ما أنزلك منزلك هكذا ؟
قال : كنت بالشام
| |
( 2 ) أسير ، هل قوت أبا ذر 4 ، ص 90 . ( * )
|
|
|
فاختلفت أنا ومعاوية في الآية (
والذين يكنزون الذهب والفضة وينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم )
[ التوبة / 34 ] . قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم.
فكان بيني وبينه في ذلك ، وكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب
إلي عثمان : أن أقدم المدينة فقدمتها )
( 1 )
.
وكانت شكوى معاوية إلى الخليفة أن أبا ذر قد أفسد
الناس بالشام ، حتى تعالت كلماته على لسان الناس في البيوت والطرقات : ( بشر
الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة )
( 2 )
.
2 - عبد الله بن مسعود وهو الذي كان صاحب
بيت المال في الكوفة ، وقد كان يعترض على والي الخليفة عثمان الوليد بن عقبة -
وهو أخوه لأمه - بسبب عدم إرجاعه المال الذي يستدينه
من بيت مال المسلمين ، ولكثرة إدمانه الخمر ، حتى أنه صلى الصبح بالناس أربع
ركعات وهو سكران ، ثم التفت إلى الناس وقال : أزيدكم ؟ ولكن عبد الله بن مسعود
هو الذي عوقب
أولا " من الخليفة لاعتراضه على الوليد حيث قال له عثمان : ( إنما أنت خازن لنا
)
( 3 )
ثم أمر غلمانه بضربه حتى لاقى كسرا " في أضلاعه . وبعد كثرة تذمر الناس من تصرف
الخليفة هذا ، أمر بإقامة الحد على الوليد
( 4 )
.
ومما يجدر ذكره أن الوليد بن عقبة كان من الذين
أسلموا بعد فتح مكة ، وكلفه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات مرة بجباية
صدقات بني المصطلق ، إلا أنه بعد أن
| |
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الزكاة ، ج 2
ص 278 .
( 2 ) خالد محمد خالد ، رجال حول الرسول
، ص 79 .
( 3 ) تاريخ الطبري ج 5 ص 134 .
( 4 ) صحيح مسلم ، كتاب الحدود ، باب حد
الخمر . الخلافة والملك للمودودي ص 67 -
68 . ( * )
|
|
|
وصل حدود المنطقة التي تسكنها هذه القبيلة خاف لسبب ما
ورجع إلى المدينة ، وكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقول أن بني
المصطلق رفضوا دفع الزكاة وأرادوا قتله ،
فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأرسل إليهم جيشا "
لقتالهم ، وكادت أن تقع واقعة كبرى لولا أن رؤساء بني المصطلق علموا بالأمر
وجاءوا إلى المدينة ليخبروا الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم أنه لم يأتهم أحد لجباية الزكاة ،
فنزل قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق
بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما " بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )[
الحجرات
/ 6 ] ، عندما أصبح عثمان خليفة ، عزل عن ولاية الكوفة
سعد بن أبي وقاص بطل القادسية ، وعين بدلا " منه هذا الفاسق .
3 - عمار بن ياسر وهو
الذي قام بالصلاة على عبد الله بن مسعود ودفنه دون إعلام الخليفة بذلك بناء على
وصية من ابن مسعود حتى لا يصلي عليه لما لقيه منه من أذى
( 1 )
.
وكان هذا العمل مما أغضب الخليفة ، إلا أن تصرف عمار الذي أثار حفيظة عثمان ضده
وجعله يعاقبه عليه أشد العقاب هو - كما يروي ابن قتيبة - تجرؤه بحمل كتاب
احتجاج ضد
الخليفة وأقاربه كتبه عشرة من الصحابة من ضمنهم المقداد، وذكروا فيه مخالفات
عثمان لسنة رسول صلى الله عليه وآله وسلم وسنة صاحبيه ( أبي بكر وعمر ) وما كان
من هبته لخمس
خراج إفريقيا لمروان وفيه حق الله ورسوله ، ومنهم ذوو القرابة واليتامى
والمساكين ، وما كان من تطاوله في البنيان ، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة
لأهله وبناته ، وبنيان مروان
القصور ، وما كان من الوليد في الكوفة إذ صلى بالناس الصبح أربعة وهو سكران
وتعطيله ثم تأخيره الحد عليه ، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شئ
ولا يستشيرهم ، وضربه ظهور الناس بالسياط وغير ذلك
| |
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ،
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد . ( * )
|
|
|
مما كتب في ذلك الكتاب الاحتجاجي والذي قام عمار بتقديمه
إلى الخليفة . فقال مروان : يا أمير المؤمنين ، إن هذا العبد الأسود قد جرأ
عليك الناس ، وإنك إن قتلته نكلت به من ورائه.
فقال عثمان لغلمانه : اضربوه ! فضربوه وضربه عثمان معهم
حتى فتقوا بطنه وغشي عليه ، فجروه حتى طرحوه على باب الدار ، فأمرت به أم سلمة
زوج النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فأدخل منزلها ، وغضب له بنو المغيرة وكان حليفهم ،
وغضب له أيضا " علي عليه السلام وكبار الصحابة ، حتى أن عليا " قال لعثمان : (
. . . فأنا أقول كما قال العبد الصالح
( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) [
يوسف / 18 ] . . إلى آخر الرواية )
( 1 )
.
وغضبت له عائشة أيضا " ، فكانت تحمل قميص النبي
صلى الله عليه وآله وسلم وتقول : ( هذا قميص النبي لم يبل وقد أبليت سنته ) إلى
أن قالت : ( اقتلوا نعثلا " فقد كفر )
( 2 )
.
كيف كان مقتل الخليفة ؟
مع كل تلك الممارسات التي قام بها عثمان وأقاربه بانتهاك كل الشرائع والسنن ،
فقد كان فضلاء الصحابة يحاولون نصح الخليفة ، ولكن دون جدوى ، وكانت تأتيه
الوفود من الأقاليم
تحمل معها رسائل احتجاج ومطالبات معينة ، فكانت ترفض بشدة في كل مرة ، ولا يعطي
الخليفة لها أية قيمة أو انتباه . فلم يكن مستغربا " بعد كل ذلك أن تثور ثورة
الثائرين ، والذين
تزعم حركتهم أناس من مصر ، والكوفة ، والبصرة ، حيث تبادلوا الاتصالات فيما
بينهم سرا " ، حتى توجهوا بعدد يزيد على الألفين ، وحاصروا الخليفة لمدة أربعين
يوما ، وطالبوا بعزله . إلا أن عثمان رفض التفاوض معهم . وعند
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
ج 1 ص 50 - 51 .
( 2 ) تاريخ الطبري ج 5 ص 172 ،
تاريخ ابن الأثير ، ابن سعد : الطبقات
الكبرى 3 / 66 . ( * )
|
|
|
اشتداد الحصار عليه ، قام باستشارة عبد الله بن عمر
بالأمر ( وكأن فكرة التنازل قد بدأت تراوح في ذهنه ) فأشار عليه ابن عمر
بالبقاء في الحكم قائلا " : ( لا أرى أن تسن هذه
السنة في الإسلام ، كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه )
( 1 )
. وبعد ذلك اقتحم الثوار القصر وقتلوا الخليفة ، وبقي جسده مسجى على الأرض
لثلاثة أيام دون أن يدفن .
| |
( 1 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج 3 ص
66 . ( * )
|
|
|
|