|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 97 :
|
الفصل الثالث :
خلافة عثمان ولادة الدولة الأموية
يذكر المؤرخون أن أبا سفيان قال لابن عشيرته عثمان بن عفان
بعد انعقاد البيعة له : ( يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو
سفيان ما زلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة )
( 1 )
.
وأبو سفيان الذي لا يريد أن يصرح بحلفه باللات
والعزى يعبر بقوله هذا عن طبيعة التفكير القبلي والجاهلي الذي تطبع على أساسه
وشاب .
والخليفة عثمان - على كل حال - لم يخيب ظنه ، حيث
بدأ فور تسلمه الخلافة بعزل جميع الولاة الذين عينهم سلفه عمر باستثناء ابن عمه
معاوية ، واستبدلهم بأقاربه من بني أمية .
ومن ذلك تعيين عثمان لابن عمه مروان بن الحكم
معاونا " له ، وهو بمثابة منصب وزير الدولة الأول ، وعزل سعد بن أبي وقاص من
ولاية الكوفة وتوليته عليها بدلا " منه أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط
ثم توليته عليها فيما بعد سعيد بن العاص وهو أحد أقاربه أيضا "
وكذلك عزل أبا موسى الأشعري عن ولاية البصرة وعين
مكانه ابن خاله عبد الله بن عامر ، وعزل أيضا " عمرو بن العاص من حكومة مصر
وولاها لأخيه بالرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح .
وكان معاوية في خلافة عمر قد عهد إليه ولاية دمشق
وحدها أو حسب روايات أخرى بعض أعمالها ، وعندما جاء عثمان جمع له
| |
( 1 ) المسعودي ، مروج الذهب : 2 / 230 .
( * )
|
|
|
ولاية بلاد الشام كلها ، حيث كانت هذه المنطقة من
الناحية العسكرية أهم مناطق الدولة الإسلامية ، لأنها كانت بمثابة السد العازل
، بمقدور حاكمها أن يعزل الولايات الشرقية عن
الغربية ، وقد تربع معاوية على سدتها مدة طويلة حتى
استقرت جذوره فيها لدرجة جعلته يشعر أن بمقدوره الاستقلال عن العاصمة المركزية
، بل ومحاربتها كما حصل فعلا " زمان خلافة علي .
وبهذه التعيينات يكون عثمان
قد وضع البذور لدولة أموية ، أو كما وصف العلامة أبو الأعلى المودودي بأن عهد
عثمان كان بداية التحول من الخلافة الراشدة إلى الملك، وأنه لم تكن هناك
حجة كافية لأن تخضع الدولة كلها من خراسان شرقا " إلى
شمال إفريقيا غربا " لحكام من بيت واحد ( 1 ) .
وفي شرحه لتركيبة العائلة الأموية
، يقول المودودي : ( إن أفراد هذه العائلة الذين ارتقوا في عهد عثمان كانوا
جميعا " من الطلقاء .
والمراد بالطلقاء تلك البيوت
المكية التي ظلت إلى آخر وقت معادية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللدولة
الإسلامية ، فعفا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنهم بعد فتح مكة ودخلوا في
الإسلام .
ومعاوية ، والوليد بن عقبة ، ومروان بن الحكم كانوا من تلك
البيوت التي أعطيت الأمان وعفا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنهم .
أما عبد الله بن أبي سرح فقد
ارتد بعد إسلامه ، وكان واحدا " من الذين أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
بقتلهم حتى ولو وجدوا تحت أستار الكعبة .
وبالطبع ما من أحد يقبل أن يعزل السابقون الأولون الذين
خاطروا بأرواحهم في سبيل رفعة الإسلام فارتفع لواء الدين بتضحياتهم ، وأن يحكم
الأمة بدلا " منهم مثل هؤلاء الناس الذين
لم يكونوا يصلحون لتولي زعامة المسلمين . . . وهم يقفون
في آخر صفوف الصحابة والتابعين لا في أولها )
( 2 )
.
| |
( 1 ) المودودي ، الخلافة
والملك ( تعريب أحمد إدريس ) ، ص 65 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 65 - 66 . ( * )
|
|
|
عثمان وسيرة الشيخين في الحكم من الواضح أن الخليفة
عثمان قد حاد عن سيرة الشيخين والتي عقدت له الخلافة على أساس تعهده بالعمل بها
، وذلك بإعطائه لأقاربه المناصب
الكبرى ، وبإغداقه عليهم الأموال من بيت مال المسلمين ،
وبخصهم بامتيازات أخرى اعترض الناس عليها .
ويضرب المودودي مثالا "
لفداحة ما صنعه عثمان في هذا الأمر : ( ولنأخذ وضع مروان بن الحكم مثالا " :
فقد أسلم أبوه الحكم بن العاص عم سيدنا عثمان ( رض ) في فتح مكة ، ثم
قدم المدينة واستقر بها ، ولكن الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم أخرجه منها - بعد أن بدت منه بعض الأمور - وأمره بالإقامة في الطائف
.
وقد ذكر ابن عبد البر في
الإستيعاب أن من أسباب ذلك أن الحكم بن العاص كان يفشي المشاورات التي كانت تتم
سرا " بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأكابر الصحابة
والتي كان يسمعها بطريقة أو بأخرى وثاني الأسباب أنه كان
يقلد الرسول حتى رآه ذات مرة وهو يفعل ذلك .
وعلى أي حال ، فلا بد أنه
ارتكب ذنبا " كبيرا " أصدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أساسه أمرا "
بإخراجه من المدينة ، وكان مروان وقتئذ في الثامنة من عمره فسكن
الطائف مع أبيه ، ولما تولى الخلافة كل من أبي بكر وعمر
كان يلتمس في كل مرة منهما السماح بالعودة إلى المدينة ورفضا . ولما تولى عثمان
( رض ) الخلافة أعاده المدينة . . .
فكان صعبا " على الناس أن يصدقوا أن ابن هذا الشخص الذي
أخطأ في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون أهلا " لأن يصبح معاون
الخليفة من دون أكابر الصحابة ( رضوان
الله عليهم ) ، خاصة إذا كان الوالد المذنب على قيد
الحياة وله قدر من النفوذ على أمور الدولة عن طريق ابنه )
( 1 )
.
وبقي الحكم بن العاص حيا " حتى آخر عهد عثمان وتوفي سنة 32 هجرية .
| |
( 1 ) المودودي : الخلافة والملك ، (
تقريب أحمد إدريس ) ، ص 66 - 67 . ( * )
|
|
|
وهكذا كان ، فقد استغل مروان بن الحكم منصبه كمعاون
للخليفة ومستشاره الأول في ارتكاب الأعمال الفاسدة ، واختلاس الأموال ، وتهديد
الصحابة الكبار بكلمات لم يكن يتحمل سماعها
من لسان الطلقاء ، حتى أن نائلة نصحت الخليفة ( وهي
زوجته ) قائلة : ( فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الله قدر ولا
هيبة ولا محبة )
( 1 )
. إلا أن الخليفة عثمان
أصغى إلى نصيحتها هذه على ما يبدو بإعطائه لمروان ( 500 خمسمئة ألف دينار ) ،
وهي قيمة خمس غنائم إفريقيا !
| |
( 1 ) تاريخ الطبري ج 3 ص 296 ،
البداية والنهاية ج 7 ص 172 . ( * )
|
|
|
|