101
......................................................................
الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني
آية أخرى استدل بها على توحيد
المشركين في الربوبية
هي قوله تعالى ( وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ )
يوسف/ 106 .
فقد اعتبر البعض أن هذه الآية تؤيد من يقول بأنهم
موحدون في الربوبية ، وقد روى الطبري عن ابن عباس قوله
: " ( وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ ... ) قال : من إيمانهم
إذا قيل لهم : من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق
الجبال ؟ قالوا : الله ، وهم مشركون ...
وعن عكرمة
قال : تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون :
الله فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره ...
عن عكرمة :
هو قول الله ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم
مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
) فإذا سئلوا عن الله وعن صفته ، وصفوه بغير صفته
وجعلوا له ولدا وأشركوا به ...
عن عكرمة
ومجاهد وعامر ، أنهم قالوا في هذه الآية
( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم
مُّشْرِكُونَ ) قال : ليس أحد إلا يعلم أن الله خلقه
وخلق السماوات والأرض ، فهذا إيمانهم ويكفرون بما سوى ذلك ...
عن قتادة : ... إنك لست تلقى أحدا منهم إلا أنبأك أن الله ربه
وهو الذي خلقه وهو مشرك في عبادته ... عن ابن عباس قوله :
( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ
إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يعني النصارى يقول
( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
102
......................................................................
الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ،
( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ، ولئن
سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض ؟ ليقولن : الله ،
وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره ويسجدون لأنداد
دونه .
ابن زيد ...
قال : ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن
الله ربه وأن الله خالقه ورازقه هو يشرك به ، ألا ترى كيف قال
لإبراهيم ( أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ
تَعْبُدُونَ
* أَنتُمْ
وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
*
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ )
، قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون ، قال : فليس
أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به ، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي ،
فتقول : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه
وما ملك ، المشركون كانوا يقولون هذا " (1) .
وهو ظاهر من
قال أنهم يقرون بخالقية الله ويشركون في عبادته ، كما في عبارة
القرطبي : " نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء
كلها وهم يعبدون الأوثان ، قاله الحسن ومجاهد وعامر والشعبي
وأكثر المفسرين ... " (2) ، ثم عدد الأقوال الأخرى .
وقال النسفي
: " أي وما يؤمن أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق
السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن ، الجمهور على أنها
نزلت في المشركين لأنهم مقرون بالله خالقهم ورازقهم وإذا حزبهم
أمر شديد دعوا الله ومع ذلك يشركون به غيره " (3) .
(1) تفسير الطبري المجلد 8 ، ج13 ص 100 - 103
، روى البخاري معلقا عن عكرمة : " ( وَمَا
يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) ،
ولئن سألتهم من خلقهم ومن خلق السماوات الأرض ليقولن الله ، فذلك
إيمانهم وهم يعبدون غيره ، قال ابن حجر ( الفتح
) ج13 ص 494 : " ( وقال عكرمة ... الخ ) وصله الطبري ...
وبأسانيد صحيحة عن عطاء وعن مجاهد نحوه ، وبسند حسن من طريق سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال : إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماوات ومن خلق
الأرض ومن خلق الجبال ؟ قالوا : الله ، وهم به مشركون " .
(2) تفسير القرطبي ، المجلد الخامس ، ج9
ص 238 .
(3) تفسير النسفي ج1 ص 626 .
103
......................................................................
الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني
وعليه ينبغي حمل مثل عبارة الثعلبي : " يؤمنون بالله
أنه ربهم هو خالقهم ويشركون من دونه ، وهذا قول أكثر
المفسرين " (1) .
وأما ابن
أبي حاتم فينقل روايتين يظهر منهما أن الحديث في الآية عن
الشرك الأصغر ، قال : " ... عن زكريا بن زرارة ثنا أبي قال :
سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله (
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم
مُّشْرِكُونَ ) ، قال أبو جعفر : شرك طاعة قول الرجل :
لولا الله وفلان ، لولا وكلب بني فلان . ...
عن عزرة قال : دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه أو
انتزعه ، ثم قال : ( وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) "
(2) .
وروى نحوه
الطبري عن عكرمة لكن في تفسير الآية السابقة قال :
( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً )
أي تقولوا : لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار ، لولا كلبنا
صاح في الدار ونحو ذلك " (3) .
وصحيح أن
الطبري ذهب إلى إن شركهم في العبادة مع إيمانهم بوحدانية الله
في شئون الخلق والتدبير ، ولكنه ملتفت إلى أمور أخرى كادعائهم
لوجود الولد لله تعالى عن ذلك ، قال : " وما يقر أكثر هؤلاء
... بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في
عبادتهم الأوثان الأصنام ، واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن
له ولدا تعالى عما يقولون " (4) .
أما الأقوال
الأخرى التي ذكرها القرطبي فعددها قائلا : " وقال عكرمة : هو
قوله ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ثم يصفونه بغير صفته
ويجعلون له أندادا ، وعن الحسن أيضا أنهم أهل الكتاب معهم شرك
وإيمان ، آمنوا بالله وكفروا بمحمد (ص)
(1) تفسير الثعلبي ج5 ص 263 .
(2) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 2208 .
(3)
تفسير الطبري ، المجلد الأول ، ج1 ص 237 .
(4) المصدر السابق ، المجلد الثامن ، ج 13 ص 100 .
104
......................................................................
الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني
حكاه ابن الأنباري ، وقال ابن عباس : نزلت في تلبية
مشركي العرب لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه
وما ملك ، وعنه أيضا أنهم النصارى ، وعنه أيضا أنهم
المشبه آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا ، وقيل : نزلت في
المنافقين ، المعنى ( وَمَا
يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ ) أي باللسان
إلا وهو كافر بقلبه ذكره الماوردي عن الحسن أيضا ،
وقال عطاء : هذا في الدعاء وذلك أن الكفار ينسون ربهم
في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء بيانه
( وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ
بِهِمْ ) الآية ، وقوله
( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا
لِجَنبِهِ ) الآية ، وفي آية أخرى
( وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ
فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ ) ، وقيل : معناها أنهم
يدعون الله لينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال
قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا
اللص ونحو هذا ، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ،
ووقايته منسوبة إلى الكلب ، قلت : وقد يقع في هذا
القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقيل : نزلت هذه الآية
في قصة الدخان ، وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في
سني القحط قالوا ( رَبَّنَا
اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ )
فذلك إيمانهم وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ،
بيانه قوله ( إِنَّكُمْ
عَائِدُونَ ) والعود لا يكون إلا بعد ابتداء ،
فيكون معنى ( إِلاَّ وَهُم
مُّشْرِكُونَ ) أي إلا وهم عائدون إلى الشرك ،
والله أعلم " (1)
وكلمة ابن
الجوزي ( ت 597 ) صريحة في أنهم ليسوا مؤمنين حقيقة قال : "
فإن قيل كيف وصف المشرك بالإيمان ؟ فالجواب : أنه ليس المراد
به حقيقة الإيمان ، وإنما المعنى أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان
بألسنتهم مشركون " (2) .
وقال ابن
عطية ( ت 546 ) : " قال ابن عباس : هي في أهل الكتاب الذين
يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه أو من حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح
(1) تفسير القرطبي ، المجلد الخامس ج9 ص 238 .
(2) زاد
المسير ج4 ص 227 .
105
......................................................................
الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني
ابن
الله ، وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد هي في كفار
العرب وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت
فسماه إيمانا وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان الأصنام ،
فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها ، وقيل : هذه
الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية .. " (1)
.
المعنى الصحيح المبين في كلمات أهل
البيت (ع)
ولكن مع ذهاب عدد من المفسرين إلى ذلك إلا أن الصحيح هو
التفسير المتفق عليه في قوله تعالى (
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) الفرقان/
43 ، فقد اتفق المفسرون على أن الآية لا تقصد أنهم اتخذوا
الهوى إلها يركع ويسجد له ، ولكن بمعنى الشرك في الطاعة ،
فالصحيح ما في رواية ابن أبي حاتم عن الباقر(ع) من قوله أنه :
شرك طاعة .
وقد نقلت
الرواية في مصادر الشيعة بعدة طرق عن الباقر وغيره من الأئمة
(ع) ، وأكدت عليه الروايات بعبارات تشعر كأنها رد على ما انتشر
بين غيرهم من تفسير خاطئ للآية ، أهمها ما رواه القمي بسند
موثق عن الفضيل عن أبي جعفر (ع) في قول الله تعالى
( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ
إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) ، قال : شرك طاعة ، وليس
شرك عبادة ، والمعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة ، أطاعوا فيها
الشيطان ، فأشركوا بالله في الطاعة لغيره ، وليس بإشراك عبادة
أن يعبدوا غير الله " ، ورواه العياشي عن زرارة عن الباقر (ع)
.
وفي الكافي
عن الصادق (ع) : " شرك طاعة وليس شرك عبادة ، وعن الرضا (ع)
قال : " شرك لا يبلغ به الكفر " (2) .