كانت آخر موقعة خاضها الإمام علي عليه السلام هي موقعة النهروان ، حيث خاض بها
قتالا ضد المجموعة التي فرضت التحكيم عليه في صفين ، ولكنها ندمت بعد عدة أيام
، فنكثت عهدها وخرجت من بيعة الإمام ،
وقد عرفوا فيما بعد باسم "
الخوارج
" أو "
المارقين " ، وقد انتصر عليهم الإمام عليه السلام
، وكان يتهيأ لاستئناف قتال المتمردين في الشام بعد أن فشل التحكيم عند اللقاء
بين الحكمين ، بيد أن الإمام عليه السلام استشهد على يد أحد أفراد
الخوارج وهو " عبد الرحمن بن ملجم " عندما طعن
الإمام بسيف وهو في سجوده ، عند صلاة الفجر في مسجد الكوفة صبيحة اليوم التاسع
عشر من رمضان سنة أربعين للهجرة بعد خمسة أعوام من الحكم .
وقد بقي الإمام عليه السلام يعاني من علته ثلاثة أيام ، عهد خلالها بالإمامة
إلى ولده الحسن السبط عليه السلام ليمارس بعده مسؤولياته في قيادة الأمة .
وهذا الاستخلاف لم يكن بلحاظ أن الحسن عليه السلام كان ابنا لعلي عليه السلام ،
أو أنه كان الأصلح للخلافة بنظره ، وإنما عملا بأمر الله تعالى الذي اختار
خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله الاثني عشر - كما مر سابقا - حيث كان الإمام
الحسن عليه السلام ثانيهم .
بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام ، اعتلى الإمام الحسن عليه السلام المنبر
ونهض أهل الكوفة وبايعوه خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وإماما للأمة ، إلا أن
ذلك لم يدم سوى ستة شهور ، فعندما وصل الشام نبأ استشهاد الإمام علي عليه
السلام ،
تحرك معاوية بجيش كبير نحو الكوفة ليأخذ بيده زمام المسلمين ، ويجبر الإمام
الحسن بن علي عليه السلام على الاستسلام . ولم يجد الإمام الحسن عليه السلام
مناصا سوى المسالمة وعقد ميثاق
|
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 75 |
صلح مع معاوية .
وأما الأسباب التي فرضت عليه عقد مثل
هذا الصلح فقد كانت تفكك جيشه ووضع العراق الداخلي المضطرب من جهة ،
والامبراطورية الرومانية التي كانت تتحين الفرصة لضرب الإسلام وقد تأهبت بجيش
عظيم لحرب المسلمين من جهة أخرى ، مما يؤكد أنه لو نشبت حرب بين معاوية والإمام
الحسن عليه السلام في ظل هذه الظروف لكان المنتصر فيها إمبراطورية الروم وليس
الإمام الحسن عليه السلام ولا معاوية .
وهكذا فإن الإمام الحسن عليه السلام بقبوله السلام قد أزال خطرا كبيرا كان يهدد
الإسلام ، وأما بنود معاهدة الصلح فكانت :
1 - يسلم الحسن بن علي
عليه السلام الحكومة وأزمة الأمور إلى معاوية على شرط أن يعمل معاوية وفق مبادئ
القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله .
2 - تكون الخلافة بعد موت معاوية حقا خاصا
بالإمام الحسن عليه السلام ، وإذا حدث له حادثة فإن الخلافة ستكون لأخيه الإمام
الحسين عليه السلام .
3 - تمنع الشتائم وكافة الإساءات ضد الإمام
علي عليه السلام سواء على المنابر أو غيرها .
4 - ينفق مبلغ خمسة ملايين درهم الموجودة
في بيت المال في الكوفة تحت إشراف الإمام الحسن عليه السلام ، ويجب على معاوية
أن يرسل سنويا مليون درهم من الخراج إلى الإمام الحسن عليه السلام ، ليوزعها
على عوائل أولئك الذين استشهدوا في معركتي الجمل وصفين إلى جانب الإمام علي
عليه السلام .
5 - يتعهد معاوية بأن يدع الناس قاطبة من
أي جنس وعنصر في منأى من الملاحقة والأذى ، ويتعهد أيضا أن ينفذ بنود هذا الصلح
بدقة ويجعل الملة عليه شهيدا .
|
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 76 |
إلا أن الإمام الحسن عليه السلام استشهد في سنة 50 ه بعد أن
دست له زوجته ( جعدة بنت الأشعث بن القيس ) السم ، والتي كانت تنسب إلى إحدى
الأسر المخالفة للعلويين .
وقد حرضها معاوية على اقتراف هذه الجريمة السوداء بإرساله إليها مائة ألف درهم
، ووعده إياها بأن يزوجها بابنه يزيد إذا دست السم للحسن عليه السلام .
وقد فرح معاوية فرحا كبيرا عندما علم باستشهاد الإمام الحسن عليه السلام ، إذ
كان يرى أن أكبر عقبة بوجه مآربه - وخصوصا توطيد الحكم للأسرة الأموية - قد
زالت من الوجود .
وهكذا فقد تم لمعاوية بعد ذلك ما أراد ، وتمكن من تنصيب ابنه المراهق الخليع
يزيد على الأمة قهرا .
فأين هذا من اعتقاد أهل السنة بأن الخلافة هي بالشورى ؟
أو لم يرفضوا النصوص التي تدل على استخلاف أئمة أهل
البيت بحجة أن الخلافة هي بالشورى ؟
أو ليس يدل هذا على أن الخلافة - على رأيهم - إن لم تكن
بالشورى فهي غير شرعية ؟
ولكن لماذا اعتبروا أن خلافة يزيد شرعية ؟ وكيف قبلوا
تسميته بأمير المؤمنين ؟
وتأمل فيما يلي لترى شيئا من صفحات تاريخنا الإسلامي
السوداء ، وسردا لقبس من قبسات حياة " أمير المؤمنين " يزيد بن معاوية
بن أبي سفيان ! !