مقارنة بين مواقف الإمام عليه السلام والاخرين

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 126 : -

( مقارنة بين مواقف الإمام عليه السلام والاخرين )

اقرأ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتاريخ الجهاد النبوي ، فسوف ترى أن عليا هو الذي
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 127 : -

أدهش الأرض والسماء بمواساته * ( 1 ) وأن الصديق رضى عنه الله هو الذي التجأ إلى مركز القيادة العليا الذي كان محاطا بعدة من أبطال الأنصار لحمايته ( 2 ) حتى يطمئن بذلك عن غوائل الحرب . وهو الذي فر يوم احد ( 3 )

كما فر الفاروق ( 4 ) ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت في تلك الساعة الرهيبة التي قل فيها
الناصر وتضعضعت راية السماء وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الشهادة ثمانية ، ثلاثة من المهاجرين
وخمسة من الأنصار لم يكن هو واحدا منهم ، كما صرح
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أخرج الطبري في تاريخه 2 : 65 - 66 طبعة دار الكتب العلمية - عن ابن رافع : لما قتل علي ابن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي : احمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد

الله الجمحي ، قال : ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي : احمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك ، فقال جبرئيل : يا رسول الله ان هذه للمواساة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنه مني وأنا منه

 ، فقال جبريل : وأنا منكما ، قال : فسمعوا صوتا : لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا علي . ولنتأمل جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنلاحظ كيف أنه ارتفع بعلي عن مفهوم المواساة الذي يقتضي بتعدد محمد وعلي إلى مفهوم الوحدة والامتزاح فقال : إنه مني وأنا

منه ولم يرض بأن يفصل الأمام عن شخصه لأنهما وحدة لا تتجزأ ضربها الله مثلا أعلى تأتم بها الأنسانية ويهتدي على ضوئها الأبطال والمصلحون في معارج السمو والارتقاء ، وأنا لا أدري كيف حاول الصحابة أو بعض الصحابة أن يفككوا عرى هذه الوحدة ويضعوا بين

البطلين أشخاصا ثلاثة كان من الجدير أن لا يفصلوا بهم بين محمد وبين من هو من محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ( الشهيد )

( 2 ) راجع عيون الأثر / ابن سيد الناس 1 : 336 ، مؤسسة عز الدين - بيروت . ( الشهيد )

( 3 ) كما يحدثنا بذلك التاريخ الشيعي . ( الشهيد )

( 4 ) وقد اعترف هو بذلك وذكره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3 : 389 - 390 .
( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 128 : -

بذلك أرباب التاريخ ( 1 ) ، بل لم يرو له رواة المسلمين جميعا قتالا في ذلك الموقف مهما يكن لونه ( 2 ) .

وإذن فلماذا وقف مع الثائبين إن كان لم يفر ؟ ألم يكن القتال واجبا ما دام المدا فعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابلة العدو الذي أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدة إصابات اضطرته إلى الصلاة جالسا ؟ ! ولعلنا نعلم جميعا أن شخصا إذا

كان في وسط الصراح ومعترك الحرب فلن ينجو من الموت على يد عدوه إلا بالفرار ، أو الدفاع بالاشتراك عمليا في المعركة .


والصديق إذا لم يكن قد فعل شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب فمعنى هذا أن عدوا وقف أمام عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه ، فهل أشفق المشركون على أبي بكر ، ولم يشفقوا على محمد وعلي والزبير وأبي دجانة وسهل بن حنيف ؟ ! وليس

لدي من تفسير معقول للموقف إلا أن يكون قد وقف إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسب بذلك موقفا هو في طبيعته أبعد نقاط المعركة عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص في ا لجهاد يومئذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .


وليس هذا ببعيد لأننا عرفنا من ذوق الصديق أنه كان يحب أن يكون إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب لأن مركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المركز المصون الذي تتوفر جميع القوى الأسلامية على حراسته والذب عنه .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صرح بذلك الواقدي كما في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3 : 338 والمقريزي في الأمتاع : 132 . ( الشهيد )
( 2 )
اعترف بذلك ابن أبي الحديد : 3 : 389 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 129 : -

وخذ حياة الأمام علي عليه السلام وحياة الصديق وادرسهما ، هفل تجد في حياة الأول خمودا في الأخصلاص أو ضعفا في الاندفاع نحو التضحية أو ركونا إلى الدعة والراحة في ساعة الحرب المقدسة ؟
 

فارجع البصر هل ترى من فطور ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) ( 1 ) لأنه سوف يجد روعة واستماتة في سبل الله لا تفوقها استماتة ، وشخصا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فيه استعداد للخلود ما خلد محمد استاذه الأكبر لأنه نفسه صلى الله عليه وآله وسلم ( 2 ) .


ثم حدثني عن حياة الصديق ( رضي الله تعالى عنه ) أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل تجد فيها إلا تخاذلا
وضعفا في الحياة المبدئية ، والحياة العسكرية ، يظهر تارة في التجائه إلى العريش ، واخرى في فراره يوم احد وهزيمته

في غزوة حنين ( 3 ) وتلكثه عن الواجب حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج تحت راية اسامة للغزو
( 4 )
، مرة اخرى في هزيمته يوم خيبر حينما
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الملك / 4 .

( 2 ) استنادا إلى آية المباهلة ، وهي قوله تعالى : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكفم ثم نبتهل . . . ) آل عمران / 61 . راجع الرواية في صحيح مسلم 4 : 1873 ، تفسير الكشاف 1 : 369 ، دار الكتب العلمية ، الخصائص / النسائي : 89 ، رواية تصرح أن عليا عليه السلام كنفسه صلى الله عليه وآله وسلم .

( 3 ) كما في الحلبية 2 : 126 ، إذ حصر الثابتين بغيره ، وأما فرار الفاروق في ذلك اليوم ، فقد جاء ما يدل عليه في صحيح البخاري 3 : 67 ، دار المعرفة - بيروت . إذ روى بإسناده عمن شهد يوم حنين أنه قال : وانهزم المسلمون ، وانهزمت معهم ، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس ، فقلت له : ما شأن الناس ؟ قال : أمر الله . فإن هذا يوضح أن عمر كان من بين المنهزمين .

( 4 ) فقد جاء في عدة من المصادر أن عمر وأبا بكر كانا فيمن جنده النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحرب تحت راية اسامة ، منها في السيرة الحلبية ج‍ 3 ، وراجع طبقات ابن سعد 2 : 248 - 250 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 130 : -

بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاحتلال الوكر اليهودي على رأس جيش فرجع فارا ثم أرسل الفاروق ( رضي الله تعالى عنه ) وإذا به من طراز صاحبه ( 1 ) حيث تبخرت في ذلك الموقف الرهيب حماسة عمر وبطولته الرائعة في أيام السلم التي اعتز بها الأسلام يوم أسلم كما يقولون .
 

 ورجع عمر مع أصحابه يجبنهم ويجبنونه ( 2 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني دافع الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له ( 3 ) .
 

يشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز صريح بعليه العظيم الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ( 4 ) .
 

يا خليفتي المسلمين - أو بعض المسلمين - رضي الله تعالى عنكما أهكذا كان نبيكما الذى قمتما مقامه ؟ ألم تتلقيا عنه دروسه الفذة في الجهاد والمعاناة في سبيل الله ؟ ألم يكن في صحبتكما له طوال عقدين حاجز
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع مسند أحمد 5 : 253 ، المستدرك / الحاكم 3 : 27 ، كنز العمال 6 : 394 ، تاريخ الطبري 2 : 136 . ( الشهيد )

( 2 ) هذا تصوير علوي رائع للقائد الفاشل والجنود المتخاذلين وقد اطلع كل منهما على ضعف الاخر فأخذ يهول الموقف ليجد له من ذلك عذرا في الفرار . ( الشهيد ) راجع تاريخ الطبري 2 : 136 . .

( 3 ) صحيح البخاري 5 : 18 ، مسند الأمام أحمد 5 : 353 ، الترمذي 5 : 596 ، صحيح مسلم 4 : 1873 .

( 4 ) وأكبر الظن ان الجيش الذي سار الأمام على رأسه لاحتمال المستعمرة اليهودية هو والجيش الذي فر بالأمس ، ونفهم ممن هذا مدى تأثير القائد على جيشه وتكهرب الجيش بمشاعره فإن عليا استطاع أن يجعل من اولئك الجنود الذين كانوا يجبنون الفاروق في الحملة السابقة أبطالا فتحين بما سكب في أرواحهم من روحة العظيمة المتدفقة بالحماس والأخلاص . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 131 : -

يحجز عن ذلك ؟ ألم تستمعا إلى القرآن الذي اسندت إليكما حراست والتوفر على نشر مثله العليا في المعمورة وهو يقول : - ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) ( 1 ) .


وقد توافقني على أن مقام الصديق والفاروق رضى عنه الله في الأسلام يرتفع بهما عن الفرار المحرم ، فلا بد أنهما تأولا ووجدا عذرا في فرار هما ونحن نعلم أن مجال الاجتهاد والتأويل عند الخليفة كان واسعا حتى أنه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما متعمدا بأنه ( اجتهد فأخطأ ) ( 2 ) .


عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب ولنعتذر إذا كان فيما قدمناه سبب للاعتذار وقد اضطرنا إلى ذلك الوقوف عند المقارنة الفاطمية وما تستحقه من شرح وتوضيح .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأنفال / 16 .

( 2 )
تاريخ الطبري 2 : 273 ، قال الخليفة عمر بن الخطاب لأبي بكر : إن في سيف خالد ر هقا ، فإن لم يكن هذا حقا ، حق عليه أن تقيده ، وأكثر عليه في ذلك . . . فقال - أبو بكر - هيه يا عمر تأول فأخطأ ) .

وراجع تاريخ ابن شحنة : على هامش الكامل 11 : 114 . ( الشهيد ) ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب