|
الرسول والأنبياء |
|
|
الرسول والأنبياء : ما طال الرسول طال بقية الرسل . .
- إبراهيم : يروى عن الرسول ( ص ) : " اختتن
إبراهيم ( ع ) وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " ( 1 )
. . ويروى عنه ( ص ) : " لم يكذب إبراهيم ( ع ) إلا ثلاث كذبات . ثنتين منهن في ذات الله عز وجل . قوله - إني سقيم - وقوله : بل فعله كبيرهم هذا - وقال : بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى علي جبار من الجبابرة . فقيل له : إن ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس . فأرسل إليه . فسأله عنها فقال : من هذه
؟ قال : أختي . فأتى سارة . قال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك .
وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي . فلا تكذبيني . فأرسل إليها . فلما دخلت عليه
ذهب
يتناولها بيده . فأخذ فقال : ادعى الله لي ولا أضرك . فدعت الله . فأطلق . ثم تناولها الثانية . فأخذ مثلها أو أشد . فقال ادعي الله لي ولا أضرك . فدعت . فأطلق . فدعا بعض حجبته فقال : إنكم لم تأتوني بإنسان إنما آتيتموني بشيطان . فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده . مهيا . قالت : رد الله كيد الكافر ( أو الفاجر ) في نحره وأخدم هاجر " . قال أبو هريرة - الراوي - : تلك أمكم يا ماء السماء ( 1 ) .
ويبدو من الرواية الأولى أنها تصادم العقل والعرف إذ كيف
يختتن رجل في مثل هذا السن فضلا عن كونه نبي مرسل . . ؟
الأصنام لا تنفع ولا تضر وأنها لم تستطع أن تدفع الضر عن
نفسها وما بين إدانة إبراهيم وهو يؤدي إلى نفس النتيجة وهي أن الأصنام لا تضر
ولا تنفع ولا تدفع الضر عن نفسها ( 3 ) . .
أما الثالثة التي هي كذبة ليست في ذات الله حسب تعبير الرواية فهي كذبة ضارة لا تنم عن عقل وخلق وهو ما لا يجوز في حق إبراهيم ( ع ) . فإن ادعائه بأن سارة شقيقته يفسد الأمر لا يصلحه وكان من الأولى أن يعترف بكونها زوجته . وكيف لنبي أن يترك شقيقته لطاغية يعبث بها بينما هو يلجأ إلى الصلاة . . ؟
والرواية لم تخبرنا هل كان إبراهيم يتوقع معجزة إلهية تنقذ سارة وهل أنبأ بهذا . أم أن القدرة الإلهية تدخلت في الوقت المناسب لتوقف الملك الطاغية عند حده ؟ إن الرواية تهدف من أولها إلى آخرها إلى إلقاء الضوء على هاجر أم إسماعيل . ولكن أليس من الأفضل أن تبرز هاجر في حياء إبراهيم بسبيل آخر غير هذا السبيل الذي فيه امتهان لإبراهيم . . ؟
وتعد هذه من نوادر الفقهاء إذ اعتكفوا على قول أبي هريرة
يمحصونه ويكشفون مراده وأهملوا إبراهيم وأهله . وكأنهم بهذا قد وضعوا أبو هريرة
في مصاف حكماء الصحابة الذين لا يجب أن تهمل كلماتهم . وهو موقف طبيعي من أناس
اعتبروه وارث علم الرسول والناطق بلسانه . .
وقد أتحفنا القوم برواية وفرت علينا الكثير من الجهد وألزمتهم الحجة في إثبات وقوع الكذب من إبراهيم . يروى أن الناس يوم القيامة تهرع إلى الأنبياء طلبا للشفاعة وعندما يأتون إلى إبراهيم يقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض . اشفع لنا إلى ربك . ألا ترى إلى ما نحن فيه . فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله . وإني كنت قد كذبت ثلاث كذبات . نفسي . نفسي . نفسي . اذهبوا إلى غيري ( 1 ) . .
يروى عن النبي قوله : " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة . ينظر بعضهم إلى بعض . وكان موسى يغتسل وحده . فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آذر . فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر . ففر الحجر بثوبه . فخرج موسى في أثره يقول : ثوبي يا حجر . حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى . فقالوا : والله ما بموسى من بأس . وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا " . قال أبو هريرة - الراوي - : والله . إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة . ضربا بالحجر ( 2 ) . . وفي رواية : فانطلق الحجر يسعى واتبعه بعصاه يضربه ثوبي حجر حتى
وقف على ملأ من بني إسرائيل ونزلت * (
يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند
الله وجيها ) * ( 1
) . . قال الفقهاء : قوله إلا أنه آدر
. أي عظيم الخصيتين . والأنبياء منزهون عن النقص في الخلق والخلق سالمون من
المعايب وينفر القلوب ونزول يا أيها الذين آمنوا . . . الآية الظاهر أن قضية الحجر هذه إنما كانت بعد النبوة لقوله فضربه بعصاه ولأن لقياه لبني إسرائيل إنما كان بعد البنوة ( 2 ) . .
ونحن لن ندخل قصة الحجر في ميزان الرفض والقبول العقلي وإنما يعنينا هو أمر موسى كيف يجري وراء الحجر وهو عريان . . ؟ وإذا كان صحيحا ما يشيع بنو إسرائيل أن بموسى عيب خلقي لا
يريد أن يطلع الناس عليه وهو ما يبرر اغتساله وحده . أفلا توجد سوى هذه الطريقة
المعيبة لإبطال هذه الإشاعة إن أخطر ما تبرزه هذه الرواية هو أن تحرك الحجر
بملابس
موسى وجرى موسى وراءه قد تم بأمر الله وإرادته كي ينزل نص تبرئته ويقطع دابر الإشاعات . وهذا قمة السفه والضلال . إذ فيه مساس بذات الله سبحانه وحكمته . ولو كان هذا التصور صحيحا فلماذا اعترض موسى على أمر الله وأوسع الحجر ضربا . . ؟
موسى الرسول المختار ويدفعنا بالتالي إلى الحكم ببطلان مثل هذه الروايات التي تهين الأنبياء وتحط من قدرهم وتشوه صورتهم . وعلى فرض التسليم بصحة هذه الرواية فإن هذا يعني المساس بذات الله سبحانه كما هو حال الرواية السابقة . إذ أن الرواية تصور تراجع الله سبحانه عن أمره لملك الموت بقبض موسى بعد ما عاد إليه مصابا وإتاحة الفرصة لموسى ليعيش سنوات أخرى ما دام متعلقا بالحياة الدنيا بعدد الشعرات التي يحتويها كفه من جسد الثور . ومثل هذا التصور لا يليق بالله سبحانه وهو على هذه الصورة يعد تدليلا لموسى المعتدي
والرافض لأمر الله . . ومن جانب آخر يمكن الحكم برفض
ويبدو من هذه الرواية أن أبا هريرة أراد أن يتدارك بها روايته السابقة ويقطع دابر الشك فيها . - وآخرون : يروى عن الرسول قوله : " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة
أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله . فقال له الملك : قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله . فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل . والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعين " ( 1 ) . .
نسوة . بينما نسب لسليمان هنا مائة . وفي رواية ستين . وأخرى سبعين . وأخرى تسعين . وهو عدد يستحيل عقلا الطواف عليه في ليلة واحدة . كما يستحيل عقلا نسبته لنبي فإن أقل ما ينتج عن رعاية هذا العدد هو إهمال شؤون الدعوة وحتى الوحي والتفرغ لهن . لن يجدي شيئا إذ أن هذا العدد من
المستحيل أن يهيمن عليه رجل واحد .
ولأن الأنبياء ليس لهم شغل سوى الدين والوحي فمن غير الجائز عقلا نسبة النسيان أو الاهمال لهم في مسألة تتعلق بجوهر دورهم ومهمتهم كما تصور الرواية أن سليمان أهمل نصيحة الملك أو نساها . فهو لا يجوز أن يذكر بذلك من الأصل . . وتبرير الفقهاء لما نسب لسليمان ما زاد الطين إلا بلة إذ أن اختلاف الروايات في عدد نسوة سليمان دليل قاطع على ضعف الرواية وبطلانها ( 1 ) . .
ضمن قضية واحدة هي قضية الشفاعة التي تصور الرواية فرار هؤلاء الأنبياء منها وإعلانهم صراحة عدم أهليتهم لقيام بها كاشفين عن أخطائهم التي أوجبت غضب الله عليهم مما حط من مكانتهم وقلل من شأنهم أمام الله بما يوجب عدم استحقاقهم للقيام بالشفاعة لأقوامهم الذين لم يجدوا نبيا مؤهلا للقيام
بها سوى محمد ( ص ) فاندفعوا نحوه فقبل المهمة على الفور . . وما تبرز هذه الرواية هو الحط من قدر الأنبياء ورفع مقام
نبينا عليهم حيث تبرز أن كل نبي له سيئة أوجبت الله عليه عدا رسولنا . كما تبرز
هذه الرواية أيضا أن الأنبياء والرسل تخلوا عن أقوامهم ونادوا بالنجاة لأنفسهم
. وبهذا يكونوا قد تساووا مع أقوامهم . .
يروى أبو هريرة : أتى رسول الله
( ص ) بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : " أنا سيد
الناس الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطبقون ولا يحتملون . فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم . ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم . فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم . فيأتون آدم ( ع ) فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك . اشفع لنا إلى ربك . ألا ترى ما نحن فيه . ألا ترى إلى ما قد بلغنا . فيقول آدم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته . نفسي . نفسي . فسي . اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى نوح . فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا . اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه . فيقول : إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله . ولن يغضب بعده مثله وأنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي . نفسي . نفسي . نفسي . اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض . اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه . فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله . وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات . نفسي . نفسي . نفسي . اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى موسى . فيأتون إلى موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى
ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه . فيقول إن ربي قد غضب إلى غيري . اذهبوا إلى عيسى . فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا ألا ترى إلى ما نحن فيه . فيقول عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله . ولن يغضب بعده مثله . ولم يذكر ذنبا . نفسي . نفسي . نفسي . .
اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى محمد ( ص ) فيأتون محمد فيقولون يا محمد . أنت
رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر
اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه . فأنطلق فآتي تحت العرش . فأقع ساجدا لربي عز وجل . ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي . ثم يقال يا محمد ارفع رأسك . سل تعطه واشفع تشفع . فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب . أمتي يا رب . فيقال : يا محمد . أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة . وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب . ثم قال : والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى " ( 1 ) .
إن هذه الرواية تشير إلى أن الأنبياء الخمسة وهم أولو العزم
من الرسل أي أصحاب الرسالات الكبرى في التاريخ البشري يشكون في أنفسهم وخلقهم
فينسبون لأنفسهم ذنوبا أنزلت عليهم غضب الله وبالتالي أصبحوا لا يضمنون النجاة
من النار ولأجل ذلك تخلوا عن أقوامهم . وهذا يعني التشكيك فيهم .
وهذه أولى النتائج التي تدعونا إلى الشك في
الرواية . النتيجة الثانية هي أن الرواية
ذكرت لكل نبي ما أوجب غضب الله عليه عدا عيسى فقد لحقه هذا الغضب دون أن تحدد
الرواية ذنبه . فهل عجز أبو هريرة عن اختراع ذنب لعيسى ؟ النتيجة الثالثة أن أقوام الرسل أجمعين بعد أن تخلى منهم رسلهم هرعوا نحو محمد ( ص ) . لكن محمد عندما رفع رأسه ليشفع لأمته فقط . وذلك واضح من خلال قوله : " أمتي يا رب " . . فهل غفل أبو هريرة عن سد هذه الثغرة في الرواية . أم أن أمة محمد هي التي هرعت نحو آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى . . ؟ وفي كلتا الحالتين فإن الأمم السابقة لم يتحدد مصيرها من خلال
الرواية كما لم يتحدد مصير الأنبياء الخمسة . . وهل يستقيم مثل هذا التصور عن
الأنبياء مع تلك الرواية التي جاءت على
لسان أبي هريرة وابن عمر وعائشة وأنس وغيرهم عن الصحابة المبشرين بالجنة تلك الروايات التي تكتظ بها كتب السنن . . هل من الممكن أن نقبل روايات تشكك في الأنبياء في الوقت الذي نقبل فيه روايات تنزه الصحابة وتضفي عليهم العدالة وتبشرهم بالجنة وتريهم منازلهم فيها وهي جاءت عن طريق نفس الرواة . . ؟
تــم
|
|