أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب  ص 391 :

صفات الرواة

بعد أن حدد العلماء المرجع الموثوق الذي تؤخذ منه سنة رسول الله " وهم الصحابة " اشترطوا أن يتصف الراوي عنهم بصفتين وهما العدالة والضبط ، والعدالة بالأصل متوفرة بكل المسلمين ، إلا إذا رفعت عنه نتيجة سلوك شائن ، أو تصرف خاطئ أما الضبط فيعني أن الراوي قليل الأخطاء

- ص 392 -

والأغلاط ، والضبط والعدالة درجات دنيا ووسطى وعليا ، والعلماء يقدرونها حسب الظروف ، فإذا جمع الراوي بين العدالة والضبط فهو ثقة وأهل لرواية أحاديث رسول الله عن الصحابة ! ! والمدهش أن الصحابة يوم وضعت هذه الموازين كانوا كلهم أمواتا ! ! !

كان العلماء يهتمون بالإسناد ، فإذا صح الإسناد اهتموا بالحديث وإن لم يصح الإسناد ، فقد الحديث قيمته ، وقال بعضهم : الصحيح ما صح إسناده ، وغير الصحيح ما لم يصح إسناده ، والحديث يجب أن يكون متصل الإسناد من أوله إلى آخره . متنه وصياغته ثم تطرق العلماء إلى صياغة الحديث ، فقالوا يجب أن تخلو صياغة الحديث من أي شذوذ أو علة وأن يسلم لفظه من الركاكة ، ومعناه من المخالفة لآية قرآنية أو خبر متواتر .

التسليم بعدم دقة هذه الموازين والمقاييس قالوا إن من علامات وضع الحديث إن صح سنده أن يكون مخالفا لنص القرآن القطعي وفي ما هو في معناه من كل قطعي شرعي كبعض أصول العقائد أو الأعمال المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يتعذر الجمع بينهما ، كحديث أبي هريرة في خلق السموات والأرض في سبعة أيام ، فالحديث مروي عن صحابي من العدول ، وإسناده صحيح من أوله إلى آخره ، ورجاله ثقات ، ومع هذا قد يكون موضوعا لأنه يتعارض مع آية قرآنية ، أو ما هو ثابت من الذين بالضرورة ، وسلموا أيضا أن الموضوع من حيث الرواية قد يكون صحيحا في الواقع ، وأن الصحيح السند قد يكون موضوعا في الواقع ، وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر مع مراعاة القواعد .

- ص 393 -

وتمخضت هذه الموازين تقسيمات للأحاديث الموزونة منها

 1 - الحديث المتواتر : وهو ما أخبرت به جماعة يمتنع عقلا اتفاق أفرادها على الكذب ، وهو صحيح قطعا ، ويجب الأخذ به من غير توقف ، والأحاديث اللفظية المتواترة في السنة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة .

 2 - خبر الآحاد : وهو الذي لم يبلغ حد التواتر ، ويفيد الظن ، ويؤخذ به في العبادات والمعاملات ، ولا يؤخذ به في العقائد ، وقالوا إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعا ، ولو كانت مخرجة في البخاري ومسلم ، وإنما يفيد العلم فيها بناء على " أن الأمة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب الظن على صدقه " . وتبعا لدرجات العدالة والضبط ولآلية الإسناد ولنوعية النص يكون الحديث : صحيحا ، أو حسنا ، أو ضعيفا ، أو مصحفا ، أو محرفا ، أو مغلوبا ، أو مضطربا ، أو معروفا ، أو غريبا ، أو شاذا . . . وقد يكون الحديث صحيحا عند عالم ، وباطلا عند آخر ، وحسنا عند ثالث وضعيفا عند رابع . حكمهم على كتب الحديث التي عملت بهذه الموازين قال الشافعي : أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك ، ونقل السيوطي بأن الموطأ هو الأصل الأول والبخاري هو الأصل الثاني . وقال الدهلوي : إن الطبقة الأولى من كتب الحديث منحصرة في ثلاثة كتب :

- ص 394 -

 1 - موطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم .
 2 - كتب لم تبلغ الموطأ والصحيحين ولكنها تتلوها سنن أبي داود والترمذي والنسائي .
 3 - مسانيد صنفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما جمعت بين الصحيحين والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب ( 1 ) .


أصح الصحاح حسب هذه الموازين والمقاييس

إن أصح كتب الحديث برأي القوم هو صحيح البخاري ، مع أن البخاري قد أقر علنا ، بأنه لم ينقل الحديث باللفظ إنما كان ينقله بالمعنى ، وأنه كان يسمع الحديث في بلاد ، ويكتبه في بلاد ثانية ! ( 2 )

قال الدكتور أحمد أمين : إن بعض الرجال الذين روى عنهم البخاري غير ثقات ، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو ثمانين وفي الواقع هذه مشكلة فالوقوف على أسرار الرجال محال . . . ولكن ماذا يصنع بمستور الحال ( 3 )

وقال رشيد رضا عن صحيح البخاري ومسلم . . . إنه يوجد في غيرهما من دواوين السنة أحاديث أصح من بعض ما فيهما ( 4 ) . وقال أيضا ما كلف الله مسلما أن يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما فيه ( 5 ) .

 

( 1 ) أضواء على السنة المحمدية ص 260 وما فوق باختصار .
( 2 ) مقدمة فتح الباري ص 4 ، وهدى الساري ج 2 ص 201 وص 94 وص 11 وج 1 ص 186 من فتح الباري ، وأضواء على السنة المحمدية ص 300 .
( 3 ) ضمن الإسلام ج 2 ص 117 - 118 وص 303 من الأضواء .
( 4 ) المنار ج 29 ص 104 و 105 ، والأضواء ص 305 .
( 5 ) المراجع السابقة ، والأضواء ص 305
 . ( * )

 
 

- ص 395 -

ثم إن البخاري ومسلم قد ذكرا أحاديث في صحيحيهما ، أسانيدها صحيحة ورجالها ثقات حسب رأيهما ، ومع هذا فإنها تخالف نصوصا محكمة في القرآن الكريم وتخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة ! ! ، فقد ذكر البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث تتعلق بسلوك الرسول منها على سبيل المثال الحديث الذي يصور الرسول بصورة الرجل الذي يفقد السيطرة على أعصابه فيسب بعض الناس ويشتمهم ويلعنهم ويؤذيهم بغير سبب ولا خطأ صدر منهم ! ! فالشخص العادي من الناس يترفع عن فعل هذا فكيف بصفوة بني الإنسان ، وكيف يوحد البخاري ومسلم بين هذا الحديث وأمثاله وبين قوله تعالى عن الرسول الكريم ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فهل من الخلق العظيم أن يسبب الرسول ويشتم ويلعن ويؤذي بعض الناس بدون ذنب ولا سبب ! لقد سقنا في البحوث السابقة عدة نماذج من طراز هذا الحديث ! !

لكن البخاري ومسلم يعلمان بأن رسول الله قد لعن الكثير من الخلفاء ، ومن كبار أعوانهم ، ليكون هذا اللعن بمثابة ميسم يعرفهم المسلمون به ، فعز على البخاري ومسلم أن يتولى منصب الخلافة رجال لعنهم الله على لسان رسوله ، لذلك فضلا أن يتحمل رسول الله المسؤولية ، وأن تبرأ ساحة الخلفاء ! !

وكان بإمكان البخاري ومسلم أن يفعلا ما فعل الطبري ، فبدلا من أن يروي الطبري الحديث على الوجه التالي " إن الرسول قد قال لعلي بن أبي طالب : أنت أخي وخليفتي ووصيي فيهم " رواه كما يلي " قال الرسول لعلي : أنت أخي وكذا وكذا . . . " وكان بإمكانهما أن يعتذرا بما اعتذر به الطبري عندما أعرض عن رسالة محمد ابن أبي بكر وبرر ذلك بقوله : فيها أمور لا تحتمل العامة سماعها ! ! فلو اعتذر البخاري ومسلم بعذر مشابه ، لكن أقرب للمنطق من تصوير الرسول بتلك الصور التي لا تليق بجنابه الأقدس ، ولا بمكانته السامية الرفيعة ! !

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب