أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب  ص 373 :

الفصل الثاني : القوى والتوجهات التي رفدت حركة كتابة وتدوين سنة الرسول

لقد فتح باب الكتابة والتدوين لكتابة وتدوين سنة الرسول ، ومن هذا الباب ، عبرت فكرة كتابة وتدوين كل شئ ، كان الشروع بتدوين السنة وكتابتها مناسبة لتعبر فيها كل القوى والتوجهات المتواجدة في المجتمع عن وجودها ولتقدم من سنة الرسول أو من " السنة المنسوبة للرسول " ما يدعم هذا الوجود وقد اختلفت مساهمات هذه القوى بحركة كتابة وتدوين السنة ، باختلاف دورها في بناء المجتمع الإسلامي ومساهمتها في صناعة ماضية وحاضره ، لقد أمدت هذه القوى حركة التدوين بسيول عارمة من النصوص الصحيحة أو المختلفة التي ظنت بأنها ستخدم وجودها وتوجهاتها ، وترغم أنوف أعدائها وكانت شهية العلماء مفتوحة لكتابة وتدوين كل ما يعثرون عليه ، والعلماء أنفسهم ينتمون إلى هذه القوى المختلفة ، ومن المؤكد أن التوجهات المختلفة قد أثرت في علماء الكتابة والتدوين ، ولونت ما كتبه العلماء المنتمون إلى كل توجه باللون الخاص لذلك التوجه ، وأروع ما في حركة التدوين والكتابة تلك ، عدم وجود قيود أو تدخل من دولة الخلافة ، اللهم إلا من خلال العلماء الموالين لها ، وهم الأكثرية الساحقة ، أو من خلال نفور العامة مما يتعارض مع قناعاتها ، وسنستعرض هذه القوى تباعا ،

- ص 374 -

تبعا لحجم قوتها ، وتأثيرها على حركة كتابة وتدوين سنة الرسول ، أو السنة المنسوبة للرسول .


معاوية والأمويون

كان معاوية وولاته قد وضعوا مئات الألوف من الأحاديث الباطلة المفتعلة بفضائل لا أول لها ولا آخر ، وبمناقب لا وجود لها إلا في أذهان رواتها وحتى يزيد معاوية الطين بلة ، ويخلط الأمور خلطا يصعب إعادة فرزه فقد أمر معاوية رعيته بحفظ ورواية هذه الأحاديث المفتعلة ، وأمر معاهده العلمية بتدريسها ، وتناقلها المسلمون جيلا بعد جيل ، وتبنتها دولة الخلافة رسميا ، واعتبرتها جزءا لا يتجزأ من وثائقها ومناهجها التربوية والتعليمية ، وصار الناس يعتقدون بصحتها ، لقد شاعت بينهم ، وعندما أباحت دولة الخلافة في ما بعد كتابة وتدوين سنة الرسول ، كتب العلماء هذا الكم الهائل من الأحاديث المفتعلة ، مسلمين بصحته وهو باطل ومفتعل كما يقول " ابن نفطويه " ( 1 )

وساعد على تسوية هذه الأحاديث المفتعلة أنها قد وضعت والكثير من جيل الصحابة على قيد الحياة .

أولياء الخلفاء الأول كذلك فإن أولياء الخلفاء الأول وهم قوة عظمى من قوى المجتمع ، - حتى أن الأمويين أنفسهم يعتبرون أنفسهم جناحا من أجنحة أولياء الخلفاء الأول - وفي سبيل تبرير أعمال الخلفاء الأول ، وضعوا كما هائلا من الأحاديث التي تجعل كل خطوة قد خطاها الخلفاء الأول ، وكل فعل فعلوه منسجما بالكامل مع أمر الله وسنة رسوله ، لقد صورت هذه الأحاديث الخلفاء بصور أزهى من صور الأنبياء ، وكانت وسائل إعلام الدولة قد تناقلت هذه الأحاديث جيلا بعد

 

( 1 ) شرح النهج ج 3 ص 595 و 596 تحقيق حسن تميم . ( * )

 
 

- ص 375 -

جيل أيضا ، واعتقدت الأكثرية بصحتها ، لأنها وجدت فيها نماذج لصور الأبطال الذين تحلم بهم ! ! وعندما شرع العلماء بكتابة وتدوين سنة الرسول عثروا على هذا الكنز الدفين من الأحاديث التي تتفق مع توجهاتهم فدونوا هذه الأحاديث كلها دون تعديل ولا تبديل ، بل فرغوا فيها فنهم لتبدو على أفضل صورة ! !

ومن المفارقات المبكية أن أولياء الخلفاء حملوا رسول الله وزر عدم كتابة ورواية سنته ، فزعموا أن الرسول هو الذي أمر المسلمين بعدم كتابة سنته وعدم روايتها ، وأن الخلفاء الأول قد اتبعوا أمر الرسول ، فمنعوا كتابة ورواية سنته بناء على توجيهاته ! ! وهم يعنون بأنه لا لوم على الخلفاء إن منعوا كتابة ورواية سنة الرسول مائة عام ، إنما يقع اللوم - بزعمهم - على الآمر وهو رسول الله ! ! ووضعوا مئات الأحاديث التي تخدم هذا التوجه ! ! !


ولاة الخلفاء الأول وولاة بني أمية

لقد رأينا في البحوث السابقة أن الأكثرية الساحقة جدا من ولاة وعمال وأمراء وكبار موظفي الخلفاء الأول كانوا من أعداء الله ورسوله السابقين ، ومن الحاقدين على الإمام علي خاصة وعلى آل محمد ومن والاهم عامة .

وقد أطلق الخلفاء الأول أيدي ولاتهم في الولايات التي تولوها ، ليتصرفوا فيها على الوجه الذي يريدون بلا رقيب ولا حسيب ، فنشر أولئك الولاة الذين يجهلون كتاب الله وسنة رسوله ما شاؤوا من الأحاديث ، وبدلوا وغيروا في سيرة الرسول ! ! وهذا أمر تقتضيه طبيعة الأشياء ! !
فهل كان من الممكن أن يقول معاوية لأهل الشام بأن والده أبو سفيان كان أبرز أئمة الكفر ! !
وهل يعقل أن يقول لهم أنه وأبوه وأخوه وبنو عمه هم الذين قادوا جبهة الشرك أثناء مقاومتها للنبي قبل الهجرة ، وأثناء حربها للنبي بعد الهجرة ! ! !
وهل يعقل أن يقول معاوية لأهل الشام إن الهاشميين هم الذين احتضنوا رسول الله وحموه ودينه قبل الهجرة ، وأنهم كانوا أركان حربه بعد الهجرة ! !
وهل يعقل أن يقول معاوية لأهل الشام أن علي بن

- ص 376 -

أبي طالب هو أول من أسلم ، وهو ابن عم النبي ، ووالد سبطيه ، وزوج ابنته ، وهو الذي ركع العرب بسيفه ورمحه ، وأنه حامل راية الرسول في كل المواقع ! ! سذج وأغبياء أولئك الذين يعتقدون أن معاوية سيقول هذا أو ذاك ! ! كان من الطبيعي أن لا يقول معاوية لا هذا ولا ذاك ! ! وكان من الطبيعي أن يدعي ، بأنه الأقرب للنبي ، والأولى به ، فهو والنبي من بني عبد مناف ، وأنه كان كاتبه الخاص للوحي ، وأمين سر الرسول على ما يوحى إليه ، وكان من الطبيعي أن يؤدي عن رسول الله ما يشاء ، فهو ملك الشام الحقيقي ، وكان من الطبيعي أن يتحدث عن سيرة الرسول ، وأن يختلق لنفسه ولأبيه ولأخيه وبني عمومته أدوارا تليق بوالي الشام ! ! ثم إنه ليس ملزما بأن يتولى عملية الاختلاق وهنالك المئات الذين يتبرعون للقيام بهذه العملية ! !

وهكذا فعل كل الولاة في ولاياتهم ، وبهرت هذه الأحاديث التي بثها الولاة حديثي العهد بالإسلام من أهل البلاد المفتوحة ، فرووها ، وشاعت بينهم ونظروا للولاة كعباقرة ، وكصحابة مقدسين ! ! وعندما فتح باب التدوين والكتابة عثر العلماء الباحثون عن سنة الرسول على هذا الكنز " الرسمي " الجاهز ، فكتبوه كله ، وأعطوه أهمية خاصة ، لأن له طابع الوثاق الرسمية .

فلو قال أحد قادة جيش الشام المعروفين " أ ابن ب ابن ج " حدثني كاتب وحي رسول الله معاوية ابن أبي سفيان قال سمعت رسول الله يقول كذا وكذا لكان كافيا ، ولكان حديثا صحيحا ، إسنادا ومتنا ، فمعاوية صحابي ومن العدول حسب القواعد ، " أ ابن ب ابن ج " عدل وضابط وهو ثقة وعلى صلة دائمة بمعاوية بوصفه القائد الأعلى للجيش فالحديث صحيح 100 % ثم إن معاوية قد رأى الرسول بالفعل وجلس معه ، فما هو وجه الغرابة بهذا الحديث الصحيح ! ! ويتكرر المثال مع عمرو بن العاص في بلاد مصر ، ومع المغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة في بلاد العراق . . . الخ فالإسناد

- ص 377 -

صحيح ، والرواة ثقة ، والمتن جيد ، فما الذي يمنع من نسبة هذا الحديث إلى رسول الله ! ! وما الذي يمنع من وصفه بالصحيح ! ! لقد كتب العلماء هذا الكنز كله ! !


آل محمد يستحقون ما أصابهم ! ! !

كذلك فإن بعض أولياء الخلفاء الأول ، وأولياء بني أمية وفروا لعلماء الكتابة والتدوين كمية خاصة من الأحاديث التي تبرر تجاهل الخلفاء لمكانة آل محمد وأهل بيته وتجاهل منزلتهم عند الله ورسوله ، وتبرر الظلم الذي لحق بهم ، والإذلال الذي أصابهم ، فوضعوا أحاديث تهز مكانة أهل بيت النبوة ، وتبرر الإجراءات التي اتخذها بعض الخلفاء بحقهم جورا وظلما ، وتصور أهل بيت النبوة بصورة الطامعين بملك قريش ، ومن ينازعون الأمر أهله ، وتعطيهم ومن والاهم درجة المواطنة من الدرجة الثانية ، وتهبط بمستواهم إلى مستوى الأشخاص العاديين ، وتجردهم من امتيازاتهم ، فتظهرهم بمظهر أفراد من قبيلة قريش ، ولا صلة خاصة لهم برسول الله ، وتظهرهم بمظهر الصحابة العاديين ، وتأخذ منهم أدوار البطولة التي مارسوها بالفعل ، وتعطى هذه الأدوار لأشخاص مغمورين ، بينهم وبين البطولة دنيا وفي أحسن الظروف والأحوال تساوي بينهم وبين أعداء الله السابقين ، أصحاب التاريخ الأسود ، فعلي بن أبي طالب ، وجعفر وعقيل هم في أحسن الأحوال صحابة كأبي سفيان ويزيد ومعاوية وابن أبي سرح ، وهند صحابية تماما كفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ! !

والأنكى من ذلك أنهم قد جعلوا أبا طالب عم النبي ، ومربيه صغيرا ، وحاميه وحامي دعوته ، وقاهر أعدائه في النار ، وجعلوا إمام الكفر ، وألد أعداء الله ورسوله ، وقائد جبهة الشرك أبا سفيان في الجنة ! ! إن هذا لهو البلاء المبين ! ! فأبو طالب في النار بالإجماع ، وأبو سفيان في الجنة بالإجماع ، ووضعت آلاف الأحاديث لتمرير ذلك ، وعندما أخذ العلماء يكتبون ويدونون سنة الرسول

- ص 378 -

كانت تلك الأحاديث محفوظة وغضة في الذاكرة ، ومسندة ، لأن دولة بني أمية قد سقطت للتو ، فكتبها العلماء بحذافيرها . القلة الصادقة المؤمنة من المؤكد أن قلة مؤمنة صادقة كانت تعيش في المجتمع ، ومن المؤكد أنها قد توارثت الكثير من سنة الرسول الصحيحة ، ومن المؤكد أنها قد ساهمت بحركة التدوين ، ودونت ، ما توارثته من سنة الرسول ، وأن الكثير مما لدى هذه القلة ، قد تسرب للعلماء ، وأن العلماء قد دونوه ، ولكن إسهام هذه القلة كان بحجم وجودها في المجتمع محدود التأثير ، ومع هذا فإن أهل بيت النبوة والقلة المؤمنة ، كانوا عمليا هم المصدر الوحيد لكل الأحاديث الصحيحة .


أهل بيت النبوة ومن والاهم

أهل بيت النبوة ومن والاهم لم يتوقفوا عن كتابة وتدوين السنة حال حياة النبي وبعد وفاته ، وفي كل الظروف التي مرت بهم ، كانوا يتوارثون كتبهم وعلومهم كما يتوارث الناس ذهبهم وفضتهم ، ويحافظون عليها كما يحافظون على حياتهم ، وكانوا يحثون الناس على كتابة السنة والاحتفاظ بها ، وروايتها ، ويوم ناشد الخليفة الثاني المسلمين أن يأتوه بكتب السنة المكتوبة لديهم لأنه يريد أن يجمعها وأن يأتوه بالكتب المحفوظة لديهم لأنه يريد أن يقومها ، عرفوا مقاصد الخليفة فلم يسلموه شيئا مما عندهم ، كان أهل بيت النبوة يمارسون الكتابة والتدوين والرواية سرا ، وعندما فتح باب الكتابة والرواية والتدوين أمام الجميع ، استفاد أهل بيت النبوة من هذا التطور ، فأفاضوا على الناس من العلوم ، ما يحتملون فأخذ منهم بعض العلماء ما راق لهم ، وكتبوه في ما كتبوا

- ص 379 -

الكذابون " الصالحون " ! ! يكذبون من أجل الرسول لا عليه ! !

لقد مارس الكثير من المسلمين الكذب والوضع على رسول الله ولكن بشكل مستتر ودون أن يعلنوا عن ذلك ، إنما أوهموا العلماء بأنهم قد رووا ما سمعوا تماما وانطلى ادعاؤهم على العلماء بالفعل ، فكتبوا كل ما رواه الرواة الكاذبون ، واحتلت هذه المكذوبات مواقعها في كتب الحديث المدونة . وكان قصد هذا الطراز من الناس الدفاع عن توجه معين يعتقدون أنه التوجه الأصح ، لذلك مارسوا الكذب لإثبات صحة التوجه الذي يرونه ، ومن المؤكد أنه قد كانت لهذه الطوائف من الناس أسبابها الخاصة لتستحل حتى الكذب على رسول الله ! ! ! وباستثناء أهل بيت النبوة لم يخل فئة من الفئات التي ذكرناها ، من كذابين هان عليهم الكذب على رسول الله لإثبات وجاهة هذا الشئ أو ذاك ! ! وهذا الطراز من الكذابين لم يحاول تبرير كذبه علنا ، أو ممارسة هذا الكذب بصورة علنية إنما كان يظهر الكذب بصورة الصدق ، ويمثل دور الصادق في ما يقول ، مع أنه في قرارة نفسه يعلم بأنه كاذب .

في ما بعد ظهرت فئة من الناس ، لم تر بأسا ولا حرجا من ممارسة الكذب على رسول الله علنا ولكن لغايات " نبيلة " وحاولت هذه الفئة أن تبرر كذبها هذا ، وأن تحصل على رخصة من رسول الله بإباحة كذبها ! !

فقد روي عن أبي هريرة مرفوعا بأن الرسول قد قال : " إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به ، " قلته أم لم أقله " فإني أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه ، فكذبوا به ، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف ! ! " ( 1 ) .

 

( 1 ) مشكل الآثار للطحاوي ، أضواء على السنة المحمدية ص 137  . ( * )

 
 

- ص 380 -

وروى أحمد أن الرسول قال : " إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ، وتلين له أبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ، فأنا أولاكم به . . . قال السيد رشيد إن إسناده جيد " ( 1 ) .

وانطلاقا من هذين الأساسين ، ظهرت طائفة " الكذابون الصالحون " أو الذين يكذبون من أجل البني لا عليه ! ! !

قال خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول : " إذا كان كلام حسن لم أر بأسا من أن أجعل له إسنادا " ( 2 ) .

وأخرج في الحلية عن ابن مهدي عن أبي لهيعة أنه قال : " سمعت شيخا من الخوارج يقول : " . . . فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثا " .

وإذا سألهم سائل كيف تكذبون على رسول الله ؟ : قالوا : نحن نكذب له لا عليه ، إن الكذب على من تعمده ! ! قال مسلم يجري على لسانهم ولا يتعمدون الكذب .

قال ابن حجر : وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث الترغيب والترهيب وقالوا نحن لم نكذب عليه ، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته ! !

قال عبد الله النهاوندي : قلت لغلام أحمد : من أين لك هذه الأحاديث التي تحدث بها في الرقائق ؟ فقال وضعناه لنرقق بها قلوب العامة ! !

قال ابن الجوزي عن غلام أحمد أنه كان يتزهد ويهجر الشهوات ، وغلقت أسواق بغداد يوم موته وأخرج البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبيح بن عمران التميمي أنه قال : أنا وضعت خطبة النبي ، وأخرج الحاكم بسنده إلى أبي عمار أنه قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة بن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازي ابن إسحاق ، فوضعت هذا الحديث حسبه ! !

 

( 1 ) تفسير المنار ص 228 ج 9 ، وأضواء على السنة المحمدية ص 137 .
( 2 ) شرح صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 32
 . ( * )

 
 

- ص 381 -

روي عن سيف بن عمر التميمي أنه قال : كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي فقال له ما لك ؟ قال ضربني المعلم ! قال لأخزينهم اليوم : حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال : " مصلحو صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين " ( 1 ) .

وقد يكون الوضع بالإدراج ، أي إضافة زيادة للحديث ليست منه وعندما فتح باب التدوين والكتابة دون العلماء ذلك كله في ما دونوا من سنة رسول الله ، حيث وجدوا هذه المكذوبات مسندة ! !

واليهود ساهموا بكتابة وتدوين سنة الرسول ! !

كان لليهود الذين أسلموا أو تظاهروا بالإسلام ، وللثقافة اليهودية وجود بارز ومؤثر في المجتمع الإسلامي ، ويكفي أن تعلم بأن كعب الأحبار ، كان مستشار الخليفة الثاني وملاذه وموضع سره ، وأنه كان يسأله حتى عن مستقبل الأمة الإسلامية ( 2 ) وكان يوحي له أنه موجود في التوراة ( 3 )

وكان الخليفة يسأله الموعظة ويستفتيه في بعض آيات القرآن ، مع أن كعب هذا ليس صحابيا ( 4 ) ، وكان عمر يسأل كعبا حتى عن شفاعة النبي يوم القيامة ( 5 ) ، وكان يلتزم بما يقول به كعب ، فلما أراد عمر أن يزور العراق نهاه كعب عن ذلك فانتهى ( 6 )

وكان لكعب تلاميذ وأتباع ومريدون ونفوذ هائل في دولة الخلافة ، أتاح له أن يتحدث بحرية ، وحث الناس ضمنا على اعتبار حديثه ، ونسوق بعض أقوال كعب على سبيل المثال .

 

( 1 ) نقلنا الجزء الأعظم من هذه الفقرة من كتاب أضواء على السنة المحمدية ص 137 - 138 .
( 2 ) مسند أحمد ج 1 ص 42 ، ومجمع الزوائد ج 5 ص 239 ، وتاريخ المدينة لابن شيبة ج 3 ص 891 .
( 3 ) تاريخ الطبري ج 1 ص 323 .
( 4 ) الدر المنثور للسيوطي ، ج 6 ص 257 .
( 5 ) الدر المنثور ج 6 ص 285 .
( 6 ) كنز العمال ج 14 ص 148 ، وراجع تدوين القرآن ص 430 وما فوق
. ( * )

 
 

- ص 382 -

قال كعب " يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما " ( 1 ) .

وروى البزار في ما بعد عن أبي هريرة أن النبي قد قال : " الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة " ( 2 ) .

قال كعب الأحبار إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الديكة فيقول " سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره " .
وفي ما بعد قال أبو هريرة إن النبي قد قال : إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض وعنقه مثبتة تحت العرش وهو يقول : " سبحانك ما أعظم شأنك " ! !

قال كعب الأحبار : " أربعة أنهار الجنة وخصها الله عز وجل في الدنيا ، فالنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة ، وسيحان نهر الماء في الجنة وجيحان نهر اللبن في الجنة " .
وفي ما بعد قال أبو هريرة : أن رسول الله قد قال : " النيل وسيحان وجيحان والفرات من
أنهار الجنة " ! !

وقال كعب : " إن الله قد خلق السموات والأرض وما بينهما في سبعة أيام ، التربة يوم السبت ، والجبال يوم الأحد . . . الخ ( 3 ) .
وفي ما بعد قال أبو هريرة أخذ رسول الله بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد . . . قال البخاري وابن كثير أن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب

 

( 1 ) أضواء على السنة المحمدية وحياة الحيوان ص 222 .
( 2 ) أضواء على السنة المحمدية ص 207 .
( 3 )  نهاية الأرب للنووي ص 220 ، وأضواء على السنة المحمدية ص 208
 . ( * )

 
 

- ص 383 -

الأحبار ، لأنه يخالف القرآن ، الذي نص بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام لا في سبعة كما ادعى كعب الأحبار وقال أبو هريرة . قال أبو هريرة إن رسول الله قد قال : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، اقرأوا إن شئتم ( وظل ممدود ) ( 1 ) .

ولما أتم أبو هريرة رواية الحديث أسرع كعب الأحبار وقال صدق والذي أنزل التوراة على موسى ، والفرقان على محمد لو أن رجلا ركب حقه أو جزعه ثم دار بأعلى تلك الشجرة ، ما بلغها حتى يسقط هرما ! ! ! " .

والخلاصة أن علماء الحديث عندما شرعوا بتدوين وكتابة سنة الرسول وجدوا " منجما " إسرائيليا يحتوي عشرات الآلاف من الأحاديث المنسوبة للرسول والمسندة إسنادا جيدا ، والمدعومة من كعب الأحبار جليس الخلفاء وصفيهم فكتبوها ، كما هي .


والنصارى ساهموا أيضا بكتابة وتدوين سنة الرسول ! ! !

وكان لتميم الدارمي ، راهب أهل عصره نفوذه الخاص في دولة الخلافة ، وله أتباعه وتلاميذه ومريدوه ، وكان يحدث بروايات وقصص عن الحساسة والرجال وإبليس وملك الموت والجنة والنار فملأ الأرض بهذه الروايات ( 2 ) لما فعل زميلاه من قبل كعب ووهب ولما بدأ علماء المسلمين بكتابة ورواية سنة الرسول ، وجد هذا " المنجم " المسيحي فكتبوه كله مع ما كتبوا من سنة الرسول .

 

( 1 ) راجع أضواء على السنة المحمدية ص 207 وما فوق .

( 2 ) أضواء على السنة المحمدية ص 182  . ( * )  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب