أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب  ص 369 :

بدء الكتابة والتدوين والرواية بعد المنع

لقد فتح عمر بن عبد العزيز رسميا باب الكتابة والتدوين والرواية وتأليف الكتب ، بعد أن بقي هذا الباب مغلقا إغلاقا تاما طوال مائة عام ونيف إعمالا لسنة الخلفاء القائمة في جانب منها على كراهية الكتابة والتدوين والرواية لسنة رسول الله خاصة وبقية العلوم عامة ، واحتاجت الأكثرية الساحقة من المسلمين إلى فترة زمنية تراوحت بين العشرين والثلاثين سنة حتى تستوعب هذا القرار المناقض تماما لسنة الخلفاء ، ولكن الخلفاء الأمويين المتأخرين قد أصروا على تنفيذه ، وأكرهوا الناس على قبوله ، وبعد تردد قبلته الأكثرية وهي كارهة له ، ومع الأيام رضيت به ، واكتشفت حسناته وبركاته فأقبلت عليه في أواخر عهد بني أمية وبدأ القادرون على الكتابة بكتابة صحف متفرقة ، يدونون فيها ما يروق لهم مما يسمعونه في مجالسهم ، من حديث وتفسير ولغة وشعر ، وحلال وحرام دون أن يستهجن عملهم مستهجن ، أو يؤاخذهم على ما يكتبون مؤاخذ لأن كتابة كل شئ صارت أمرا مباحا ومشروعا ، كانت هذه حالة الكتابة والتدوين في أواخر العهد الأموي .

- ص 370 -

بعد سقوط الدولة الأموية ، قامت على أنقاضها الدولة العباسية التي وجدت الباب مفتوحا للكتابة والرواية والتدوين والتأليف ووجدت القبول العام بذلك كله ، وكان على رأس الدولة العباسية أبو جعفر المنصور ، وهو عالم فذ وفق موازين عصره ، فاستنهض علماء زمانه ، فدونوا المحفوظ بالصدور ، ورتبوا ما وصل إليهم من الصحف ، وجمعوا الحديث والفقه ، وأمدهم بما يحتاجونه ، ولم يكتف بذلك بل كلف العلماء والمترجمين بأن ينقلوا له علوم الأمم الأخرى ويترجمونها من اليونانية والسريانية والفارسية إلى اللغة العربية ، فانتشرت سريعا كتب الحديث والتفسير والفقه والسياسة والحكمة والطب والفلك والتنجيم والفلسفة والمنطق والتاريخ والأيام وغيرها ، واستقرت مهنة الكتابة والتأليف ، ثم أخذت تتطور تطورا نوعيا شاملا وفي كل فرع من فروع العلوم حتى وصلت للأفضل .


كتابة سنة الرسول ومراحل تطورها

كانت كتابة سنة الرسول هي السبب المباشر لفتح باب الكتابة والتدوين ، فمع إباحة كتابة وتدوين سنة الرسول ، أبيحت كتابة وتدوين كل العلوم ، وقد مرت كتابة سنة الرسول بالأطوار والمراحل نفسها التي مرت بها أكثر العلوم ، ففي البداية كانت نصوص سنة الرسول تكتب في صحيفة واحدة ، مع التفسير والفقه واللغة ، لأن الكتابة كانت انعكاسا لمجالس العلم التي تتطرق لأمور مختلفة في مجلس واحد ، ثم نمت هذه الصحف وبنموها نمت " الكمية " المكتوبة فيها من سنة الرسول ، ثم خطرت ببال البعض فكرة تخصيص صحف خاصة لسنة الرسول ، وكانت هذه الصحف تشتمل على حديث الرسول وأقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين .

في بداية القرن الثالث الهجري وجد شكل آخر لتدوين سنة الرسول ، وهو تدوين حديث الرسول وحده ، دون أن تدون فيه أقوال الصحابة أو فتاوى التابعين ، فظهرت المسانيد كمسند العبسي الكوفي ، ومسند البصري ، ومسند

- ص 371 -

الحميري وغيرهم ، وجاء الأعلام من بعدهم فسلكوا بنفس المنهاج كأحمد بن حنبل وابن راهويه وغيرهما ، كانوا يكتبون في هذه المسانيد حديث رسول الله وحده أو الحديث المنسوب إلى رسول الله ، سواء أصدر عن الرسول بالفعل أو لم يصدر عنه ، فالعبرة بادعاء الراوي ، أو بزعمه ، ولم تكن هنالك طريقة واضحة المعالم لمعرفة ما قاله الرسول بالفعل وما تقوله الرواة عليه ، وقد تفاقمت هذه المشكلة في ما بعد خاصة وأن أصحاب رسول الله كلهم كانوا قد ماتوا ولم يبق منهم على قيد الحياة صحابي واحد عندما أذنت دولة الخلافة بكتابة ورواية سنة رسول الله ، بل والأعظم من ذلك أن أكثرية جيل التابعين كانوا قد ماتوا أيضا ! !

وزاد المشكلة تعقيدا ثقافة التاريخ المعادية لأهل بيت النبوة ، لقد أشربت الخاصة والعامة هذه الثقافة ، فأثمرت حساسية خاصة من أهل بيت النبوة ومن والاهم ولولا هذه الحساسية المستحكمة في نفوس الأغلبية الساحقة من الأمة ، لكان بإمكان أهل بيت النبوة أن يحلوا هذه المشكلة ، لأن أئمة أهل بيت النبوة ورثوا علم النبوة كله ، وسنة الرسول كلها مكتوبة ومبوبة ومحفوظة عندهم ، لا زيادة فيها ولا نقصان وكان بإمكان الأئمة لو استشيروا أن يدلوا العلماء على سنة الرسول الصادرة عن الرسول بالفعل ، وأن يدلوهم على ما تقوله الرواة على رسول الله ، لكن أكثر علماء الحديث تجاهلوا بالفعل وجود أهل بيت النبوة ، وتجاهلوا حديث الثقلين ، ووكلوا أنفسهم إلى فهمهم واجتهادهم ، فالبخاري وهو أول الرافعين لشعار صحة الحديث لم يرو عن الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حديثا واحدا ، مع أنه قد روى عن المجاهيل ومستوري الحال ، ومن لا يصلحون خداما لحفيد النبي وعميد أهل بيت النبوة في زمانه ! ! أمام اختلاط الأحاديث الصحيحة " أو التي سموها صحيحة " بالأحاديث التي سموها غير صحيحة نشأت فكرة فرز الصحيح عن غير الصحيح ، وجمع الأحاديث الصحيحة في كتب خاصة ، سموها كتب الصحاح ، وقد تمت عملية الفرز عندما ظهرت طبقة البخاري ومسلم .

- ص 372 -

لولا سنة الخلفاء لحفظت سنة الرسول ولما اختلف اثنان فيها ! !

لو لم يحرق الخلفاء سنة الرسول المكتوبة ، ولو أنهم لم يمنعوا المسلمين من كتابتها وروايتها مدة مائة عام ونيف ، لوصلتنا سنة الرسول مكتوبة محفوظة بلا زيادة ولا نقصان ، تماما كما وصلنا القرآن الكريم ! ! ولما اختلف اثنان في سنة الرسول ، ولتناقلها الناس جيلا بعد جيل ، ولما كان هنالك من داع للجهود الجبارة التي بذلها العلماء في ما بعد دون طائل للوقوف على سنة الرسول ، وفي وقت يطول أو يقصر سيكتشف المسلمون حجم الدمار الذي ألحقته سنة الخلفاء بسنة رسول الله ! بل حجم الدمار الذي ألحقته سنة الخلفاء بدين الإسلام نفسه ! ! لقد قصمت سنة الخلفاء ظهر الإسلام بالفعل ، وأعاقت حركته ! !

فماذا استفاد الخلفاء يوم أحرقوا سنة الرسول التي كانت مكتوبة عند المسلمين ؟ ؟
وماذا جنوا يوم أحرقوا الكتب التي كانت محفوظة عند المسلمين ؟ !

وأي نفع حصلوا عليه يوم أمروا ولاتهم بمحو سنة الرسول المكتوبة في الأمصار والولايات الخاضعة لحكمهم ؟ ! وما هي فائدتهم من منع المسلمين من أن يحدثوا شيئا عن رسول الله ؟ ! ثم ما هو وجه المنطق بالاستمرار في هذه السياسة مائة عام حتى يفنى جيل الصحابة كله ؟ ! !

لقد تحولت سياسية الخلفاء ملزمة للدولة والرعية معا ، وما زلنا حتى يومنا هذا نجد من يدافع عن هذه السياسة ، ويبررها بتبريرات ما أنزل الله بها من سلطان ! ! وما خطرت حتى ببال الخلفاء والذين وضعوا هذه السياسية التي تحولت إلى سنة ! !

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب