الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
55
الفصل السابع
القائلون بعدم الرؤية
رغم دعوى الإجماع على الرؤية والمبالغة في نقل الاتفاق
والتسالم عليها بين السلف ، إلا أنّ الشواهد والأدلة
على العكس من ذلك ، فقد ذهب إلى نفي الرؤية جماعة من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم حسب ما نقلته كتب السنة
عنهم ، و منهم :
1- عائشة زوج الرسول
(ص)
وقد أخرج ما ذكرته البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وإسحاق
بن راهويه والنسائي والترمذي والطبري وابن المنذر وابن
أبي حاتم وأبو الشيخ الإصبهاني وابن مردويه والبيهقي
في الأسماء والصفات و أبو نعيم الإصبهاني وأبو عوانة
وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم بالإسناد عن مسروق –
واللفظ لمسلم - قال : كنت متكئاً عند عائشة ، فقالت :
يا أبا عائشة ، ثلاث ، من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم
على الله الفرية ، قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أنّ
محمداً (ص) رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية . قال :
وكنت متكئاً فجلست ،
56
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
فقلت : يا أم المؤمنين ، انظريني
ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل : ( وَلَقَدْ رَآهُ
بِالأُفقِ الْمُبِينِ ) (1) ؟ فقالت : أنا أول هذه
الأمة سأل عن ذلك رسول الله (ص) فقال : إنما هو جبريل ،
لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ،
رايته منهبطاً من السماء ، سادا عظم خلقه ما بين
السماء إلى الأرض ، فقالت : أولم تسمع أنّ الله يقول :
( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ) أولم تسمع
أنّ الله يقول : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ
حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ
مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (2) ...الخ .(3)
(1) سورة التكوير : 23 .
(2) سورة الشورى : 51 .
(3) صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج1 ص 159 ح
177 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ،
المسند
المستخرج على صحيح الإمام مسلم ج1 ص 241 ح 442 ط. دار
الكتب العلمية / بيروت سنة 1996م ،
سنن الترمذي ج5 ص
262 ح 3068 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ، وج2
ص 328 ح 5063 ط. دار الفكر / بيروت سنة 1403هـ - 1983م
، مسند أبي عوانة ج1 ص
134 ح 405 وص 135 ح 406 ، 407 وص 36 ح 410 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1998م ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
57
وفي البخاري بالإسناد عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا
أمتاه هل رأى محمد (ص) ربه ؟ فقالت : لقد قف شـعري مما
قلت ، أين أنت من ثلاث : من حدثكهن كذب ، من حدثك أنّ
محمداً (ص) رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : (
لاَ
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُـدْرِكُ الأَبْصَارَ
وَهُـوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ) ، (
وَمَا كَـانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَـهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا
أَوْ مِـنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ). (1)
ما ذكره ابن خزيمة بشأنْ كلام عائشة
وقد ذكر عدة منهم أنها إنما أرادت نفي الرؤية في
الدنيا وليس في الآخرة ، وذكر ابن خزيمة أنّ هذا
استنباط منها للآيات في غير محله فلا يلزم العمل به ،
وأنها تكلمت في حال الغضب ، وأنّ الأجدر
السنن الكبرى للنسائي ج6 ص 335 ح
11147 وص 432 ح 11408 وص 471 ح 11532 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة
1411هـ - 1991م ، الإيمان لابن مندة ج2 ص 761 ح 763 وص 762 ح
764 وص 763 ح 765 وص 764 ح 766 ط. مؤسسة الرسالة /
بيروت سنة 1406هـ ، تفسير الطبري ج7 ص 301 ط. دار
الفكر / بيروت سنة 1405هـ ، تفسير ابن كثير ج4 ص 251
ط. دار الفكر / بيروت سنة 1401هـ ، مسند إسحاق بن راهويه ج3 ص 790 ح 1421 وص 803 ح 1439 ط. مكتبة
الإيمان / المـدينة المنـورة سنة 1412هـ - 1991م ،
كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 221 - إلى - 225 ط. دار
الكتب العلمية سنة 1403هـ - 1983م .
(1) صحيح البخاري ج4 ص 1840 وج6 ص 2687 ط. دار ابن
كثير – دار اليمامة / بيروت سنة 1407هـ - 1987م .
58
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
والأفضل لها
أنْ لم تكن قد تكلمت يقول ابن خزيمة في كتاب التوحيد :
> هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب كانت لفظة
أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها ، ليس
يحسن في اللفظ أنْ يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن
عباس الفرية ، وأبو ذر ، وأنس بن مالك ، وجماعات من
الناس الفرية على ربهم ، ولكن قد يتكلم المرء عند
الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها ، أكثر
ما في هذا أنّ عائشة رضي الله عنها ، وأبا ذر وابن
عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه قد
اختلفوا هل رأى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ربه ؟
فقالت عائشة رضي الله عنها : لم ير النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم ربه ، وقال أبو ذر وابن عباس رضي
الله عنهما قد رأى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم
ربه ... (1)
ما يقتضيه كلام عائشة
وبالجملة فإنّ الذي يقتضيه كلام عائشة هو امتناع رؤية
الباري عز وجل مطلقاً ، وأنّ الله عز وجل أعظم وأجل من
أنْ تدركه الأبصار ، وذلك في أربعة مواضع من كلامها :
(1) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 225 ، 226 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1403هـ -1983م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
59
الأول : قولها > لقد قف شعري مما قلت < ، حيث يتضمن
أنّ الاعتقاد بهذا الأمر ، بل توهمه من الأمور الخطيرة
التي تتنافى مع تعظيم الله عز وجل وتقديسه ، وأنّ الذي
يتناسب معه هو العكس من ذلك تماماً .
الثاني : التعليل بالآية الكريمة ، وأنّ الآية الكريمة
تدل على أنّ الباري عز وجل لا تدركه الأبصار ، ومعه
فلا مقتض للاعتقاد بالرؤية .
الثالث : نفس إنكارها رؤية النبي
(ص) لربه عز وجل .
الرابع : مبالغتها في الرد على من ادعى الرؤية ، حيث
اعتبرته ليس كاذباً فقط ، بل اعتبرته ممن بالغ في
الكذب وأعظم الفرية على الله تعالى ، وفيه إشارة إلى
أنّ هذا التفكير الذي يقتضي التجسيم والتشبيه كانت
المحاولات لطرحه قديمة ، غير أنّ من سمع النبي (ص) كانْ
قد عرف منه ما هو خلاف ذلك .
2- قتادة بن دعامة السدوسي
قال فيه الذهبي : حافظ العصر ، قدوة المفسرين
والمحدثين ، وقـال أيضاً : وكان من أوعية العلم وممن
يضرب به المثل في قوة الحفظ ، روى عنه أئمة الإسلام .
(1)
(1) سير أعلام النبلاء ج5 ص 269 ، 270 رقم 132 ط.
مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1413هـ .
60
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
قال الطبري في تفسيره : حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال
حدثنا سعيد عن قتادة قوله ( لاَ تُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ وَهُوَ يُـدْرِكُ الأَبْصَارَ ) وهو أعظم
من أن تدركه الأبصار . (1)
وقال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج عبد بن حميد
وأبو الشيخ عن قتادة : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ
)
؟ قال : هو أجل من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار . (2) .
والعبارتان المذكورتان عن قتادة من أوضح العبارات في
نفي الرؤية ، إذا ما يذكره قتادة هو أنّ دعوى الرؤية
تتنافى مع الاعتقاد بجلال الله عز وجل وعظمته .
3- مجاهد بن جبر المكي
ومكانته عند السنة أشهر وأوضح من أنْ تحتاج إلى بيان .
(1) تفسير الطبري ج7 ص 299 .
(2) الدر المنثور ج3 ص 335 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
61
قال الطبري : حدثنا ابن حميد ، قال حدثنا جرير ، عن
منصور ، عن مجاهد ، قال : كان أناس يقولون في حديث
فيرون ربهم فقلت لمجـاهـد : إن ناسا يقولون إنه يرى ؟
قال يرى ولا يراه شيء .
وقال أيضاً : قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجـاهد
: في قـوله : ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال :
تنتظر من ربها ما أمر لها . (1)
4- السدي
قال فيه الذهبي : الإمام المفسر ، وقال فيه أحمد بن
حنبل ثقة ، وقال النسائي : صالح الحديث . (2)
قال الطبري : حدثنا محمد بن الحسين ، حدثنا أحمد بن
المفضل ، قال حدثنا أسباط ، عن السدي : لا تدركه
الأبصار لا يراه شيء وهو يرى الخلائق . (3)
وأخرجه بالإسناد عن السدي أيضاً ابن أبي حاتم . (4)
(1) تفسير الطبري ج29 ص 193 ،
تفسير ابن كثير ج2 ص 163
.
(2) سير أعلام النبلاء ج5 ص 264 رقم 124 .
(3) تفسير الطبري ج 7 ص 301 ،
تفسير ابن كثير ج2 ص 163
ط. دار الفكر / بيروت سنة 1401هـ .
(4) الدر المنثور ج3 ص 335 ط. دار الفكر / بيروت سنة
1993م .
62
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
5- أبو صالح السمّان
قال فيه أحمد بن حنبل : ثقة ثقة ، من أجلّ الناس
وأوثقهم (1) ، وقال الذهبي : القدوة ، الحافظ ، الحجة ،
وقال أيضاً : كان من كبار العلماء بالمدينة . (2)
قال أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف : حدثنا أبو معاوية
، عن إسماعيل، عن أبي صالح : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ ) قال : حسنة ، (
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال تنتظر الثواب من ربها . (3)
وأخرجه عن أبي صالح أيضاً الطبري في تفسيره .
(1) تذكرة الحفاظ ج1 ص 89 رقم 78 .
(2) سير أعلام النبلاء ج5 ص 36 رقم 10 .
(3) المصنف لابن أبي شيبة ج7 ص 205 ح 35367 ط. مكتبة
الرشد / الرياض سنة 1409هـ ، الدر المنثور ج8 ص 360 .