411
.................................................
المعجزات والكرامات
لبعض أهل السنة
الفصل الثاني والعشرون
ما ذكروه بشأنْ فرار الشيطان
من عمر بن الخطاب إذا رآه
وقد رووا ذلك بروايات متعددة منها :
1- قـال البخاري في صحيحه : حـدثنا إسماعيل ، حـدثنا
إبراهيم ، عن
صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد
الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن محمد بن سعد ، عن أبيه
قال :
> استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وعنده نسوة من قريش
يسأَلْنَه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته ، فلما
استأذن عمر تبادرن الحجاب ، فأذن له النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم فدخل ، والنبي يضحك ، فقال : أضحك
الله سنك يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي . فقال (ص) :
عجبت من هؤلاء اللاتي كنَّ عندي ، لما سمعن صوتك
تبادرن بالحجاب . فقال : أنت أحق أن يهبن يا رسول الله
. ثم أقبل عليهن فقال : يا عدوات أنفسهن ، أتهبنني ولم
تهبن رسول الله (ص) ؟ فقلن : إنك أفض وأغلظ من رسول الله
(ص) .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
412
قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إيهٍ يابـن الخطاب ، والـذي
نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجّا إلا سلك فجا غير
فجك < . (1)
وهذا الخبر يدل على عدة أمور :
الأول : أنّ النبي (ص) كان جالساً مع نسوة من قريش بدون
أنْ يرتدين الحجاب بحضرته (ص) ، بدليل أنهم لما رأين عمر
حسب هذه الرواية الباطلة تبادرن بالحجاب .
الثاني : أنّ تلـك النسـوة كـانت أصـواتهن عاليـة على
صـوت رسـول الله (ص) .
الثالث : الرسول الأعظم
(ص) حسب نقل هذا الخبر المنكر لم
يكن فقط غير مستنكر لهذه الحالة التي لا تتناسب مع
شخصية تحترم نفسها فضلاً عن كونه سيد الكائنات
والمرسلين ، بل كان يضحك مع أولئك النسوة .
الرابع : أنّ الذي كان منزعجاً لذلك المنظر وخاف منه
الشيطان وفر منه هو عمر بن الخطّاب .
(1) فتح الباري ج10 ص616 ح6085 .
413
.................................................
المعجزات والكرامات
لبعض أهل السنة
وهذا الخبر كما ترى يجعل عمر أفضل من رسول الله
(ص) ،
فالنبي (ص) حسب ما يذكره هذا الخبر الباطل لم يفر منه
الشيطان ولم يكن معترضاً على هذا الأمر المنكر الذي
وقع ، بل كان متفاعلاً معه ، وإنما الذي أنكر ذلك
الأمر غير المناسب حسب إدعائهم وقد فرّ الشيطان منه هو
عمر بن الخطاب ، فقد أثبت هذا الخبر كما ترى فضيلة
مزعومة لعمر تقوم على أساس الطعن في رسول الله (ص) .
2- أخرج عدة من الحفاظ منهم أحمد بن حنبل والنسائي في
السنن الكبرى والترمذي وغيرهم ، قال الترمذي : حدثنا
الحسن بن صباح البزار حدثنا زيد بن حباب ، عن خارجة بن
عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، أخبرنا يزيد بن
رومان ، عن عروة ، عن عائشة قالت :
> كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم جالسا ،
فسمعنا لغطاً وصوت صبيان ، فقام رسول الله صلى الله
عليه(وآله) وسلم فإذا حبشية تَزْفِنُ (1) والصبيان
حولها ، فقال (ص) : يا عائشة تعالَيْ فانظري ، فجئت فوضعت
لحيي (2) على منكب رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم ، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب
(1) أي : ترقص .
(2) أي : ذقنها .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
414
إلى رأسه ،
فقال لي : أما شبعت ، أما شبعت ، قالت : فجعلت أقول لا
، لأنظر منزلتي عنده ، إذ طلع عمر ، قال : فأرض الناس
(1) عنها ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا
من عمر . قالت : فرجعت < .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
(2)
أقول : أين كان شياطين الجن والإنس قبل أنْ يأتي عمر
بوجود أشرف خلق الله وسيد رسله وخاتم أنبيائه ، وإذا
كان ما جرى يرضي الشياطين ويغضب الله عز وجل ، فهل
يُعقل أنْ يسمح الرسول الأعظم لنفسه أنْ ينظر إلى
ذلك المنظر ويسمح لزوجته أنْ تستعين به لأجل أنْ تنظر
لذلك ، ومن ثم يكون عمر أكثر غيرة منه ؟! ، وهذه
الكرامة التي ادعوها فضلاً عن أنها تبتني على الطعن في
شخصية رسول الله وحاشاه من ذلك تفرغ كرامات الأولياء
من محتواها وقيمتها .
3- أخرج عدة من الحفاظ منهم الترمذي حيث قال : حدثنا
الحسين بن حريث ، حدثنا علي بن الحسين بن واقد ، حدثني
أبي ، حدثني عبد الله
(1) أي : تفرقوا .
(2) سنن الترمذي ج5 ص580 ح3691 .
415
.................................................
المعجزات والكرامات
لبعض أهل السنة
بن بريدة ، قال سمعت بريدة يقول :
> خرج رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في بعض
مغازيه ، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت : يا رسول
الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك
بالدف وأتغنى ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : إن كنت نذرت فاضربي ، وإلا فلا ، فجعلت تضرب ،
فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثم دخل علي (ع) وهي تضرب ، ثم
دخل عثمان وهي تضرب ، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت
أُستها ، ثم قعدت عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ، إني كنت
جالساً وهي تضرب ، فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثم دخل علي
(ع) وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا
عمر ألقت الدف < .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة
.(1)
(1) سنن الترمذي ج5 ص579 ، 580 ح3690 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
416
وهذه الفضائل والمناقب التي أرادوا من خلالها بيان أنّ
عمر بن الخطاب من أصحاب الكرامة وذوي المقام الرفيع
عند الله عز وجل كما ترى نسجوها على حساب شخصية الرسول
الأعظم (ص) ، وهي على الصحيح بدلاً من أنْ تثبت كرامة
لأحد تثير تساؤلات عديدة وتكشف عن خيوط تآمرية نسجها
بعض الرواة المتآمرين على الإسلام للنيل من شخصية
الرسول الأعظم (ص) وسيأتي بيان ذلك وتفصيله إنشاء الله
تعالى عند الحديث عن عصمة الأنبياء (ع) .