الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
291
الفصل العاشر
ما ذكروه بشأنْ مخاطبة الأولياء
للجمادات والنباتات والحيوانات
يقـول السبكي في طبقـات الشافعية الكبرى بشأنْ كرامات
الأولياء : وأما
جمهور أئمتنا فعمموا التجويز ، وأطلقوا القول إطلاقا ،
وأخذ بعض المتأخرين يعدد أنواع الواقعات من الكرامات
فجعلها عشرة ، وهي أكثر من ذلك وأنا أذكر ما عندي فيها
.
إلى أنْ قال : السادس كلام الجمادات والحيوانات ، ولا
شك فيه وفي كثرته ، ومنه ما حكي أن إبراهيم بن أدهم
جلس فى طريق بيت المقدس تحت شجرة رمان فقالت له : يا
أبا إسحاق أكرمني بأن تأكل مني شيئاً قالت ذلك ثلاثا
وكانت شجرة قصيرة ورمانها حامضاً ، فأكل منها رمانة
فطالت وحلا رمانها وحملت فى العام مرتين ، وسميت رمانة
العابدين وقال الشبلي : عقدت أني لا آكل إلا من حلال ،
فكنت أدور فى البراري فرأيت شجرة تين فمددت يدي لآكل
منها فنادتني الشجرة احفظ عليك عقدك ولا تأكل منى فإني
ليهودي فكففت يدي . (1)
أقول : وكلماتهم بهذا الشأنْ كثيرة جداً .
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 339 ، 340 .
292
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
الفصل الحادي عشر
ما ذكروه بشأنْ زيارة الكعبة الشريفة للأولياء
من أغرب ما ذكروه بشأنْ كرامات الأولياء وأعجبة القول
بأنّ الكعبة الشريفة قد تنتقل من مكانها وتذهب إلى
أماكن متعددة من العالم لزيارة الأولياء ، ومن ثم
بحثوا في كتب الفقه بأنها عندما تترك مكانها لزيارة
أحد الأولياء ، ويبقى البيت الحرام خالياً من الكعبة
الشريفة ، فما هو حكم الصلاة بالنسبة لاستقبال القبلة
حينئذ ؟!
يقول ابن عابدين الحنفي : وفي البحر الرائق عن عدة
الفتاوى : الكعبة لو رفعت من مكانها لزيارة أصحاب
الكرامة ففي تلك الحالة جازت الصلاة إلى أرضها . (1)
ويقول الطحطاوي في حاشيته : ... حتى لو رفعت الكعبة من
مكانها لزيارة أصحاب الكرامة أو لغير ذلك ففي تلك
الحالة جازت صلاة المتوجهين إلى أرضها . (2)
(1) حاشية ابن عابدين ج1 ص 645 ط. دار الفكر / بيروت ،
وراجع أيضاً : البحر الرائق ج1 ص 289 ط. دار المعرفة /
بيروت سنة 1993م .
(2) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 136 ط. دار
الإيمان / دمشق .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
293
أقول : ما ذكروه بشأنْ زيارة الكعبة الشريفة للأولياء
بزعمهم أحد الشواهد على غلوهم في من اعتبروهم من
الأولياء ومبالغتهم ، وإلا فإنّ البيت الحرام لم يخلو
في وقت من الأوقات من المسلمين ، ولم ينقل لنا التاريخ
أنّ الكعبة الشريفة في لحظة من اللحظات أو في يوم من
الأيام غادرت مكانها لزيارة بعض الأولياء حسب الإدعاء
.
والذي لا يكاد ينقضي منه العجب في ذلك بيان المسائل
الفقهية المترتبة على هذا الهراء الذي لا يمكن أنْ
يقبل ، فيبحث في كتب الفقه أنْ لو خلى البيت الحرام من
الكعبة الشريفة ما هو حكم الصلاة حينئذ ، وإلى أين
يتجه المصلون ، ولنا هنا أنْ نطرح نظرية أخرى بالإضافة
لما ذكروه لاسيما بعد التطور الحديث الذي نعيشه وإمكان
معرفة الأمور بسرعة فائقة ، وهي أنْ يتجه الناس إلى
نفس الكعبة الشريفة أينما كانت ، فلو كانت في المغرب
عند أحد الأولياء فحينئذ على الناس أنْ يتوجه للمغرب ،
وهكذا لو كانت في موقع آخر .
ونستغرب جداً كيف تصل عقلية البعض ممن يعدون من
الفقهاء وذوي الاختصاص إلى أنْ تقودهم أذهانهم إلى مثل
هذه الأفكار الباطلة التي لا يحتاج الرد عليها إلى
مزيد من البيان .