224
.................................................
معجزات الأولياء
وكراماتهم عند أهل السنة
الفصل الثاني
في مناقشة ما ذكروه بشأنْ إحياء الموتى
تبين فيما تقدم تسالم علماء السنـة على أنّ إحياء
الموتى يمكـن أنْ يقع
على يد الأولياء ، بل قالوا بوقوع ذلك ، وتقدمت بعض
الشواهد من مصادرهم ، والمشكلة فيما ذكروه أنه يفرغ
كرامات الأولياء عن محتواه ، ويجعل تلك الكرامة في بعض
الفرضيات إلى مجرد قدرة خارقة يحصل عليها من كان ولياً
من أولياء الله تعالى ، ولو لم يكن في مقام الاحتجاج
وإقامة الحجة ، ولو لم يكن لأجل إقامة الدين ، فتجد
الولي حسب زعمهم لأنّ له علاقة بأحد يحي ميت مات له
لأجل التخفيف عنه ، كما في من أحيا زوجة الحاكم ، أو
لبيان مكانته التي لا يترتب عليه مزيد من الآثار يأكل
دجاجة فيحييها كما هو الحال لما ادعوه بشأنْ عبد
القادر الجيلاني ، نحن لا نقول بأنّ شيئاً غير ممكن
لله عز وجل ، فالله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض
وهو خالق الخلق الذي لا يمكن أنْ يخرج شيء في عالم
الوجود عن إرادته ، ولكن القول بكرامات الأولياء على
النحو الذي يصوروه غير مقبول ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
225
وإنما الكرامات
المعجزات تكون للأولياء لإقامة الحجة أو لنصرة الدين ،
وأما أنْ تتحول ظاهرة إحياء الموتى إلى مجرد قدرة عند
الأولياء تستغل في أي مورد من الموارد ، ففيه تشويه
للمقامات الإلهية العظيمة والرفيعة .
ولنا أنْ نتساءل عن إحياء الدجاجة التي أكلها عبد
القادر الجيلاني ولم يبق منها إلا العظام ، ثم يأمرها
أنْ تكون دجاجة حية ، فتكون خلال لحظات دجاجة تتحرك
وتصلح للأكل مرة أخرى ، والتساؤل الذي نريد طرحه هنا
هو ما هو الأثر المفترض في مثل هذه الكرامة المزعومة
وأمثالها من كرامات ذكروها في الكتب التي صنفت لذكر
كرامات الأولياء حسب زعمهم ، ولماذا يقوم ذلك الولي
الآخر بزعمهم بإحياء زوجة الحاكم ، هل لحفظ الدين من
الانهيار أو لما يترتب على ذلك من النعم البالغة
بوجودها لميزة فيها لا توجد في أحد من الخلق .
ثم المشكلة الثانية فيما ذكروه أنّ معجزات الأنبياء
(ع)
، بل حتى كرامات الأولياء (ع) ليس فيها حسب مقتضى ما
ذكروه أي ميزة تقتضي إقامة الحجة على الخلق بأي وجه من
الوجوه ،
226
.................................................
معجزات الأولياء
وكراماتهم عند أهل السنة
ولا يمكن الاستناد لها لإثبات أي أمر من
الأمور ، لأنه كما يمكن أنْ تقع على يد من أراد الله
عز وجل إظهار صدقهم ومكانتهم يمكن أنْ تقع على يد الفسقة والكفار بل على يد أكثر الناس كفراً وفجوراً ،
فالدجال الكافر الفاسق يمكنه حسب زعمهـم يمكنـه الموتى
كما يمكـن أنْ يقـع ذلك على يـد الأنبياء (ع) ، بل سيأتي
أنهم يتفقون على أنه يأمر السماء ويأمر الأرض
فتستجيبان له ، ويأمر الخربة أنْ تُخرج كنوزها فتأتي
إليه سعياً .
ثم إنّ ظاهرة إحياء الموتى عندهم قد تقع على يد كل
إنسان صالح ، فلا تختص بجماعة ممن اصطفاهم الله عز وجل
وطهّرهم وأراد بإعطائهم تلك الكرامات أنْ يقيم الدين
بهم ، بل تقع ممن يقع منه الخطأ والذنوب كما تكون
لأصحاب المقامات الرفيعة ، بل تقع للكافر أيضاً ، وما
هذا إلا طرح مشوه مرفوض لفكرة الكرامة وللمعجزات .