144 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

المبحث الثاني
في مناقشة ما ذهب إليه الحنابلة في
المسائل المتعلقة بخلق القرآن الكريم

والكلام في ذلك يقع في عدة فصول :

الفصل الأول
في منا قشة ما ذهبوا إليه
في كفر من لم يكفّر القائل بخلق القرآن الكريم

من أغرب الأقوال التي من الصعب تصديقها لولا الرجوع إلى المصادر الكثيرة هو أنّ

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 145

الحنابلة ليس فقط كفروا القائل بخلق القرآن الكريم وأهدروا دمه ، ولم يقفوا عند القول بتكفير القائل بأنّ ألفاظنا التي نتلفظ بها بالقرآن الكريم وآياته المباركة مخلوقاً ، بل أصروا على أنّ المتوقف ومن لم تتضح له الصورة في المسألة كافر أيضاً ، وكذا من لم يكفر هؤلاء فهو كافر ، وبالتالي فهو مهدور الدم عندهم ، يعني لابد أولاً أنْ يقول بما يقولون في خلق القرآن الكريم ، ومن ثم يكفر جميع من يخالفهم في المسألة ، وإلا فهو خارج عندهم عن ملة الإسلام ، فلو قال : بأنّ القرآن الكريم ليس بمخلوق ، ولكنه اعتبر أنّ القائل بخلق القرآن الكريم مشتبه وقد أخطا في اجتهاده وفهمه للأدلة ، أو تردد في كفره ولم يحكم عليه بالكفر ، فهـو عنـد أحمد بن حنبل كافر ، يُستتاب فإن تاب عن عدم التكفير وإلا ضربت عنقه .

والعجيب جداً عبارة ابن بطة الحنبلي المتقدمة حيث قال : ومن قال : مخلوق ، أو قال كلام الله ووقف ، أو شك ، أو قال بلسانه وأضمره في نفسه ، فهو بالله كافر ، حلال الدم ، بريء من الله ، والله منه بريء ، ومن شك في كفره ووقف عن تكفيره فهو كافر .

ولو رجعنا اليوم إلى غالبية المسلمين على اختلاف فرقهم ومذاهبهم فسنجد أنهم

146 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

يجهلون الموضوع ، ونجدهم على أقل تقدير يجهلون هل أنّ القرآن الكريم مخلوق أو ليس بمخلوق ، كما أننا نجدهم بما فيهم الكم الواسع من الحنابلة أنفسهم يرفضون فكرة تكفير من يقف في موضوع خلق القرآن ، بل حتى من يقول بخلق القرآن ، وعلى هذا الأساس فهم على قاعدة الحنابلة التي أسسها إمامهم أحمد بن حنبل خارجين عن ملة الإسلام ولابد من عرضهم على السيف حتى يرفضوا فكرة خلق القرآن الكريم ويقولوا بأنه غير مخلوق وأنّ ألفاظنا به وتلاوتنا له أيضاً غير مخلوقة ، ويكفروا القائل بخلاف ذلك وإلا ضربت أعناقهم ، فلا يكفي في أنْ يعصم مال المسلم ودمـه أنْ يشهـد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله كما ورد في الروايات المتواترة عن الرسول الأعظم (ص) في كتب المسلمين ، بل لابد له أنْ يوافق الحنابلة في كم كبير مما ذهبوا إليه سواء في خلق القرآن أو في غيره ، وقد تبين فيما تقدم نقل أقوالهم التكفيرية لمن خالفهم بمسائل أخرى غير هـذه المسائل .

وبالجملة فعباراتهم في تكفير من لم يكفر القائل بخلق القرآن كثيرة جداً منها ما تقدم عن أحمد بن حنبل حيث قال : ومن زعم أنّ ألفاظنا به ، وتلاوتنا له مخلوقة ، والقرآن كلام الله فهو جهمي ، ومن لم يكفر هؤلاء القوم فهو مثلهم .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 147

وقال أيضاً أثناء حديثه عن القرآن الكريم : فمن قال مخلوق ، فهو كافر بالله العظيم ، ومن لم يكفره فهو كافر .
وقال أيضاً : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، ومن شك في كفره فهو كافر .
وهذه بعض العبارات ، ويمكن لمن أراد التتبع البحث عنها في مظانها .

وبعد أنْ اتضح رأي قائد معركة خلق القرآن الكريم ، وهو الذي تبعه جميع من بعده ممن ينسب نفسه إلى السنة والجماعة ممن هو على رأي الحنابلة ، ودافعوا عن طريقته ، واعتبروه من أعظم من دافع عن السنة ووقف بوجه البدع لنا أنْ نسأل : ما هو الدليل على هذه الاستباحة الواسعة لدماء المسلمين الذين يترددون على الحكم بأنّ من يقول بخلق القرآن أو أنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم مخلوقة بأنه كافر .

وأعتقد أنه لو جهد أتباع أحمد بن حنبل جهدهم وبذلوا قصارى وسعهم للإتيان بشاهد من القرآن الكريم والسنة الشريفة ، فإنهم لن يعثروا عليه ، بل لا يمكنهم العثور لإثبات ذلك برواية ضعيفة وحتى مروية برواية الوضاعين في نظرهم .

148 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

وأعتقد أنّ أدنى من له اطـلاع على مصادر الشريعة المقدسة لا يمكنه أنْ يقبل ذلك .

أولم يكن الإمام أحمد بن حنبل في واجهة قافلة الحنابلة في الدفاع عن معتقدهم ، ومن ثم صار قوله حجة عليهم في كل شيء لديهم ، أوليس أقواله عندهم تمثل نهجهم الذي يسيرون عليه ، وإذا كان الأمر كذلك فهذا التكفير الواسع وهذا الهتك الكبير للمسلمين ألا يمكن عده من أعظم البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان .

لقد تسببت هذه الرؤية الاستئصالية لأحمد بن حنبل في قتل عدد كبير من المسلمين كما أسلفنا بيانها عند عرضنا لتاريخ الصراع بين الحنابلة وخصومهم في المسألة .

ولذا ارتكبت حمامات دم ومجازر الله أعلم بها ، وقد أشار ابن الجوزي وأبو القاسم اللالكائي الطبري فيما تقدم عنه إلى بعض منها .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب