548 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

الفصل التاسع عشر
كلام أحمد بن حنبل وأتباعه في ضرورة التشبيه

ذهب أحمد بن حنبل إمام الحنابلة ، والذي اعتبروا قوله حجة في بيان عقيدة السنة إلى ضرورة التشبيه ، وأنّ القول بعدم مشابهة الله عز وجل لمخلوقاته غير معقول ، يقول أحمد بن حنبل أثناء عرضه لأقوال الجهمية الكافرة في نظره ورده عليها :
فإذا سألهـم الناس عن قوله : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) يقولون : ليس كمثله شيء من الأشياء ، وهو تحت الأرضين السابعة ، كما هو على العرش ، لا يخلو منه مكان ، ولا يكون في مكان دون مكان ، ولم يتكلم ولا يتكلم ، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا بفعل ، ولا له غاية ولا له منتهى ، ويدرك بعقل ، وهو وجه كله ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 549

وهو علم كله ، وهو سمع كله ، وهو نور كله ، وهو قدرة كله ، ولا يكون فيه شيئين ، ولا يوصف بوصفين مختلفين ، وليس له أعلى ولا أسفل ، ولا نواحي ولا جوانب ، ولا يمين ، ولا شمال ، ولا هو ثقيل ولا خفيف ، ولا له لون ولا له جسم ، وليس هو معقول معلوم ، وكلما خطر ببالك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه ، فقالو : هو شيء لا كالأشياء .
قلنا : إنّ الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء . (1)

وكـلام أحمـد بن حنبـل واضـح ، في أنّ قوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (2) لا يقصد منه أنّ نفي مشابهته بالأشياء كالجسمية واللون وغيرهما ، فإنّ الشيء الذي لا كهذه الأشياء لا وجود له ، وحينئذ فلا بد من إثبات هذه الأمور التي تعرض الأشياء وتتصف بها ، وإلا كان ذلك نفياً لوجوده حسب عقلية أحمد بن حنبل .
وفي نفس الوقت يقول ابن تيمية أثناء حديثه عن الباري عز وجل : وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله و لا قول أحد من سلـف الأمـة وأئمتها أنه ليس

 

(1) الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل ص 17 ، 18 ط. دار قتيبة / بيروت سنة 1411 هـ - 1990م .
(2) سورة الشورى : 11 .

 
 

550 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

بجسم ، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً ... (1)

ويقول في موضع آخر : وأما كون الباري جسماً أو ليس بجسم حتى يقال الأجسام كلها محدثة فمن المعلوم أنّ الكتاب والسنة والإجماع لم تنطق بأنّ الأجسام كلها محدثة وأنّ الله ليس بجسم !!! ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين !! (2)

ويقول أيضاً : وأما الحنبلية فلا يعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ ، لكن فيهم من ينفيه ، وفيهم من لا يثبته ولا ينفيه ، وهو الذي كان عليه الإمام أحمد وسائر أئمة السنة ، وإنْ كانوا يثبتون ما جاءت به النصوص مما يسميه المنازعون تجسيماً وتشبيهاً . (3)

أقول : ابن تيمية يفتح الباب أمام القول بما لا يتعارض مع التشبيه والتجسيم من خلال هذه العبارات التي أخذها من أئمته المشبهة والمجسمة وإنْ كانوا يطلقون عبارة بلا تكييف ولا تشبيه بعد كل قول فيه تجسيم أو تشبيه .
والأغرب من كلام ابن تيمية كلام تلميذه ابن قيم الجوزية حيث يصرح بأنّ القول بالتشبيه والتجسيم ليس فيه أي محذور ،

 

(1) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 101 .

(2) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 118 . (3) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 93 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 551

يقول في كتابه الصواعق المرسلة وهو يحكي نظر من يسميهم بأهل السنة والجماعة : فإنهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال ، ونعوت الجلال ، ووصفناه بكل صفة كمال ، فإنْ لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا نقصاً ، ولا عيباً ولا ذماً بوجه من الـوجـوه ، فإنّ لازم الحـق حـق ، وما لزم من إثبات كمـال الرب ليس بنقص ... (1)
إلى أنْ قال : فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذراً من التجسيم ، وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت ، فلو فرضنا في الأمة من يقول له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره لكان أدنى إلى الحق ممن يقول لا سمع له ولا بصر .

ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يُصلى له ويُسجد ولا ترفع له الأيدي ، ولا ينزل عنده شيء ، ولا يصعد إليه شيء ، ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم .

ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه يتكلم كما يتكلم الآدمي وأنّ كلامه بآلات

 

(1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ج1 ص 263 ط. دار العاصمة / الرياض ط.2 سنة 1412هـ .

 
 

552 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

وأدوات تشبه الآت الآدميين وأدواتهم لكان خيراً ممن يقول إنه ما تكلم ولا يتكلم ، ولا قال ولا يقول ، ولا يقوم به كلام البتة ، فإنّ هذا القائل يشبهه بالأحجار والجمادات التي لا تعقل وذلك المشبه وصفه بصفات الأحياء الناطقين .

وكذلك لو فرضنا في الأمة من يقول له يدان كأيدينا لكـان خيـراً ممن يقول ليس له يدان ، فإنّ هذا معطل مكذب لله ، راد على الله ورسوله ، وذلك المشبه غالط مخطيء في فهمه ... (1)

والعجيب من ابن القيم أنه بعد أنْ اعتبر أنّ القول بالتجسيم والتشبيه لا محذور فيه ، وأنه يلزم القول بتلك الصفات من الوجه واليد والرجل وغيرها من الصفات التي أثبتها الحنابلة ومنهم هو وأستاذه ابن تيمية ، يتعامل مع كلمات خصومه إما بسذاجة مفرطة لو أحسنا به الظن ، أو بتمويه وتدليس لا يليق بعالم ومحقق ، فإنّ من يسميهم بالجهمية أو المعتزلة أو الرافضة لم ينكر أحدهم السمع والرؤية للباري عز وجل ، وإنما أنكروا الحواس من العين والأذن ونحوهما فهو عز وجل ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (2) فثبوت

 

(1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ج1 ص 263 ، 264 .
(2) سورة الشورى : 11 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 553

السمع والبصر له لا يلازم أنْ يكون له عينان وأذنان ، وإنما لديه جميع نعوت الجلال والكمال من غير أنْ يشبه خلقه أو يستلزم ذلك الوصف عيباً أو نقصاً يستلزم الحاجة كالجسمية والمشابهة بالمخلوقين ، ومن يسميهم بالجهمية لم ينكروا أنه كلم أنبيائه وملائكته وقبلوا بجميع آيات القرآن الكريم الصريحة في ذلك ، ولكنهم لم يفسروا كلامه بالمعنى الذي يشبه كلام المخلوقين بالحروف والأصوات أو أنه يختلف عن كلمات البشر لكنه كجر السلسلة أو كصوت الرعد أو غير ذلك مما قاله ابن القيم وأستاذه ابن تيمية تبعاً لأسلافهما من الحنابلة ، وإنما الكلام إنما يكون بمعنى لا يكون على نحو كلام المخلوقين كما سنبينه إنشاء الله تعالى ، ويكون من صفاته الفعلية التي لا تتصف بالقدم كما في وصفه عز وجل بالخالقية والرازقية وغيرهما ، أو بمعنى أنه يتكلم بواسطة مخلوقاته وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل أيضاً إنشاء الله تعالى ومن يصفهم بالجهمية يرفضون أنْ يكون لله عز وجل يداً ورجلاً وكفاً وأصابع وغير ذلك من الأعضاء التي أثبتها الحنابلة وبعض الأشاعرة ، ولكنهم يؤمنون بالقدرة المطلقة والإرادة التامة للباري عز وجل ، ويعتقدون أنّ ظاهر القرآن الكريم دال على عدم إثبات هذه الأعضاء بل على نفيها كما سنبين إنشاء الله تعالى ، فدعوى أنّ لازم كلامهم

554 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

هو تشبيه الباري عز وجل وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً بالجمادات هو كلام في غاية السخافة ومنتهى السذاجة لو أحسنا به الظن ، ولعمري ما الفرق بين عدم المانع من قبول فكرة التجسيم والتشبيه وبين كثير من الأفكار الوثنية التي تصور الخالق بما لا تتناسب مع العقل السليم والتي ردها القرآن الكريم في مواضع كثيرة من آياته الكريمة .

ما نقله أبو بكر بن العربي بشأن قول
الحنابلة بالتشبيه

وما تقدم يعضد ما ذكره أبو بكر بن العربي المالكي ، الذي أثنى عليه علماء السلفية والوهابية لا سيما في هذا العصر ، ويكفيك ما ذكره بشأنه محب الدين الخطيب في مقدمة تحقيقه على العواصم من القواصم القسم المتعلق بأحوال الصحابة ومواقفهم بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث أكد أنهم يلتزمون بتشبيه الباري بمخلوقاته ، ويثبتون له جميع صفات الإنسان وأعضاءه باستثناء شيئين وهما : اللحية والعورة ، وأنّ الفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين فقط بالكمال والنقص ، يقول ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم :
وأخبرني من أثق به من مشيختي أنّ القاضي أبا يعلى محمد الحسين الفراء الحنبلي رئيس

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 555

الحنابلة ببغداد كان إذا ذكر الله تعالى يقول وما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى : ألزموني بما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة . وانتهى بهم القول إلى أن يقولوا إن أراد احد أن يعلم الله فلينظر إلى نفسه فانه الله بعينة إلا أن الله منزه عن الآفات . (1)

أقول : إنّ هؤلاء يعتقدون بوجود خالق وإله ، ولكن الذي يتصف بهذه المواصفات ليس هو الله عز وجل كما هو في وجدان عامة المسلمين إلا من تلوثت فطرته بسبب كلمات الحنابلة .

كلام ابن تيمية في رد ما نقله ابن العربي

حاول ابن تيمية إنكار ما ذكره أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم بأنّ الذي نقل ما ذكر عن أبي يعلى الفراء مجهول لا يُعرف ، يقول ابن تيمية : ... وما نقله عنه أبو بكـر بن العربي في العـواصم كـذب عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر ... (2)

أقول : كون الرجل غير مذكور الإسم لا يستدعي تكذيبه ، فأبو بكر العربي لا إشكال

 

(1) العواصم من القواصم ص 210 ط. دار الثقافة / الدوحة ط.1 سنة 1413هـ- 1992م ، وج2 ص 283 ط.1 باستانبول / تركيا .
(2) درء التعارض ج5 ص 238 .

 
 

556 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

في وثاقته وإمامته عندهم ، وقد ذكر ابن العربي أنّ الرجل من شيوخه ، وذكر أنه من الثقات ، وهذا المقدار كاف في ثبوت الوثاقة بالإتفاق ، فلو قال أحمد بن حنبل أو مالك أو غيرهما أثناء نقل حديث : حدثني من أثق به ، فلا إشكال عندهم في الإعتماد على هذا الخبر حتى ولو لم يذكر إسم الناقل ، والأمر من الواضحات ، ثم إنّ كلمات الحنابلة ومنهم ابن تيمية نفسه في التشبيه في غاية الوضوح ، غاية الأمر أنهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم بأنّ ذلك كله بلا تكييف ولا تشبيه ، وهذا كما سيأتي مجرد خداع في اللفظ ، نعم الحنابلة قالوا بالتشبيه بجميع أقسامه والتي منها ما تقدم من تشبيه الحق تعالى عما يصفون وما يقولون علواً كبيراً بأنه في صورة شاب أمرد عليه نعلان من ذهب مستلق على سريره واضع إحدى رجليه على الأخرى ، وأنّ السرير أو العرش الذي يستلقي عليه يحمله أربعة من الملائكة أحدهم في صورة إنسان والثاني في صورة أسد والثالث في صورة نسر والرابع في صورة ثور ، أو أنه تحمل عرشه ثمانية أو عال يعني تيوس جبلية ضخمة ، بل وصرح غير واحد منهم بأنّ صورته تشبه صورة الإنسان ، طبعاً ذيلوا ذلك بعبارة بلا كيفية ولا حد ليوهموا الناس أنهم خرجوا بذلك عن القول بالتشبيه أو التجسيم ، وصّرحوا بأنّ الله عز وجل خلق آدم (ع) على صورة الرحمن إلى غير ذلك مما تقدم بعضه

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 557

وسيأتي بقيته إنشاء الله تعالى ، وقد أوهموا الناس أنهم ليسوا من المشبهة من جهتين :
الأولى : أنهم عندما أثبتوا الأمور المتقدمة للباري عز وجل قالوا : نحن نثبتها مع نفي الكيفية .
الثاني : أنهم عندما اثبتوا تلك الصفات رفضوا أنْ يقال يده أو رجله التي يدعونها تبارك وتعالى عما يصفون علواً كبيراً كيد الإنسان أو رجله ، وإنما يقولون له وجه وكالشاب الأمرد وغير ذلك لكن لا يصح أنْ يقول أحد إنّ يده كيدي مثلاً ، فقد ذكر غير واحد منهم أنّ المشبهة هم الذين يقولون أنّ للباري يداً كيدي ووجهاً كوجهي الخ . (1)

ثم إنّ أبا بكر ابن العربي لم يقتصر على ما نقله عمن يثق به من مشيخته عن أبي يعلى الفراء ، بل وصف حالة الحنابلة التي كان معاصراً لها بأنهم وصلوا في القول بالتجسيم والتشبيه إلى حد أنهم كانوا يقولون من أراد أنّ يعرف الله عز وجل فلينظر إلى نفسه ، فإنه الله بعينه ، تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، والفرق عندهم بين الباري تبارك وتعالى والإنسان إنما هو بالكمال والنقص فقط ، فالإنسان تعترضه الآفات ، بخلاف الباري عز وجل .

 

(1) درء التعارض ج4 ص 145 ، مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 87 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب