386 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

الفصل الرابع
رأي ابن قتيبة وابن البنا الحنبلي في أنّ صورة
الباري تعالى تشبه صورة الإنسان

قال ابن قتيبة : وكذلك حديث ابن عباس أنّ موسى صلى الله عليه وسلم ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر ، وقال : اشربوا يا حمير .فأوحى الله تبارك وتعالى إليه : عمدت إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير ، فما برح حتى عوقب .

قال ابن قتيبة ، هذا معنى الحديث ، والذي عندي والله تعالى أعلم أنّ الصورة ليست أعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد . (1)

 

(1) تأويل مختلف الحديث ص 221 ط. دار الجيل / بيروت ، أقاويل الثقات للكرمي المقدسي الحنبلي ص 172 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1406هـ- 1985م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 387

والحديث المذكور ذكره أبو يعلى الفراء ونقله عن إبراهيم بن عبد الله الجنيد الختلي في كتاب العظمة . (1)
وعبارة ابن قتيبة المذكورة نقلها واستدل بها ابن البنا الحنبلي في كتابه المختار في أصول السنة . (2)

وهذا الخبر الذي زاد في بعض مضامينه على معتقدات بعض عبّاد الأوثان صححه عدة من الأئمة الكبار عندهم ، فقد اعتمد عليه ابن قتيبة الفقيه والمفسر والأديب المعتمد عندهم ، واستدل بكلام ابن قتيبة ابن البنا الحنبلي ، وذكره أبو يعلى الفراء في مقام عرض عقائد السلف والحنابلة على حد تعبيرهم في كتابه الذي رد فيه على ابن فورك الذي حاول فيه تأويل بعض الأحاديث بما لا ينتهي إلى التجسيم والتشبيه ، وسماه إبطال التأويلات ، وأي تشبيه أعظم من أنْ يقال بأنْ صورة البشر خلقت على صورة الباري عز وجل وعليه فالباري تعالى عندهم له وجه ، وهذا الوجه يشبه صورة الإنسان ، كما تدل عليه عبارة : عمدت إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير .

 

(1) إبطال التأويلات ج1 ص 97 رقم 85 .

(2) المختار في أصول السنة ص 145 .  
 

388 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

ومنه يتضح أنّ الباري تعالى عما يصف الظالمون علواً كبيراً عند الحنابلة وكما تقدم عن أبي بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم يعتبر بالنسبة لعلماء الحنابلة وكبار أئمتهم إنسان ، ولكنه أكمل من المخلوقين ، فهو أمرد ليس له لحية ولا عورة ، وما عدا ذلك يمكن إثباته له عندهم ، ولا تعترضه الآفات ، وليس مركباً من لحم ودم ، بل من نور أو من شيء آخر ، وأي افتراء أكثر من هذا الافتراء ، وأي جرأة أعظم من هذه الجرأة ، وأي ضلال وضياع وانحراف أزيد من هذا الباطل ، ومع ذلك يتهمون من يخالفهم بالانحراف ، بل بعضهم يخرج من يخالفهم في هذه العقائد السخيفة الباطلة من ملة الإسلام والعياذ بالله تعالى .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب