في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 81 : -

 6 - الإمام الحجة من أهل البيت

يقول عبد الرحمن بن الجوزي في صيد الخاطر ان الله لا يخلى الأرض من قائم له بالجنة جامع بين العلم والعمل عارف بحقوق الله تعالى خائف منه فذلك فطب الدنيا ومتى مات اخلف الله عوضه ، وربما لم يمت حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبه ، ومثل هذا لا تخلوا الأرض منه فهو بمقام النبي صلى الله عليه وسلم في الإمامة وهذا الذي أصفه يكون قائما بالأصول ، حافظا للحدود ولما كان أهل البيت ورثة لأنبياء الله ورسله على مر القرون وكر العصور في الدفاع عن شريعة الله والحفاظ على ملته من أعدائه الضالين المضلين يردون كل ضلالة ، ويمحقون كل بدعة ينادون الناس إلى السنن التي اندثرت ويدعونهم إلى الآداب والفضائل التي هجرت ويحفظون للإسلام قدسيته .

فلقد اخرج الملا في سيرته وابن حجر في صواعقه انه صلى الله عليه وسلم قال : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وان أئمتكم وفدكم إلى الله عزوجل فانظروا من تفدون هذا وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم 

- ص 82 -

بملازمة الهداة المهتدين من أئمة أهل البيت ، والاقتداء بهم ، والأخذ عنهم ، لأنهم بحكم فطرتهم السليمة كما يقول الأستاذ حسين يوسف ، وسريان دم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دمائهم ، وروحه في أرواحهم ، أقرب إلى التوفيق والسداد ، وأبعد عن الغرض والهوى ، ولذلك نهى الرسول عن إغفالهم أو التقدم عليهم ، لأنهم الأعلى مقاما ، والأصفى إسلاما وإيمانا ، وفي نفس الوقت حذر من التخلف عنهم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني تارك فيكم أمرين ، لن تضلوا إن اتبعتموهما ، وهما كتاب الله ، وأهل بيتي عترتي ، إني سألت ذلك لهما ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " إشارة إلى أنهم بفطرتهم هداة مهتدون ، بموجب كونهم الأطهر حسبا ونسبا ، والأتقى روحا وقلبا ، والله تعالى يقول : ( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ) .

وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله يقبض في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يعلم أمتي الدين " .

وأخرج أبو إسماعيل الهروي من طريق حميد بن زنجوية قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمور دينهم ".

ويقول الحافظ السيوطي إن الرواية المقيدة بقوله " من أهل بيتي " ، وإن كانت غير معروفة السند ، فإن أحمد أوردها بغير إسناد ولم يوقف على إسنادهما في شئ من الكتب ولا الأجزاء الحديثية ، غير أنه في غاية الظهور من حيث المعنى ، فإن القائم بهذا المنصف الشريف جدير بأن يكون من أهل في العبادة الظاهرة ، وأحسن أخلاقا وأزكى نفسا ، وقد ذهب البعض إلى أن آل البيت محفوظون من الكبائر بعناية الله ، فقد فطرهم على حبه وحب طاعته ، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام .

وذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر ، لابد وأن يكون من أهل البيت النبوي الشريف ، وإن رأى أبو العباس ، كما نقل عنه تلميذه ابن عطاء ، أن 

- ص 83 -

القطب قد يكون من غيرهم ، ولكن قطب الأقطاب لا يكون إلا منهم ، لأنهم أزكى الناس أصلا ، وأوفرهم فضلا ، غير أن القطب من شأنه غالبا الخفاء وعدم الظهور ، فإذ لم يوجد في الظاهر من أهل البيت من يصلح للاتصاف بالقطبية ، حمل على أنه قام بذلك رجل منهم في الباطن ، وأما القائم بتجديد الدين فلا بد أن يكون ظاهرا حتى يسير علمه في الآفاق ، وينتشر في الأقطار .

وهنا يفترض " ابن أبي بكر الشلي " في كتابه " المشرع الروي " أن المناصب الثلاثة ، وهي : الخلافة الظاهرة وهي القيام بأمر الإمامة ، ثم الخلافة الباطنة وهي القطبية ، ثم منصب تجديد الدين على رأس كل مائة سنة ، لا يقوم بها إلا رجل من أهل البيت ، ولكن ما المراد بأهل البيت هنا ، يجيب ابن أبي بكر ، بأنه إن أراد صلى الله عليه وسلم بقوله " رجل من أهل بيتي " أي من سائر قريش ، كما هو المراد بالخلافة الظاهرة ، اتسع الأمر ، وربما أراد صلى الله عليه وسلم بذلك ما هو أعم من أهل البيت بالنسب ، فقد صح أن مولى القوم منهم ، غير أن هناك من اشترط أن يكون القطب من ذرية الإمام الحسين على وجه الخصوص ، وهنا ربما كان رأى أبي العباس المرسي من أن القطب قد يكون من غير آل البيت ، على أن يكون قطب الأقطاب منهم ، ربما كان مقبولا إلى حد ما ، وإن رجح ابن أبي بكر الشلي الاكتفاء بمطلق أهل البيت في القطبية أو أن يكون من أهل البيت من جهة الأم .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب