بتحذيرات الرسول عرض الحائط وكشف عن وجهه الأموي المعادي لخط
آل البيت ( 21 ) .
يقول المودودي : إن أفراد العائلة الذين ارتقوا في عهد عثمان كانوا جميعا من
الطلقاء . والمراد بالطلقاء تلك البيوت المكية التي ظلت لآخر وقت معادية للنبي
صلى الله عليه وسلم وللدعوة الإسلامية فعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم بعد
فتح
مكة ودخلوا في الإسلام . ومعاوية والوليد بن عقبة ومروان بن
الحكم كانوا من تلك البيوتات التي أعطيت الأمان وعفا الرسول عنهم . أما عبد
الله بن أبي سرح فقد ارتد بعد إسلامه وكان واحدا من الذين أمر الرسول في فتح
مكة بقتلهم حتى ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ( 22 )
.
ولقد وسع عثمان من نفوذ معاوية على الشام وضم إليه حمص وقنسرين وفلسطين والأردن
حي بسط نفوذه على كل الشام وأصبح من أقوى الولاة وأغناهم مما أتاح له الفرصة
على منازعة الإمام علنا .
فالشام كانت على هوى بني أمية فلم تكن موطنا للعرب والصحابة
كما هو حال العراق . فمن ثم لم يجد معاوية وبني أمية من بعده من ينازعهم فيها
وهم استطاعوا التعايش مع أهلها وأهلها تعايشوا معهم ولم يجدوا اختلافا كبيرا
بين حياتهم قبل الإسلام وحياتهم بعده بعد أن فتح لهم ، معاوية الدنيا على
مصراعها .
ومثل هؤلاء يكونون سيفا واحدا على كل من يحاول المساس بدنياهم ولأجل هذا وقفوا
صفا واحدا من خلف معاوية في مواجهة الإمام . لقد اختار أهل الشام إسلام بني
أمية ورفضوا إسلام آل البيت فإسلام بني أمية سوف يحفظ لهم دنياهم
ومصالحهم . وإسلام آل البيت سوف يحرمهم من هذه الدنيا وسوف
يضرب هذه المصالح اختار أهل الشام معاوية لكونه يمثل استمرارا لخط هرقل والروم
والدنيا . . ورفضوا الإمام لكونه استمرارا لخط النبوة والإسلام والآخرة .
يقول عثمان : لو أن بيدي مفاتيح الجنة
لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم ( 23
) .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 21 ) أنظر نماذج من هذه الأحاديث في
البخاري كتاب الفتن .
( 22 ) أنظر كتب التاريخ وكتب السيرة .
( 23 ) رواه أحمد . نقلا عن البداية والنهاية
لابن كثير ج7 / 178 . ( * ) |
وعلى الرغم من هذا الحب من قبل عثمان لعشيرته . وما حققه لبني
قومه من إنجازات ونفوذ وثراء على حساب المسلمين .
رغم هذا كله كان قومه هم الذين سعوا إلى القضاء عليه والتآمر
على قتله فهم قوم سوء استعان بهم عثمان فكان ضحيتهم .
ولقد كانت سياسة عثمان وممارساته المعوجة وتحالفه مع قومه
ونبذه لكبار الصحابة وفساد ولاته على الأمصار كل ذلك قد أفقده تعاطف المسلمين
وأهل المدينة على الخصوص الذين لم يتحرك أحد منهم لنصرته والدفاع عنه حين حوصر
وتركوه
ليلقي مصيره ويجني ما كسبت يداه وإذا كان قومه الذين والاهم
وارتبطت مصالحهم به لم يتحركوا لنصرته فكيف يتحرك الغرباء للدفاع عنه .
يبرر ابن كثير الموقف السلبي للصحابة وأهل
المدينة تجاه عثمان بقوله : إن كثيرا منهم بل أكثرهم أوكلهم لم يكن يظن أنه
يبلغ الأمر إلى قتله .
ثانيا : إن الصحابة مانعوا دونه أشد
الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم . عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم
ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا فتمكن أولئك مما أرادوا . . ومع هذا ما ظن أحدا من
الناس أن يقتل بالكلية .
الثالث : أن هؤلاء ( الخوارج ) لما اغتنموا
غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة بل
لما اقترب مجيئهم انتهزوا فرصتهم وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم .
الرابع : إن هؤلاء ( الخوارج ) كانوا قريبا
من ألفي مقاتل من الأبطال وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة
لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم وفي كل جهة . ومع هذا فإن كثير من
الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم .
ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجئ إلا ومعه السيف . . وربما لو
أرادوا صرفهم عن المدينة لما أمكنهم ذلك وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض
الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا
لا يصح عند أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان . بل كلهم كرهه
ومقته وسب من فعله . ولكن بعضهم يود لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر ومحمد
بن أبي بكر وعمرو بن الحمق وغيرهم ( 24 ) .
وكلام ابن كثير هذا - وهو فقيه أموي النزعة - يحمل الكثير من المتناقضات إذ كيف
للصحابة وأهل المدينة وهم يرون هذه الثورة العارمة ضد عثمان ولا يتوقعون مقتله
؟
وكيف لهم أن يتركوا الدفاع عنه وهم يرونه ضائع لا محالة في
مواجهة ألفي مقاتل . . ؟
وكيف يستقيم هذا التفسير مع قوله أن كثير من الصحابة اعتزلوا
الفتنة ؟ .
وعلى أي أساس نفي ابن كثير وجود موقف من عثمان ورضي بقتله في
الوقت الذي تؤكد الروايات أن هناك عدد من الصحابة كان يتزعم هذه الثورة ويحرض
المسلمين على عثمان ؟
وكيف له أن يؤكد أن عمار أو ابن أبي بكر وابن الحمق تراجعوا
عن موقفهم العدائي . . ؟
ثم أين معاوية وجيشه . . ؟
وابن كثير يدافع عن عثمان دفاعا مستميتا مبررا
منكراته مضيفا عليها الشرعية وهو بهذا إنما يدافع عن خطه وفقهه الذي ورثه من
القوم والذي هو نابع من الخط الأموي . فمن ثم ليس مستغربا منه هذا الموقف ولا
من أي من فقهاء الشام مثل الذهبي والنووي وابن تيمية وابن عساكر وغيرهم ممن
ناصبوا خط آل البيت العداء ( 25 ) .
يقول ابن كثير : أنه قيل لعثمان حين أنكر أمر
البريد - أي الكتاب الذي زوره مروان وعاد على أساسه الثوار لحصار عثمان بعد أن
تركوا حصاره لرضوخه لمطالبهم - : إن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا
تعلم فقد عجزت ومثلك لا يصلح للخلافة . إما لخيانتك وإما لعجزك .
ويعلق ابن كثير على هذا الكلام بقوله : وهذا الذي قالوه باطل على كل تقدير
| |
* هامش * |
|
|
|
( 24 ) المرجع
السابق ص 186 ، 187 .
( 25 ) أنظر تاريخ الإسلام للذهبي . وفتاوى
ابن تيمية ج3 . والنووي شرح مسلم باب
مناقب عثمان . ( * ) |
فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب وهو لم يكتبه في نفس الأمر لا
يضره ذلك لأنه قد يكون رأى في ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة
الخارجين على الإمام . وأما إذا لم يكن قد علم فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد
أطلع عليه وزور على لسانه وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه . وإنما
هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون ( 26 )
.
لقد تمادى ابن كثير في تبريره لانحرافات عثمان إلى الحد الذي دفعه إلى تغليف
هذه الانحرافات بالنصوص النبوية التي تضفي المشروعية عليها . فهو قد اعتبر أن
الحاكم من حقه أن يفعل ما يشاء بالأمة تحت شعار المصلحة وعلى الأمة أن تلتزم
بالسمع والطاعة لأن الرسول أمر بذلك .
ومعنى ذلك أن عثمان بعد ما وافق الثوار على مطالبهم ثم عاد وانقلب عليهم وأرسل
كتابه المذكور الذي يأمر فيه ولاة الأمصار التي سوف يصلون إليها بقتلهم - معنى
ذلك أن هذا الغدر مبرر في عرف ابن كثير .
ثم تأمل الألفاظ العصبية التي تنم عن عدم معالجته الحدث برؤية حيادية منصفة
والتي وصف بها الثوار فهو قد نصب نفسه قاضيا وجلادا في آن واحد
( 27 ) .
ونفس هذا النهج في تفسير أحداث التاريخ المتعلقة بالخط القبلي وخط بني أمية
التزم به ابن تيمية والذهبي والنووي وابن خلدون وابن حزم وغيرهم
( 28 ) .
ومثلما دافع هؤلاء عن عثمان دافعوا أيضا عن معاوية ومروان وسائر بني أمية
وزكوهم وأضفوا المشروعية على مواقفهم وممارساتهم في الوقت الذي وقفوا فيه من
الإمام علي موقفا مشبوها ومعاديا في أحيان كثيرة ( 29 )
.
ولقد كان مصرع عثمان هو بداية الصراع العسكري بين الخط الأموي وخط آل البيت .
ذلك الصراع الذي انتهى بسيادة الخط الأموي .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 26 )
ابن كثير ج7 / 180 .
( 27 ) ابن كثير من فقهاء الشام وهو يسير على نهجهم وخاصة نهج
أستاذه ابن تيمية . .
( 28 ) أنظر تاريخ الإسلام للذهبي وفتاوى
ابن تيمية وشرح مسلم للنووي وتاريخ
ابن خلدون والفصل في الملل والنحل
لابن حزم .
( 29 ) أنظر المراجع السابقة . وانظر العواصم
من القواصم . وقد شكك ابن تيمية في كثير من الروايات الواردة في حق
الإمام علي .
أنظر منهاج
السنة وكذلك الفتاوى . وقد نقل ابن
حزم في كتابه المحلى ج10 / 484
إجماع الأمة على أن ابن ملجم لم يقتل الإمام
علي إلا متأولا . ( * ) |
يروي ابن الأثير : وحمل عبد
الله بن سعد بن أبي سرح خمس إفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم
بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان وكان هذا مما أخذ عليه .
وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقيا فإن بعض الناس يقول أعطى عثمان خمس إفريقيا
عبد الله بن سعد وبعضهم يقول أعطاه مروان بن الحكم وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله
خمس الغزوة الأولى وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع
إفريقيا ( 30 ) .
ويروي ابن سعد أن عثمان كتب لمروان خمس مصر
( 31 ) .
ويروي ابن كثير والطبري أن
نائلة زوجة عثمان قالت له ناصحة إنك متى أطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند
الله قدر ولا هيبة ولا محبة ( 32 ) .
إلا أن عثمان ضرب بنصح زوجته عرض الحائط وقام بتعيين مروان ( سكرتيرا ) له فكان
أن استغل ثقة عثمان به فخطط وتآمر على الإسلام والمسلمين
( 33 ) .
وبدافع أبو بكر بن العربي عن موقف عثمان من معاوية بقوله : وأما معاوية فعمر
ولاه وجمع له الشامات وأقره عثمان بل إنما ولاه أبو بكر لأنه ولى أخاه يزيد
واستخلفه يزيد فأقره عمر لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلافه واليا له فتعلق
عثمان بعمر وأقره . فانظروا إلى هذه السلسلة ما أوثق عراها وأقدر سردها ولن
يأتي مثلها بعدها أبدا ( 34 ) .
ويدافع عن موقفه من الوليد بن عقبة بقوله : وأما تولية الوليد بن عقبة فلأن
الناس على فساد النيات أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات . وأما قول القائل في
مروان والوليد فشديد عليهما وحكمهم عليهما بالفسق فسق منهم . مروان رجل عدل من
كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين ( 35
) .
| |
* هامش * |
|
|
|
( 30 ) أنظر
الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 / 46 .
( 31 ) طبقات ابن سعد ج2 .
( 32 ) أنظر الطبري ج3 / 396 . وابن
كثير ج 7 / 172 .
( 33 ) أنظر المراجع السابقة .
( 34 ) أنظر العواصم من القواصم .
( 35 ) المرجع السابق . ( * ) |