في عام 11 للهجرة يفعل الدهر فعلته الأولى ، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ
الإسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الإلهي . كلها إيمان وصدق ، جهاد وتضحية
، فخر وقوة ، عز ومجد ، عدل ورحمة ، أخوة وإنسانية . يقلب الدهر هذه
الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل ، بأفول ذلك النور المقدس
من الأرض ، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها
الكتاب التشريعي : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم . . . ) .
لا شك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى ، في أن
هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الإنسانية ، كان حدا فاصلا بين عهدين
يختلفان كل الاختلاف : ذاك إقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى ، وهذا انقلاب
عنه على الأعقاب . إذن نحن الآن أمام أمر واقع : مات النبي صلى الله عليه وآله
وسلم !
ولا بد أن يكون المسلمون ( - كلهم ؟ - لا أدري الآن ) قد
انقلبوا على أعقابهم . ولكن . . . بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب ؟ . * * *
أعطني من نفسك - أيها القارئ - وفكر بحرية ، والتمس لي حادثا
ذا بال وقع بعد وفاة صاحب الرسالة مباشرة ، فنضح برذاذه جميع المسلمين ، فهل
تجد غير حادث " السقيفة " ؟
ما أعظمه من حادث ! وهل تدري أن الشيعة تفسر الآية الكريمة به
؟ . فإذا ؟ ردنا الآن أن نبحث عن " السقيفة " ، فإنما نبحث عن أعم حدث في
الإسلام ، وأول حوادثه بعد الوفاة ، له علاقته الخاصة بالآية الكريمة ، أتفسر
به أم لا ؟ .
وعلى هذا الأساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون
فدخلت العقائد والأهواء في سرد الحادثة ، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها
الباحث ، ويجهد مستهدف الحقيقة . * * *
وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة أن الآية الكريمة
تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة أبي بكر.
ولكني لا اطمئن إلى هذا الاحتمال ، ما دامت الآية تشعرنا بأن
الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة ، وما دامت هي خطابا لجميع المسلمين ، وأهل
الردة - كيفما فرضناهم - هم أقل القليل من المسلمين ، بل في العدوة القصوى منهم
.
وفوق ذلك نجد أن عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن
وأشياعهم ، كمسيلمة وأتباعه ، وطليحة وأوليائه . وهؤلاء كانوا في عهد النبي
واستغلظ أمرهم بعده ، ما عدا سجاح التميمية ، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت
بمسيلمة .
أما الأسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم أنصاره طريقته بعده . وعلقمة
بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله . ومثله أم رفل سلمى بنت مالك
وتابعوها . أفيصح أن نقول : إن هؤلاء انقلبوا على الأعقاب بعد النبي ، وكان
الخطاب بالآية لهم ؟ اللهم إن هذا يأبى الإنصاف أن يصدق به ، عند من كان له شئ
من حرية الرأي وصحة التفكير .
ومالك بن نويرة ( 1 ) . - مالك وادع سجاح ( والموادعة . المتاركة والمسالمة على
ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله ) . وليست الموادعة من الردة
في شئ وأكثر من ذلك إنما كانت
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) وبه يضرب المثل المشهور : " فتى ولا كمالك " . ( * )
|
|
|
منه لمصلحة المسلمين ، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الأصقاع
النائية عن مركز المسلمين . وكان الذي أراد . وإن كانت تلك الموادعة ذنبا ، فقد
أظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك ، كما صنع وكيع وسماعة ، وهما وادعا سجاح أيضا ،
وقبل المسلمون المحاربون توبتهما .
وهذا أبو بكر يدي مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله ، فهل
تفسر بهذا آية الانقلاب ؟ . ولا ذنب لمالك - إذ عد من أهل الردة - إلا أن قاتله
بطل المسلمين يومئذ وقائدهم . وحقيق عليهم أن يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله .
فليكن مالك مرتدا يستحق القتل ! وما يهمنا أن نشين مالكا بما
يستحق وبما لا يستحق ، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد ! . عمر بن
الخطاب يريد أن يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وأبو بكر يعتذر عنه (
أنه اجتهد فأخطأ ) .
وما الخطأ على المجتهدين بعزيز . وهذا من أوليات أبي بكر ، إذ
يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الإسلامي . وأبو بكر لم يقل لمتمم
أخي مالك أنه ارتد فقتل بل قال له : ما دعوته وما قتلته ، لما قال له متمم من
أبيات :
أدعوته بالله ثم قتلته * لو هو دعاك
بذمة لم يغدر
نعم ! التاريخ ينزه مالكا . وقضى الدفاع عن خالد أن يحكم بعض
الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده ! . * * *
ومن هم أهل الردة غير هؤلاء ؟ . - مانعوا الزكاة . - مانعوا
الزكاة ؟ .
من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم ! ليت أحدا
يرشدني إليهم ! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر ، ويروح ويغدو
فلا يجد غير المتنبئين وأشياعهم . وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة : ( لو
منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ) ، فإنما قالها عندما جاء
وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة
وترك الزكاة ، لا في قوم غير المتنبئين . وإذا كانوا - وربما كانت بعض القبائل
المجهولة امتنعت عن الزكاة - فهل العصيان بترك واجب ، وهم يقيمون الصلاة يكون
كفرا وارتدادا ؟
بأي مذهب وبأي دين ؟ فليتأول المتأولون ما شاؤا . ولم يعرف
عنهم أنهم أنكروا وجوب الزكاة بقول ، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين
يعدون في الكافرين المرتدين . وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم من منكري ضروريات
الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين
وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم وجود غير المتنبئين أنهم
امتنعوا عن أدائها . وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة أبي بكر التي كانت
عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب ، فلم يعترفوا له بإمامة
وولاية حتى يؤدوا له الزكاة .
ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته ، فأهمل مطالبتهم
التأريخ . هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار ، وادعتها الشيعة فيهم ،
فما لنا بتكذيبها من برهان ، فالأحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ
أسماءهم وقبائلهم .
ومهما كان الأمر ، فإن استطاع الكاتب أن يثبت الانقلاب بأول حدث في الإسلام ،
فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة ، بل يستعين على تفسيرها بتفسير
الحادث الأول ، وكفى ! وأجدني مضطرا قبل كل شئ إلى أن أقف مع القارئ
على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله ، من حل للخلاف بعده :
إما في وصية باستخلاف أحد ، أو في قاعدة مضبوطة يرجعون إليها ، أو أنه أهمل
الأمر وتركهم وشأنهم ، لأن هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا ، يتوقف
عليه تفسير كثير من الحوادث .
إذن سنعقد الكتاب علي أربعة فصول :
الفصل الأول - في موقف النبي تجاه الخلافة
الفصل الثاني - في تدبيره لمنع الخلاف
الفصل الثالث - في بيعة السقيفة
الفصل الرابع - موقف علي بن أبي طالب .