الرأي الحق في مسألة عدالة الصحابة

 - الصحابة - السيد علي الميلاني ص 41 :

الرأي الحق في مسألة عدالة الصحابة

 

وأما الرأي الحق في المسألة ، بعد أن بطلت أدلة القول الأول الذي ادعي عليه الإجماع ، فهو أن ننظر إلى الكتاب وإلى السنة نظرة أخرى ، فنجد في القرآن الكريم أن الذين كانوا حول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ثلاثة أقسام :

إما مؤمنون ، وهذا واضح .

وإما منافقون ، وهذا واضح .

وإما في قلوبهم مرض ، وهذا أيضا واضح .


هؤلاء طوائف كانوا حول رسول الله . فإذن ، ليس كل من كان مع رسول الله كان مؤمنا ، المؤمنون طائفة منهم ، المنافقون طائفة أخرى ، والذين في قلوبهم مرض طائفة ثالثة .


ومن الجدير بالذكر - وعلى الباحثين أن يتأملوا فيما أقول - أن
 

- ص 42 -

في سورة المدثر وهي - على قول - أول ما نزل من القرآن الكريم في مكة المكرمة ، ولو لم تكن أول ما نزل فلعلها السورة الثانية ، أو السورة الثالثة ، في أوائل البعثة النبوية والدعوة المحمدية نزلت هذه السورة المباركة ، في هذه السورة نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا )


لاحظوا بدقة ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) هذه طائفة من أهل مكة ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) إذن ، في مكة عند نزول الآية أناس كانوا أهل كتاب وأناس مؤمنين ( ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) ( 1 ) .

يظهر من هذه الآية المباركة : أن حين نزول السورة المباركة في مكة كان الناس في مكة على أربعة أقسام :

كافرون ، أهل كتاب ، مؤمنون ، في قلوبهم مرض .

الكافرون معلوم ، وهم المشركون ، وأهل الكتاب أيضا معلوم ، يبقى المؤمنون وهم الذين آمنوا برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

أما الذين في قلوبهم مرض ، فمن هم ؟ ففي مكة ، المسلمون

 

* هامش *

 

 

(1) سورة المدثر : 31 . ( * )

 

 

- ص 43 -

الذين كانوا حول رسول الله عددهم معين محصور ، وأفراد معدودون جدا ، يمكننا معرفة المؤمن منهم من الذي في قلبه مرض ، نحن الآن لسنا بصدد تعيين الصغرى ، لسنا بصدد تعيين المصداق ، لكنا عرفنا على ضوء هذه الآية المباركة أن الناس في مكة في بدء الدعوة المحمدية كانوا على أربعة أقسام :


أناس مشركون كافرون وهذا واضح ، وفي الناس أيضا أهل كتاب وهذا واضح ، وفي الناس آمن برسول الله وهذا واضح ، الذين في قلوبهم مرض ، هؤلاء ليسوا من الذين آمنوا ، وليسوا من المشركين والكافرين ، وليسوا من أهل الكتاب ، فمن هم ؟


فيظهر ، أن هناك في مكة المكرمة وفي بدء الدعوة المحمدية أناسا عنوانهم عند الله وفي القرآن الكريم : ( الذين في قلوبهم مرض ) .


ولو راجعتم التفاسير لرأيتم القوم متحيرين في تفسير هذه الآية وحل هذه المشكلة ، ولن يتمكنوا إلا أن يفصحوا بالحق وإلا أن يقولوا الواقع ، فما دام لا يريدون الواقع تراهم متحيرين مضطربين .

يقول الفخر الرازي بتفسير الآية ( 1 )- لاحظوا بدقة - : جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله : ( الذين في قلوبهم مرض ) إنهم

 

* هامش *

 

 

(1) تفسير الرازي 30 / 207 . ( * )

 

 

- ص 44 -

الكافرون ، والحال أن في قلوبهم مرض قسيم وقسم في مقابل الكافرين ، هذا رأي جمهور المفسرين .


ثم يقول - لاحظوا بدقة - : وذكر الحسين بن الفضل البجلي : أن هذه السورة مكية ، ولم يكن بمكة نفاق ، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق . وترك الأمر على حاله ، ليس بمعنى النفاق ، إذا ماذا ؟


فهذا قول في مقابل قول جمهور المفسرين !


يقول الفخر الرازي وهو يريد أن يدافع عن قول جمهور المفسرين ، لاحظوا بدقة قوله : قول المفسرين حق ، وذلك لأنه كان في معلوم الله تعالى أن النفاق سيحدث ، أي في المدينة المنورة ، فأخبر عما سيكون ، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة ،

لأنه إخبار عن غيب سيقع ، وقد وقع على وفق الخبر ، فيكون معجزا ! ! كان ذكر الذين انحصر في قلوبهم مرض هنا معجزة ، لكن لن يرتضي الفخر الرازي أيضا هذا التوجيه مع ذكره له .


والعجيب من الفخر الرازي حيث يقول : جمهور المفسرين قالوا إنهم الكافرون ، وهو يدافع عن قولهم ويقول : هو حق ، ثم يحمل الآية على أنه إخبار عن النفاق الذي سيقع . فإذا كان قول المفسرين حقا ، فقد فسروا بأنهم الكافرون ،
 

- ص 45 -

وأنت تقول : بأن هذا إخبار عن النفاق الذي سيقع في المدينة المنورة ، فكيف كان قول المفسرين حقا ؟ وهذا يكشف عن تحيرهم واضطرابهم في القضية .


ومما يزيد في وضوح الاضطراب قوله بعد ذلك : - أرجو الملاحظة بدقة - : ويجوز أن يراد بالمرض الشك . أي : الذين في قلوبهم شك ، لكن يعود الإشكال ، فمن الذين في قلوبهم شك ، في بدء الدعوة في مكة ، في مقابل الذين آمنوا ، والذين كفروا ، وأهل الكتاب ؟


فيعلل كلامه قائلا : لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين . فنقول : من المراد هنا من أهل مكة ؟ هل المراد أهل الكتاب ؟ هل المراد الكفار والمشركون ؟ من هؤلاء الذين أكثرهم مشركون ؟ وقد زاد في الطين بلة فقال : وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب ؟


وهذا عجيب من مثل الفخر الرازي ، عجيب والله ، وليس إلا الاضطراب والحيرة ! ! هذا ، والفخر الرازي في مثل هذه المواضع يأخذ من الزمخشري ولا يذكر اسم الزمخشري ، وطابقوا بين عبارة الفخر الرازي والزمخشري ، لرأيتم الزمخشري جوابه نفس الجواب ، ولا أدري تاريخ وفاة الحسين بن الفضل ، وربما يكون متأخرا عن
 

- ص 46 -

الزمخشري ، فنفس الجواب موجود عند الزمخشري وبلا حل للمشكلة ( 1 ) .


ويأتي أحدهم فيأخذ كلام الفخر الرازي والزمخشري حرفيا ، ويحذف من كلام الفخر الرازي قول الحسين بن الفضل والبحث الذي طرحه الفخر الرازي ، وهذا هو الخازن في تفسيره ، فراجعوا ( 2 ) .


ثم جاء المتأخرون وجوزوا أن يكون المراد النفاق ، وأن يكون المراد الشك ، وتعود المشكلة ، وكثير منهم يقولون المراد الشك أو النفاق ، لاحظوا ابن كثير ( 3 ) ولاحظوا غيره من المفسرين ، فهؤلاء يفسرون المرض بالشك ، يفسرون المرض بالنفاق ويسكتون ، أي يسلمون بالإشكال أو السؤال .


كان في مكة المكرمة نفاق ، وأنتم تعلمون دائما أن النفاق إنما يكون حيث يخاف الإنسان على ماله ، أو يخاف على دمه ونفسه ، فيتظاهر بالإسلام وهو غير معتقد ، وهذا في الحقيقة إنما يحصل في المدينة المنورة ، لقوة الإسلام ، لتقدم الدين ، ولقدرة رسول

 

* هامش *

 

 

(1) الكشاف في تفسير القرآن 4 / 650 .
(2) تفسير الخازن 4 / 330 .
(3)
تفسير ابن كثير 4 / 388 . ( * )

 

 

- ص 47 -

الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هذا كله صحيح .


أما في مكة ، حيث الإسلام ضعيف ، وحيث أن النبي مطارد ، وحيث أنه يؤذى صباحا ومساء ، فأي ضرورة للنفاق ، وأي معنى للنفاق حينئذ ؟ والله سبحانه وتعالى لم يعبر بالنفاق ، وإنما عبر بالمرض في القلب ، وفيه نكتة .


إذن ، كان في أصحاب رسول الله منذ مكة من في قلبه مرض ، ومن كان منافقا ، وأيضا كان حواليه مؤمنون ، فكيف نقول إنهم عدول أجمعون ؟ وهذا على ضوء هذه الآية .


وأما الآيات الواردة في النفاق ، أو السورة التي سميت بسورة المنافقون ، فأنتم بكل ذلك عالمون عارفون .


وأما السنة ، فيكفينا من السنة حديث الحوض ، وأنتم كلكم مطلعون على هذا الحديث وألفاظه ، وهو في الصحيحين ، وفي المسانيد وفي المعاجم ، وهو من أصح الأحاديث المعتبرة المقبولة : ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني ، حتى إذا رفعوا إلي رأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولن : يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .


وعنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنكم تحشرون إلى الله تعالى ، ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال لي : إنك لا

- ص 48 -

تدري ما أحدثوا بعدك ، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم - إشارة إلى قوله تعالى : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) ( 1 ) -


فأقول كما قال العبد الصالح : ( كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ( 2 ) .


قال رسول الله : بينما أنا قائم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم قال : إنهم ارتدوا

بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراهم يخلص منهم إلا مثل همل النعم ، فأقول : أصحابي أصحابي ، فقيل : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : بعدا بعدا ، أو سحقا سحقا لمن بدل بعدي ( 3 ) .


وإنا عندما أثبتنا على ضوء الكتاب والسنة القطعية وجود

 

* هامش *

 

 

(1) سورة آل عمران : 144 .
(2) سورة المائدة : 117 - 118 .
(3)
مسند أحمد 1 / 389 ، 2 / 35 ، 6 / 33 ، صحيح البخاري 6 / 69 ، 8 / 148 ، 151 ، 9 / 58 ،
    صحيح مسلم 4 / 180 ، الموطأ 2 / 462 ، المستدرك 4 / 74 - 75 . ( * )

 

- ص 49 -

المنافقين ومن في قلبه مرض حول رسول الله ، فإن هذه الأدلة تكون قرينة للأدلة التي يستدلون بها على فرض تمامية دلالتها بالعموم أو الإطلاق ، بأن تكون تلك الآيات بعمومها دالة على فضل أو فضيلة ، أو تكون بنحو من الأنحاء دالة على عدالة

الصحابة بصورة عامة ، فتلك الأدلة التي ذكرناها أو أشرنا إليها مما يدل على وجود المنافقين والذين في قلوبهم مرض حول رسول الله ، تلك الأدلة تكون مخصصة أو مقيدة للآيات والأحاديث التي استدل بها على عدالة الصحابة بصورة عامة على

فرض تمامية الاستدلال بها .


وهذه الأدلة التي أشرنا إليها تكون قرينة على خروج المنافقين والذين في قلوبهم مرض عن تحت تلك العمومات ، إما تخصصا أو تخصيصا .


حينئذ لا يمكن التمسك بإطلاق أو عموم تلك الآيات أو الروايات على فرض تمامية الاستدلال بها ، وعلى فرض تمامية ظهورها في العموم أو الإطلاق .


وهذا المقدار يكفينا لأن نعرف حكم الله سبحانه وتعالى في المسألة ، ولأن نعرف أنهم يحاولون المستحيل ، وغاية ما هناك إنهم حاولوا أن يسدوا باب أهل البيت ، وباب الرواية عن أهل بيت

- ص 50 -

العصمة والطهارة ، وأرادوا أن يروجوا لغيرهم ، وعندما يواجهون مثل هذه القضايا وهذه المشاكل يضطربون ويتحيرون ، ولا يدرون ماذا يقولون ، وهذا واقع الأمر .


ونحن ليس عندنا أي نزاع شخصي مع أحد من الصحابة ، ليس عندنا أي خصومة خاصة مع واحد منهم ، إنما نريد أن نعرف ماذا يريده الله سبحانه وتعالى منا ، ونريد أن نعرف الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يكون قدوة لنا ، وأسوة لنا ، وواسطة بيننا وبينه في الدنيا والآخرة .

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب